تواجه القوى والحركات الإسلامية في الوطن العربي معضلة أساسية، سواء في العلاقة فيما بينها أو مع القوى الأخرى من تيارات ليبرالية وقومية ويسارية، ما يمكن تسميته "الثقة المفقودة"، فالعلاقة البينية بين هذه الحركات ليست على ما يرام، وهناك شكوك دائمة حول المواقف والأداء والسياسات والإستراتيجيات، وقد ازدادت هذه الظاهرة مؤخرًا بعد وصول العديد من القوى والحركات الإسلامية إلى مواقع متقدمة في الحكم والبرلمان في عددٍ من الدول العربية.

 

أما العلاقة مع القوى الأخرى من تيارات يسارية وقومية وليبرالية فقد مرت خلال العقود السابقة ولا سيما منذ منتصف الخمسينيات حتى أواخر التسعينيات من القرن العشرين بمراحل صعبة من الصراعات والتنافس وعمليات الاستئصال والحروب المتعددة.

 

ورغم المبادرة المهمة التي أطلقها مركز دراسات الوحدة العربية ولاحقًا المؤتمر القومي العربي حول "الحوار القومي الديني" وإنشاء "المؤتمر القومي- الإسلامي"، والإنجازات التي تحققت على صعيد العلاقة بين التيار القومي والتيار الإسلامي في عددٍ من الدول العربية، فإنه للأسف لا تزال الشكوك قائمة بين الطرفين.

 

كذلك فإن أزمة الثقة لا تزال مستمرةً، وقد عادت إلى البروز مجددًا في الأشهر الماضية بعد الثورات الشعبية العربية ووصول الإسلاميين إلى مواقع متقدمة في الحكومات والبرلمانات العربية.

 

ورغم أن قادة الحركات الإسلامية ولا سيما المتصلة بالإخوان المسلمين تحاول طمأنة بقية القوى والحركات الإسلامية والقومية والليبرالية واليسارية، كانت بعض التصريحات والمواقف تؤشر إلى بقاء هذه الشكوك والإشكالات.

 

أما التيارات السلفية، والتي برزت إلى الواجهة مجددًا، فإنها تقوم ببعض الخطوات وتطلق بعض التصريحات التي تُعمِّق الخلافات سواء في الساحة الإسلامية أو مع القوى الأخرى.

 

وإزاء كل ذلك فإن أزمة الثقة تزداد والشكوك تتزايد والأسئلة تتطور وتتعمق، وقد برز ذلك في العديد من الدراسات والمقالات والأبحاث والمواقف التي نشرت أو صدرت إن عبر وسائل إعلامية أو خلال بعض المؤتمرات والأنشطة.

 

وفي مقابل ذلك استمر سعي عدد من القيادات الإسلامية لطمأنة الآخرين حول مواقفها أن على صعيد العلاقة مع الغرب أو لجهة الموقف من القضية الفلسطينية أو بشأن حماية الحريات والديمقراطية ومنطق تداول السلطة.

 

إذن نحن أمام أزمة ثقة وشكوك متبادلة في ظل حراك مستمر وتطورات ومتغيرات تزداد غموضًا وصعوبة يومًا بعد يوم، وكل ذلك يتطلب المزيد من الحوار المباشر والصريح سواء بين الإسلاميين أنفسهم أو ما بينهم وبين القوى الأخرى من تيارات متعددة (قومية، يسارية، ليبرالية، علمانية)، والغموض في المواقف والطروحات لم يعد مقبولاً وإن كان الغموض في التكتيك والأداء قد يكون ضروريًّا لدى بعض القوى والحركات الإسلامية، أما استعمال التقية فلم يعد يتناسب مع ظروف ومتطلبات الواقع الراهن.

 

فهل يمكن أن نشهد مبادرات حوارية جديدة سواء من خلال المؤتمر القومي- الإسلامي أو مراكز الدراسات والأبحاث (تشبه الندوة الأخيرة التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي في تونس وغيرها من المبادرات البحثية والحوارية)؟.

 

وهل يمكن أن نشهد قنوات تواصل سريعة ومتطورة بين الإسلاميين أنفسهم، وبينهم وبين الآخرين لإزالة أية التباسات إعلامية أو سياسية؟.

 

وهل يمكن أن نشهد أداءً واضحًا وصريحًا من القوى الإسلامية تجاه القضايا الأساسية؟.

 

تلك بداية الطريق لإزالة الشكوك وبناء الثقة، وإلا فإننا سنكون أمام موجة جديدة من الصراعات المتعددة الأطراف قد تعيدنا إلى خمسينيات القرن الماضي، أو إلى بدايات الصراعات المذهبية والدينية والعقائدية التي عشناها طيلة القرون الماضية وما زلنا نعاني من ويلاتها حتى اليوم.