جمعني به الحب، وكنا نلتقي على الحب، مع أمير الحب الحاج عباس السيسي، الذي عرفني به، حتى أذن الله أن يكون الحب هو بحرنا ليل نهار، لمدة ثلاث سنوات، قضيناها معًا بسجن المزرعة، ثم في سجن ملحق المزرعة، وكنت قد ذهبت أولاً بالخطأ إلى سجن المزرعة، وأنا على ذمة قضية 8 عسكرية، وهو على ذمة قضية أمن دولة، فلما أصلحوا خطأهم، ودعته إلى الملحق، وكان الفراق حارًّا، فإن صدر حكم عليَّ فلن أراه لسنوات، وفي يوم كنت في مبنى نيابة أمن الدولة في تحقيقاتهم الهزلية، ففوجئت به وقد جاء خصيصًا من البحيرة ومعه حقيبته، يقول لهم: ها أنا ذا، ماذا تريدون مني؟ فقد كان اسمه في كشوف قضية 11 عسكرية؛ حيث كان غائبًا عن بيته يوم الاعتقال، وهكذا قدر الله أن نجتمع بعد الأحكام في المزرعة ثم بالملحق؛ حيث كنت في القضيتين العسكرتين في وقت واحد، فقد كان من حِكمها الكثيرة أن نلتقي، ويمتد حبنا في الله.  

 

أولاً: من سن الرجولة كان الاقتناع بفكرة الإخوان:

كان عمره 28 عامًا حينما التقى لأول مرة مع مربي البحيرة وملهمها الأستاذ محمد الدسوقي أبو قنينة، الذي كان عنوانًا للإيثار والتضحية التي وصلت إلى الفداء بنفسه من أجل إخوانه، طالبًا منهم في التحقيقات بأن يقولوا: إنه هو المسئول، من أجل حمايتهم، وحكم عليه بخمسة وعشرين عامًا، ويحكى عنه أنه من كثرة خدماته في الشعبة آنذاك ظن الناس أنه يعمل فراشًا بالشعبة.

 

وعندما خرج من السجن في بداية عام 74، أخذ يلتقي الشباب؛ حيث كان الشاب محسن القويعي منهم، وقد تأثر بهذه الشخصية، التي لاقت عنده المعاني التي كان يبحث عنها، ولم يجدها في غيره، يقول القويعي عن اللقاءات الأولى مع أبي قنينة: (استطاع أن يقنعني بفكرة الإخوان في مكتبه، حينما رأيت فيه الرجولة، فرغم الأزمة، خرج ليستمر في الدعوة، وهذه هي الرجولة الحقة)، فمن معنى الرجولة الذي رآه عمليًّا، اقتنع الشاب بفكرة الإخوان، حينما رآها أمام عينيه، دون كلام أو خطب، فلم يكن الأستاذ الدسوقي رجل كلام؛ بل كان يمارس التوجيه، هكذا كان دائمًا يردد القويعي، ولذا لم يترك مكانًا إلا وكان معه فيه، وعلى ذلك فقد شهد بدايات العمل الدعوي بكل أنحاء البحيرة، يحدثك دائمًا عن الذي فتح الله على يديه العمل في إيتاي البارود أو كوم حمادة أو أبو حمص أو حوش عيسى أو كفر الدوار أو العشرة آلاف أو المحمودية أو غيرها، وكان يعلِّم هذه الخطوات للشباب كما كان الصحابة يعلمون الأجيال الغزوات، خاصة حينما تولى مسئولية الشباب (الثانوي والجامعة) بالبحيرة لفترة طويلة، تحت قيادة القائد الدسوقي أبو قنينة، الذي كان يصفه وهو معه يمارس المسئولية: (بأنه لا يهدأ ولا ينام ويحمل هم الدعوة ليل نهار) وربما ورث التلميذ ذلك من أستاذه، فكانت صفات محسن القويعي هي الصفات نفسها، التي كانت مرئية ومحسوسة وعملية.

 

ثانيًا: صفات القويعي العملية والمحسوسة:

1 – الصداقة والأخوة:

يحكي عن أول أسرة يجلس فيها وتعلقه بالأستاذ محمد العصار، الذي كان آنذاك في دعوة أنصار السنة، وكان الشاب القويعي يدخن، فما حدثه الأستاذ الدسوقي عن الإقلاع، بل ربما كان يقدم إليه طفاية السجائر، ولكنه في ظلال البيئة الصالحة ومع الصداقة الجميلة، استطاع أن يقلع تمامًا وإلى آخر العمر عن التدخين، في زمن لم يتجاوز أشهرًا قليلة، فكم تفعل الصداقة الخالصة الأعاجيب!، وظل وفيًّا لحبه وصداقته للأستاذ العصار، فقد كنت كلما التقيت القويعي في أي مكان أرى معه العصار، وقد حقق الأخوة التي كانت معناها عنده، حتى مع المخالفين لرأيه، تقوم على قاعدة ثابتة، فقد كان دائمًا يردد: (مبدأ الأخوة هو الذي أقام الإمام حسن البنا الجماعة على أساسه)، وكان يستشهد بموقف الإمام حسن البنا ضاربًا المثل في الوفاء؛ حيث كان في زيارة للصعيد، وزار فلانًا بعد أن اتُّخذ قرارًا بفصله، سائلاً إياهم: كم سنة قضاها في الإخوان؟ قالوا: أربع سنوات، فقال: (أليس تكفي أربع سنوات لزيارتي)، ثم يعقب القويعي بصوت عالٍ: (هذه أدبيات الإسلام، هذه هي عقيدتنا).

 

2 -  الجماهيرية والعمل الشعبي:

لقد شهد القويعي الالتحام الأول مع جماهير البحيرة من خلال جلسات البيوت ثم شراء مكتب صغير، ولكنه كما يقول: (كان فتحًا عظيمًا، للتعارف والأنشطة، ونشر الفكرة، فأي عمل لا بد له من فكر أولاً، ثم يتبع الفكر الحركة، فليس هناك حركة دون فكر، ولذا فنحن نجمع الناس أولاً على الفكرة، ففكر الإخوان الوسطي النهضوي أوسع بكثير من غيره)، وعلى هذا الأساس كان انطلاقه بين الجماهير كما تعرّف هو واقتنع بالفكرة أولاً، ولذلك فلم يكن غريبًا على جماهير البحيرة، حينما اختاروه بالانتخاب، رئيسًا للمجلس المحلي بدمنهور في الفترة ما بين عام 1992 إلى عام 1996، يقول في ذلك:

 

(ومن اللافت للانتباه أنه بعد انتخابات محليات 92 بدأت حملات اعتقالات واسعة، ولُفِّقت قضايا للإخوان إلى سنة 95 التي تمَّ فيها عقد المحاكمات العسكرية، وكنت أحد المحالين لهذه المحاكمة).

 

ومن آخر وصاياه بعد 25 ثورة يناير حينما تم حل المجالس المحلية: (من غير المقبول أن تجري الانتخابات في المرحلة الحالية دون وضع قانون جديد، لتنظيم الإدارة المحلية، فالقانون الحالي غير صالح للعمل مجددًا، ولا يقدم أبسط مقومات العمل المحلي الصحيح) وعندما سئل في حوار صحفي عن أهم شيء في المحليات بالنسبة لكم؟ قال: (أهم شيء هو المشاركة والالتحام بالشعب، والتعرُّف على مشاكله، والعمل على طرح حلولٍ لها من وجهة نظر وطنية قومية لكي نجمع عليها الأمة التي تتحرَّق أشواقها أملاً في حياة سعيدة مستقرِّة).

 

3- التأسيس العميق:

منذ كان يأتي الشيخ علي أبو شعيشع خصيصًا إلى دمنهور في البدايات، ويقوم بشرح رسالة التعاليم، تلقى القويعي هذا التأسيس العميق، من الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة، خاصة حينما تطور العمل الدعوي، وانتقلوا إلى بيت الحداد في شقة واسعة، وازداد حجم الأعمال والمسئوليات، فيذكرنا بالسبب الرئيس الذي ضمن لهم النجاح، وهو العمل بمبدأ الشورى، فقد كانوا يجتمعون عقب كل نشاط، حول السلبيات والإيجابيات ومدى الاستفادة من الحدث، وذلك مع كل الناس، ولم يكن فقط مع مجموعة العمل أو مسئوليه، الذين كانوا كما يقول: (يستفيدون من النصائح والنقد، فالقيادة ليست سيطرة، بل توجيه وفق الزمان والمكان، وهذه هي التربية العملية)، وبهذا التأسيس كان عضوًا في المكتب الإداري للمحافظة لفترات متعددة، خدمة لإخوانه وتفانيًا في العمل الدعوي، فمن ثمار هذا التأسيس يذكرنا بالخطوات الأولى في نشر الدعوة، بموقفين: الأول: في السبعينيات حين كانوا يتجمعون كل جمعة في صلاة الفجر بأحد المساجد ثم يتحلقون لقراءة المأثورات، والثانية: يجتمعون في صلاة المغرب ثم ينطلقون معًا لأداء واجب العزاء، مما أثمر انطلاق كلمة الإخوان عمليًّا، في وقت لا يستطيع فيه أحد أن يجهر بها.

 

4 – البسمة والقرآن:

أشهد أنه طيلة الثلاث سنوات، لم يفارق أمرين: البسمة الصادقة وحمل المصحف، وكان أمله أن يتم حفظ كتاب الله، منتهزًا كل لحظة في ذلك، يجوب الملعب مع نفسه، أو مع غيره، أو مع كبار محفظي الإخوان، وكان المهندس الصروي مهتمًا بذلك اهتمامًا خاصًّا مما شجعنا على حفظ كتاب الله، إلى أن أتم حفظ القرآن في حفل كريم، وزعت فيه أقلام أنيقة على الحفظة، أما عن البسمة الطبيعية التي تدخل السرور على إخوانه، فهذه بعض من مواقفه الرائعة: لقد تعلمنا الحب لزوجاتنا في السجن، وكانت الممارسة تظهر في الرسائل الرومانسية، وقد ألفت كتاب: الحب روح الحياة الزوجية، وقد أهديته لزوجتي، وكنت أناول القويعي ما أكتبه أولاً بأول، فكان نداؤه الدائم قبل الزيارة وبعد الزيارة: (جايلك يا طاهرة)، مما كان يخفف الألم ويدخل السرور، وموقف آخر: كنت أقوم بإعداد كتابي: فقه السالكين، وكنت أستدل في كلماتي بابن عجيبة والشيخ زروق، فأطلق عليَّ أثناء ماتشات الكرة كمشجع: اديله يا ابن عجيبة، حلوة يا شيخ زروق، وسط تبادل الابتسامات، وكان له جلباب بأكمام كبيرة وسديري وطاقية يرتديهم في المناسبات، ويمشي بمشية خاصة به، وفي يده فنجان القهوة، كان يقلدها يومًا الدكتور الزعفراني في حفلة سمر، وإذا بالقويعي يخرج علينا بنفس المظهر، فرأينا في وقت واحد الأصل والتقليد معًا، وضج يومها الإخوان بالضحك، ومن ثم أطلقنا عليه اسم: العمدة، فقد كان عندنا ثلاثة ألقاب: السلطان وهو الدكتور الزعفراني، والباشا وهو الدكتور فؤاد عبد المجيد، العمدة وهو محسن القويعي.

 

5 – الوعي والمشاركة السياسية

يبهرك بتحليله للمواقف السياسية، وقراءته المتعددة، في أسلوب بسيط بعيد عن المصطلحات والتعقيد، إلى أن أصبح مسئولاً عن المكتب السياسي للإخوان المسلمين بوجه بحري، ومسئولاً عن التربية السياسية بجماعة الإخوان بمحافظة البحيرة، فمن وصاياه في ذلك وقد عاشت قضية فلسطين في أعصابه، يعلن في تصريحات خاصة لإحدى المواقع: (عندما وضع السادات اللعبة السياسية كلها للمنطقة العربية في يدي أمريكا وقال إن 99% من قضايا المنطقة في يدي أمريكا، وقال بعدها إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب بيننا وبين إسرائيل، فإنه بذلك عزل مصر عن محيطها العربي، وأصبحت قضية فلسطين بعدما كانت قضية إسلامية يجتمع حولها المسلمون من جميع أنحاء العالم أصبحت قضية عربية، ثم أصبحت قضية فلسطينية، ثم أصبحت القضية الفلسطينية قضية فصائلية فلسطينية، وهكذا صار العرب في طريق الانحدار السياسي .

 

فتخلت عنهم الدول؛ حيث إنهم تخلوا عن قضيتهم الأساسية، فروسيا والصين والهند وكثير من دول العالم قالوا بلسان حالهم: "إذا كان أصحاب القضية باعوها على موائد المفاوضات ووضعوها في يدي أمريكا، وحيث إن الطريق إلى قلب أمريكا يمر عبر إسرائيل، فإن الدول العربية هرولت إلى إسرائيل تطلب منها كل شيء في المنطقة.

 

وتابع القول: (ولكي تتمكن إسرائيل من السيطرة على المنطقة لا بد من فرط عقد العالم العربي؛ فتقسم السودان إلى ثلاثة أجزاء جغرافية وتقسم العراق إلى ثلاثة أقسام طائفية وعرقية، ويثور النزاع الطائفي في لبنان، بهذه الطريقة التي يشهدها العالم كله، وتضرب الوحدة الصومالية ويحدث الانشقاق الصومالي، وتتهدد اليمن وسوريا ومصر بالتقسيم كذلك وهكذا تتم السيطرة الإسرائيلية على المنطقة وتنتشر الصراعات العرقية والطائفية، ولا ينتظم الصف العربي حول قضيته وهويته وثقافته وتذوب الهوية القطرية والإقليمية العربية القائمة على اختلاف وجهات النظر ولكنها تتحد كلها في سبيل الوطن وعزته، فيصبح هناك صراع بين الأعراق والطوائف فلا تسود إلا ثقافة واحدة عالمية وهي الثقافة الأمريكية، وتذوب الثقافات الصغيرة ولا تستطيع أن يكون لها كيان عالمي يمثل وجهة النظر الأخرى أمام الوجهة الغربية.

 

ثالثًا: آخر أعماله وفاعلياته بالبحيرة:

1- شارك سياسيًّا في قضايا البحيرة؛ حيث كتبت إحدى الصحف: "ووصف المهندس محسن القويعي- رئيس المجلس المحلي السابق لمدينة دمنهور وأحد قيادات الإخوان بالبحيرة- عدم احترام الحكومة لأحكام القضاء بأنها تُخرِجُ بذلك لسانها للعدالة، وقال: "إن القضاء قد حكم بأنه لا يوجد شيءٌ اسمه أبو حصيرة يخصُّ اليهود، وكان يجب على الحكومة تنفيذ أحكام القضاء المصري التي تتشدَّق بأنها تحترمه، ولكنها داست، ولا تزال، هذا القانون بالنعال لصالح الصهاينة!!".

 

وأبدى دهشته مما حدث قائلاً: "إننا لا نعلم لأي جهة تعمل الحكومة؟ هل تعمل للشعب المصري الذي أدَّت القسَم على خدمته والحفاظ على مصالحه وأمنه القومي، أم تعمل لصالح العدو الصهيوني الذي يدنِّس أرض البحيرة بدمتيوه؟!!"

 

2- وكانت آخر مشاركاته في يناير الماضي وقبل وفاته بأقل من شهر: أن شارك وفد من قيادات وأعضاء مجلس الشعب عن حزب الحرية والعدالة بالبحيرة، وعدد من قيادات الإخوان المسلمين على رأسهم د. محمد جمال حشمت عضو الهيئة العليا للحرية والعدالة، وم. أسامة سليمان أمين عام الحزب بالبحيرة، وم. محسن القويعي عضو المؤتمر العام للحزب؛ في تقديم التهنئة للإخوة المسيحيين بعيد الميلاد المجيد، مساء، بمقرِّ كاتدرائية السيدة العذراء والقديس إثناسيوس بدمنهور.

 

3- وفي رمضان الماضي وفي أول احتفال للإفطار السنوي للإخوان بالبحيرة، بعد الثورة، وفي كلمة وصفها الإعلام بأنها كانت ساخنة كانت آخر كلماته قبيل الإفراج عن الإخوان المحبوسين؛ حيث قال المهندس محسن القويعي: (الحمد لله لقد دارت العجلة في مصر واجتمع قادة الوطني مع قادة الإخوان في سجن طره، ولكن شتان بين تهمة هؤلاء وهؤلاء، ليتأكد الجميع أن العجلة ستدور، وأن الأيام دول ولو بعد حين)، موجهًا تحيات إخوان البحيرة وشعبها إلى رهائن الإصلاح في سجن طره، مطالبًا إياهم بالثبات والمرابطة على الحق الذي يظهر كل يوم في مصر نتاجه.

 

ومن آخر كلماته نبدأ: "على الثبات والمرابطة على الحق لنكون دائمًا على الأمل الذي يظهر في كل يوم نتاجه"، لا وداعًا للقويعي بل بداية في العمل لنهضة مصر وبناء مستقبلها، حتى نحقق أملنا وأمل الحبيب القويعي، الذي قدم فيه كل هذه التضحيات، فقد كان حقًّا "عمدة الدعوة".

----------------

gamalmady@yahoo.com