رحل المهندس محسن القويعي- رحمه الله- ولا أعلم كيف يأتي يوم الجمعة ولا أجده في مصلى مسجد الرضا، لا أعلم كيف سيأتي يوم الجمعة ولا أجده وأنا أسير على قدميّ متجهًا إلى ملتقاه الأسبوعي خلف المسجد، والذي كان يضمُّ كثيرًا من القلوب والأفكار الثائرة التي لا تؤمن بحياة العبيد.. لا أعلم كيف لا ألقاه جالسًا بابتسامته الصادقة وعتابه الرقيق؟ وكيف سأستريح والفكرة لديه كانت نموذجًا مريحًا عندما يضيق صدرنا بالتنظيم أو أفقنا بالواقع السياسي؟ ومن غيره سينصحنا بعد اليوم بأهمية القراءة، وأن نكون أفرادًا في مجموعة الأسود خير لنا ألف مرة أن نكون قادة في مجموعة من العبيد.
هذا ليس شعور تلميذ كثيرًا ما تعلم من أستاذه الذي كان دائمًا وسيبقى رمزًا لكل كلمة حق قيلت لكل سلطان جائر؛ ولكنه شعور الكثير الذين عاشوا في ظلال كلماته التي لم تقدس تنظيمًا ولا أفرادًا، ولكنها آمنت أن للفكرة منذ بدء الوجود رسلاً وأنبياءً ومجددين، فكان بحق مجددًا لواقع يريد له البعض أن يمر مرور الكرام، وكان بحق ثائرًا حتى النخاع ثورة تصحح وتقوِّم وتناقش حتى وإن اختلف معه البعض إلا أنهم لا ينسون فضله في تأسيس حركة للإخوان لم تنتهِ بعد وعقول ناضجة لم يمت ضميرها بعد.
الراحل المهندس محسن القويعي قد يختلف معك ولكنه لا يخسرك.. إنه يعلمك كيف تكون رجلاً صاحب ضمير يحركك، الراحل المهندس محسن القويعي عبر تاريخه داخل اللجان السياسية لجماعة الإخوان لم يشأ أن يقول ها أنا ذا، ولكن قدرة الله جعلت كل العقول تهوي إلى ماء فكره السياسي وروحه الثائرة.. علمنا أيام الجامعة كيف نكون رجالاً للحق وللحرية.. نواجه استبداد الحرس الجامعي وجهاز أمن الدولة المنحل بعزة لا تقهرها استدعاءات أمنية متتالية أو فصل تعسفي ما كان ينقطع أو اعتقالات وإيذاءات ما كانت لتصمت في أي شهر في المرحلة الجامعية.
صدقوني.. كان متجردًا عاشقًا لفكرته ومصرًّا على أن يكون للجميع، وأن يعلمهم أن الفهم قبل الإخلاص، والتجرد يلازم العمل، وأن قول الحق ليس فيه مجاملات، وأن السلطان الجائر لا بد وأنه سينتهي يومًا حتى ولو ظل سنوات طويلة بانتخابات فيها أحاديث انتقاد وليس حديثًا واحدًا.
صدقوني كانت حياته أن يعيش وسط الناس، فالتف حوله كل الناس؛ ففي آخر مرة التقيته منذ أيام ليست ببعيدة كان على إحدى المنصات وأمام الجماهير التي تعرف قدره ومكانته وفكره وأصر أن ينزل، ويكون وسط هذه الجماهير، وأخذ بيدي وجلسنا معًا وسط الناس بعد أن سلم على بعض الحضور بروحه الجميلة وتحدثنا معًا عن مصر والجماعة، وكانت آخر جلسة وآخر كلمات أسمعها منه؛ لكنني أستشعر منها الآن أنه بنزوله وسط الجماهير عاد إلى تاريخه الدعوي الذي جاب فيها قرى البحيرة، داعيًا إلى فكرة أصر ألا تشوه أو تندس، متحملاً أذى محاكمات عسكرية واستدعاءات أمنية وألسنة حدادًا.
صدقوني.. لقد علمنا ما قاله سيد قطب في وقت سابق عمليًّا، ولِمَ لا وهو القائل: "إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفًا واحدًا يقر به حكم طاغية"، وهذا يحتاج إلى الاستمرار على صلابة موقفه في مواجهة أي ظلم أو أي سلطان جائر.
صدقوني.. هذا الرجل- وكان بحق رجلاً يوم أن باع آخرون ضميرهم ونحُّوا جانبًا عقلهم من أجل سلطة أو موازنات ترضي هذا أو ذلك، ورفض الخنوع وكثيرًا ما تحمل ضريبة أن يقول كلمة الحق، ويصر على رأي الفهم؛ ولذا أعترف لكم جميعًا بأننا خسرنا قيمة كبيرة في تاريخ الإخوان المعاصر، كما خسرت دعوة الإخوان في وقت سابق مؤسسها الشهيد حسن البنا.