منذ بدايته قبل سنوات، اكتسب برنامج "العاشرة مساءً" الذي تقدمه الإعلامية الأستاذة "منى الشاذلي" إقبالاً من المشاهدين في داخل مصر وخارجها، وظل هذا البرنامج خاصة قبل "ثورة 25 يناير" بالنسبة لي- على الأقل- متنفسًا يوميًّا أجلس إليه في نهاية كل يوم عمل شاق؛ لأحيط من خلاله بما يدور في بلدي وأنا في الغربة، فهو أشبه بصحيفة يومية ناطقة ومصورة تتناول حصاد أهم ما يجري في مصر خلال 24 ساعة بصورة مهنية واحترافية، وما أكسب هذا البرنامج إقبالاً متزايدًا من المشاهدين أنه كان يُطلع المشاهد على آراء ومواقف كل القوى والفئات والتيارات في مصر- دون استثناء- مهما كان موقف النظام السلبي منها، وخاصة مواقف وآراء المعارضة، وفي القلب منها مواقف "جماعة الإخوان المسلمين".
لكن هذا البرنامج شهد في منتصف عام 2010م تقريبًا انتكاسة وانكماشًا في أدائه وتنويعه وضيوفه، وبالأخص فيما يتعلق بـ"جماعة الإخوان المسلمين"، فقد شهد غيابًا شبه تام لأي من رموز الجماعة، وشهد تغييبًا لقضايا تلك "الجماعة" الكبرى التي اشتد الحصار الأمني والإعلامي عليها، وسط حملة اضطهاد وتشويه غير مسبوقة سبقت انتخابات "برلمان 2010م"، آخر برلمانات "مبارك" المزوَّرة، والتي لم يحظَ فيها الإخوان بمقعد واحد، كانت الأستاذة "منى الشاذلي" تبدو وقتها كمن "في فمه ماء"، ولكنه لا يستطيع أن يبين، وقد نظرتُ إلى ذلك الأمر على أنه يأتي في إطار الضغوط التي كانت على أشدها- يومها- على كل وسائل الإعلام الخاصة والحكومية بعدم فتح أي نافذة للمعارضة، وخاصة الإخوان، بل والعمل على تشويه تلك الجماعة، وإن كان برنامج "العاشرة مساءً" لم يوغل في ذلك.
لكن بعد تفجُّر "ثورة 25 يناير"، فاجأتنا الأستاذة "منى الشاذلي" بدموعها على الرئيس السابق بعد إلقاء خطابه العاطفي الشهير السابق على "موقعة الجمل"، قلنا: إن ذلك التصرف يبدو أنه وليد عاطفة غالبة، لكن بعد زوال حكم "مبارك"، وبعد استعداد مصر للانتقال إلى العصر الجديد الذي نعيشه اليوم، استبدلت الأستاذة "منى الشاذلي" الإخوان بـ"الحزب الوطني"، وسوَّقت لفكرة واحدة- ومعها آخرون من الإعلاميين- وهي أن مصر انتقلت من "أغلبية" الحزب الوطني إلى "أغلبية" الإخوان المسلمين، في إيحاءات تلح على استحضار الصورة التي كانت عليها أغلبية الحزب الوطني المزوَّرة بممارساتها الفاسدة التي أغرقت البلاد في مستنقع لم تستطع الخروج منه حتى الآن.
هكذا وبطريقة تخالف الضمير المهني تتم الإشارة لأغلبية حزب "الحرية والعدالة" (الإخوان المسلمون) على أنها صورة مكررة لأغلبية "الحزب الوطني"، وذلك بدلاً من إعطاء الأمل للشعب المصري بتركيز الكلام على تلك الانتخابات التي لم تشهد مصر في تاريخها نزاهة مثلها.
منذ الاستفتاء على "الدستور أم الانتخابات أولاً"، وظهور النتائج في صالح رأي الإسلاميين المؤيِّد لـ"الانتخابات أولاً"، قاد برنامج "العاشرة مساءً" حملة تروِّج لضرورة تأجيل الانتخابات لفترة كافية؛ حتى تستعد لها الأحزاب الجديدة، وتمَّ الترويج بقوة بأن المستعد لتلك الانتخابات هي القوى المنظَّمة؛ وهم "الإخوان"، و"فلول الحزب الوطني"، بل إن خيال البعض كان واسعًا جدًّا مثل "ذمته"، فبدأ يطرح سيناريوهات عن تحالف خفي بين "فلول الحزب الوطني" والإخوان، وإن هذا التحالف موجود منذ عهد "مبارك"!.
وقد أثبتت نتائج الانتخابات الهزيمة الساحقة لـ"فلول الوطني" والنجاح الكبير للإخوان بل وللإسلاميين، وانقلب الذين كانوا يلحون على ضرورة تأجيل الانتخابات، انقلب الجميع بعد ظهور النتائج بحملة شاركت فيها بقوة "العاشرة مساءً" للدعوة لسرعة تسليم السلطة لحاكم مدني، وأذكر هنا أول من طالب المجلس العسكري عقب تنحِّي "مبارك" بسرعة تسليم السلطة لحكومة ورئيس مدني هم الإخوان المسلمون في بيان رسمي (والبيانات موجودة).
وكنت أتمنى أن تقف الفضائيات التي تتسابق بصورة محمومة على اجتذاب المشاهدين أن تتوقف وقفات طويلة بين حق التظاهر والاعتصام السلمي وتدافع عنه بقوة، وبين القذف بالحجارة وتكسير واجهات محلات تعيش منها عائلات، وحرق سيارات ومؤسسات، وأن تقف وقفات لتفرِّق بين ضابط أو جندي الشرطة الذي يطلق الرصاص الحي لقتل وفقء أعين المتظاهرين السلميين، فحق عقابه أشد العقاب، وبين الجندي أو الضابط الذي وقف ليحرس بنكًا أو مؤسسة، أو يقف على باب القسم الذي يعمل فيه ثم يسقط ضحية الدفاع عن تلك المؤسسات، وهل يمكن مساواته بمَنْ تحرك من موقعه إلى مكان مظاهرة ويقتل المتظاهرين ويسحلهم بدم بارد؟! وقد كان مفاجئًا لي- وأعتقد للمشاهدين- عندما سأل المحامي المخضرم "رجائي عطية" خلال استضافته في "العاشرة مساءً" (الأحد 5/2/2012م) الأستاذة "منى الشاذلي" مقدمة البرنامج: هل الجندي الذي يُقتل وهو يدافع عن قسم الشرطة الذي يحرسه شهيد أم لا؟ فلم ترد الأستاذة "منى الشاذلي"، ثم كرر السؤال على الهواء فالتزمت الصمت، حتى قال لها الرجل: "منتيش قادرة (لا تستطيعين) تنطقيها"، أين الحيدة في تناول قضايا الرأي العام؟ أين الضمير المهني؟.
ومنذ أن بدأ الإخوان كأكبر حزب فائز في الترتيب لتشكيلات مجلس الشعب، كان ذلك عند الأستاذة "منى الشاذلي" أشبه بصفقة أو تعيين، وهكذا استهداف لحركة ومواقف الإخوان.
وبعد.. لماذا أوجِّه كلامي للأستاذة "منى الشاذلي"؟ لأن لديَّ أملاً أن تعود ببرنامجها إلى ما قبل منتصف عام 2010م؛ حيث الحيدة والمهنية والموضوعية، أما الآخرون الذين غرقوا حتى أذنيهم في التضليل والكذب والإسفاف، فلا حديث معهم أو إليهم، فقد سقطوا في مستنقع لا شواطئ له.
------------------------
(*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية.