حين كان النظام السابق يعتلي عرش مصر ويعيث في الأرض الفساد ويبيع ويفلق ممتلكات الشعب المصري من مصانع يعيش عليها آلاف الأسر وملايين البشر، ويفسد الأراضي الزراعية بما يجلبه من الكيان الصهيوني- العدو الأول لمصر- من بذور فاسدة وهرمونات مسرطنة، كنت ترى هؤلاء العمال في المحلة وغيرها يهتفون بأعلى صوت أن يسقط النظام العميل، وكنت تقابل الفلاح المصري الفصيح ليشرح لك عن كيفية أن النظام باع البلد وأفسدها وأمرض أهلها- ببساطة لا يملكها أصحاب الأقلام- وأنه لا يملك إلا أن يقول "حسبنا الله ونعم الوكيل"؛ وذلك في الوقت التي كانت فيه ما يسمونه بالنخبة المثقفة تهادن النظام وتتحدث عنه بألف وجه.

 

ويوم الاستفتاء فاجأ هؤلاء العمال والفلاحين الجميع بإيجابيتهم، فتراهم من كل مكان منطلقون، من المصانع ومن المزارع ليصوتوا لما رأوه في مصلحة بلادهم دون أن ينتظروا توجيه من أحد، ودون أن يتأثروا برغبة أحد رغم تهافت أجهزة الإعلام بكل أنواعها من صحف وفضائيات تحاول أن تكسب هؤلاء البسطاء وتوجههم- بنفس تلك النخبة المثقفة- لكنهم بقلوبهم النقية وأفكارهم البسيطة لا يحكمون إلا ضمائرهم فيختاروا رغمًا عن الجميع ما يشعرون أنه في صالح بلادهم، ثم تأتي انتخابات الشعب ليخرج هؤلاء جميعًا دون داعٍ من أحد، وبرغم كل النداءات وبرغم كل التخويفات التي تطلقها تلك الوسائل الإعلامية على عادتها من التيار الإسلامي عامةً ومن الإخوان المسلمين خاصة، يخرج هؤلاء ليختاروا بإرادة حرة، ولأول مرة منذ حقب يختارون ويقولون نعم للإسلاميين الذين يمثلون هوية الشعب المصري الحقيقية سواء كانوا مسلمين أو نصارى، نعم لمن نعرفهم فهم منا ونحن منهم، نعم لمَن وقفوا على مدى ثمانين عامًا في وجه كل طاغية، وتوالت الاختيارات لتأتي انتخابات مجلس شورى الثورة، ولا يغير هؤلاء رأيهم بل يزدادون إصرارًا، ثم جاء الاختبار العظيم في حب مصر، يوم دعا من دعا للإضراب العام، وقد كان رهان هؤلاء الداعين إلى الإضراب والعصيان المدني كل اعتمادهم على هؤلاء العمال الذين تدربوا على التظاهرات والإضرابات منذ زمن، لكنهم لم يفقهوا لماذا ثار هؤلاء في البداية، ولماذا توجهوا إلى أعمالهم، ووهبوا أجر ذلك اليوم لبلادهم في يوم الإضراب الذي دعوا إليه؟ لم يفقهوا ما فقهه هؤلاء، فذهب هؤلاء المواطنون من عمال وفلاحين في صمتٍ كل إلى عمله، ودون وجود من يعبر عنهم من فضائية أو جريدة، توجه الجميع إلى عمله في صمت دون صخب إعلامي ودون تشجيع من أحد ودون انتظار تكريم أو استلام نيشان من أحد، وبروح عالية الوطنية وبفهم يصعب على المثقفين استيعابه، توجه هؤلاء جميعًا للعمل مجانيًّا لصالح بلادنا الحبيبة.

 

وإلى هؤلاء الصامتين جميعًا نتوجه لهم بالتحية والتقدير والاعتذار عن فهم الكثيرين القاصر تجاه قضايا بلادنا، المدعين الفهم والحب، الذين باعوا كل القضايا من أجل حفنةٍ من الدولارات، أو من أجل الظهور في الفضائيات وعلى صفحات الجرائد، وتجد من هؤلاء الذي يظهر كبطل ثوري، بينما هو في الأصل بلطجي الفكر والعمل، بينما البطل الحقيقي والثوري الحقيقي هو من يدير ماكينات مصنعه ويوقد نار فرنه ويزرع ويحرث ويروي أرضه، كي نأكل ونشرب ونلبس ويعيش هؤلاء الداعون للبطالة وتوقف مظاهر الحياة كي تنجح خطة الأعداء في هدم ما تم بناؤه بأيدي الأبطال الحقيقيين.

 

فليخجل هؤلاء إن كان ما زال عند هؤلاء قلب أو عقل أو ضمير، لن نخون أحدًا ولن نرضى بالتخوين، ولكننا ننادي بتصحيح الفهم وتصحيح النوايا كي تستقيم الأمور وتعتدل الموازين ونصل إلى بر الأمان، ولنتعلم من هؤلاء البسطاء الذين أعطونا بحسن فهمهم وتصرفهم أعظم درس في الوطنية الحقيقية.