ما زالت أجواء الابتزاز السياسي والإرهاب الفكري والتضليل الإعلامي هي سمة المشهد المصري العام؛ حيث حالة من التناقض الفكري والارتباك السلوكي تعانيها النخبة المصرية، حالة كشفت الغطاء السياسي والأخلاقي عن العديد من الكيانات والشخصيات السياسية والحزبية والإعلامية القديمة والجديدة الشبابية.
فبعد سجال طويل ومرهق وبشقِّ الأنفس تحركت عجلة التحول الديمقراطي ببطء شديد، لكنها قطعت مسافات مرضية نسبيًّا وأفرزت ولأول مرة برلمانًا منتخبًا يعبِّر عن إرادة الأمة، فأراد البعض استدعاء إشكالية الدستور والانتخابات وتسليم السلطة فورًا والمجلس الرئاسي والبرلمان والميدان، المهم استدعاء كل ما هو مربك ومحبط.
ثم نقل المشهد بالقوة من مربعي التفاهم والسلمية إلى مربعات الخلاف والاختلاف والاشتباك الخشن، عندما تحوَّلت أو أُجبرت الثورة على التحول من سر نجاحها ومقوم بقائها "الوحدة- التوافق- السلمية" إلى كل ما هو معطّل ومفرّق وعنيف.
حالة من الاختراق تعانيها جبهة الثوار ومؤسسات الدولة، سواء بسواء، وبدلاً من استرجاع كلمة سر النجاح والمحافظة على مقومات البقاء والمكتسبات رغم عدم كفايتها؛ ندفع بقوة نحو إسقاط ما تبقى من مؤسسات الدولة، الملاحظ أنه لم يُدعَ إلى العصيان المدني في وجود المخلوع خلال أيام الثورة ويطرح الآن، خاصةً أن خارطة نقل السلطة بجدولها الزمني معلنة "فتح باب الترشح للرئاسة 10 مارس القادم" ومع ذلك ينادي البعض بالعصيان.. ألسنا فعلاً في عصيان؟!
المراقب للمشهد المصري يجد أننا فعلاً في عصيان وتمرُّد مهدّد لكيان الدولة ومطالب الثورة.. عصيان مقبول على مضض.. الاحتجاجات الفئوية والتظاهرات السلمية والاعتصامات المتكررة، وعصيان- بل تمرد- مرفوض وغير مقبول.. الامتناع عن العمل والتهاون في أداء الواجب ومصالح الناس.. قطع الطرق لأتفه الأسباب؛ ما يعد إسقاطًا لهيبة الدولة وتعطيل القانون والاعتداء على حريات وحقوق الآخرين.. السطو المسلح وخطف المواطنين وسرقة السيارات.. الاعتداء على مؤسسات الدولة وأقسام الشرطة ومديريات الأمن.. انتشار السلاح والبلطجة والفوضى وغياب الأمن.. إذًا أي عصيان نريد أكثر مما نحن فيه؟! فلنكن صرحاء..
المطروح في هذه الأجواء هو عصيان ضد النفس والمصلحة العامة بعد محاولات الفوضى المتكررة والفاشلة؛ لذا كان السؤال: عصيان ضد من؟!
العصيان.. ضد بقايا مظاهر الاستقرار والصمود حتى ينهار الشعب نفسيًّا وتنهار الدولة عمليًّا، ويفرض علينا سيناريو الفوضى العامة أو الأحكام العرفية، المهم إزاحة التيار الإسلامي القادم لمنصة الحكم.
العصيان.. ضد الاقتصاد المصري؛ لينكسر عمود الخيمة فتسقط على من فيها، ويتقدم أصحاب المصالح لفرض الشروط.
العصيان.. ضد إرادة الشعب بفرض ازدواجية الشرعية أو نزع الشرعية عن برلمان الثورة.
العصيان.. ضد سيادة الدولة المصرية أو بقاياها بهدف الضغط الخارجي من هنا وهناك لتقديم تيارات وفصائل وشخصيات ما زالت ترى أن التمويل الخارجي والطعن في سيادة الدولة وجهة نظر وحرية ممارسة.
العصيان.. ضد وحدة الصف ولم الشمل وفرص الوصول.
خلاصة الطرح: نأمل أن يراجع كلٌّ منا نفسه، وألا ينساق دون فكر أو رؤية، وأن يقرأ المشهد بوعي ويقظة ليحدد أين يكون وفي مربع من يقف؟!
------------------
*مدير مركز النهضة للتدريب والتنمية.