وزير الداخلية نجح في وقت قصير وبإمكانات محدودة في أن يعيد بعض الأمن للشارع المصري، واتخذ خطوات حقيقية نحو تطبيق القانون على الخارجين.
محاسبة مجلس الشعب للحكومة والوزير خطوة مهمة على طريق مصر الجديدة، التي بدأت تقدر مواطنيها، وتحاسب مسئوليها.
لم أكن من الموافقين على تولي الدكتور الجنزوري مسئولية رئيس الحكومة، إلا أنني اقتنعت بأن الرجل يمكن أن يكون مناسبًا للمرحلة التي تمر بها البلاد حاليًّا، وزاد اقتناعي بالرجل بعد متابعتي لترشيحات بعض الائتلافات والتيارات السياسية لشخصيات تحظى بالاحترام عندي، إلا أنها في معظمها لا تصلح لتولي هذا المنصب، بل إن بعضهم لا يصلح لإدارة مجمع استهلاكي، ناهيك عن مسئولية حكومة بلد كبير كمصر يعاني مشكلات عديدة، تبدأ بالاقتصاد ولا تنتهي بالأمن، والقبول بتولي أحد هؤلاء الذين لا يملكون تجربة أو خبرة معناه القفز بمصر إلى المجهول!.
لكن اللافت للنظر أن البعض يصر على جعل الدكتور الجنزوري كبش فداء للمذبحة التي شهدها إستاد بورسعيد وراح ضحيتها أربعة وسبعون شابًّا من أبناء مصر!.
الغريب أن معظم من يطالب اليوم بإقالة الجنزوري وحكومته كانوا وما زالوا ممن حالوا بين الرجل ودخوله لمكتبه بمجلس الوزراء، وشنوا عليه حملة إعلامية تشكك في تاريخه وقدراته، وفرضوا عليه إدارة شئون حكومته من مقر وزارة الاستثمار في ظروف بالغة الصعوبة!.
كما أنني ما كنت متحمسًّا لتولي اللواء محمد إبراهيم، وزارة الداخلية، بعد رحيل سلفه اللواء منصور العيسوي، الذي حاول إحداث إصلاحات في الوزارة وهياكلها، وسرح أكثر من خمسمائة قيادة من جهاز مباحث أمن الدولة المنحل، ورجال الوزير الأسبق حبيب العادلي، إلا أن الرجل غادر الوزارة نتيجة أخطاء بعض مرءوسيه!.
ومع ذلك، فقد اقتنعت بأداء الوزير الجديد, الذي نجح- في وقت قصير وبإمكانات محدودة- في أن يعيد بعض الأمن للشارع المصري، واتخذ خطوات حقيقية نحو تطبيق القانون على الخارجين، ونزل للشارع مع ضباطه وجنوده في سابقة قلما يقوم بمثلها وزير، وهي جهود كان ينبغي أن تأخذها التيارات السياسية في الاعتبار عند تقويم أداء الرجل وحدود مسئوليته عن المذبحة التي جرت لعشرات الشباب عقب المباراة المشئومة، وكان ينبغي أن يقدرها جهاز الإعلام للوزير وللمخلصين من رجال الشرطة الذين يسهرون على أمن الوطن والمواطنين، ويسانده فيها بدلاً من كيل الاتهامات والهجوم الضاري بالحق والباطل.
ولكن ها هي الرياح قد جاءت بما لا تشتهي السفن، وأصبح الوزير في نظر البعض يتحمل جزءًا كبيرًا من الأزمة التي تعيشها مصر الآن!.
في أي بلد محترم، تتحمل الحكومة– متضامنةً– ويتحمل وزير الداخلية المسئولية السياسية، وأحيانًا الجنائية، عن مقتل أي مواطن نتيجة التقصير أو الإهمال.
إنني أذكر أن صديقًا- يسكن في إحدى العواصم الأوروبية- حكى لي أنه سافر مع أسرته لقضاء إجازة نهاية الأسبوع خارج العاصمة، وترك قطته في حديقة المنزل (أي أنه لم يحبسها داخله بل تركها حرة) فما كان من الجيران إلا أن توجهوا بشكوى إلى الشرطة التي حضرت مسرعة، وأخضعت صديقنا لتحقيقات مطولة، وكادت أن تحبسه بتهمة تعريض القطة للخطر، وتركها في حديقة المنزل دون طعام أو شراب؛ الأمر الذي دفعها للوقوف أمام باب الجيران تتسول طعامها! ولم ينقذ صاحبنا إلا أنه دفع بجهله بقوانين البلاد، وكتب تعهدًا على نفسه بعدم تكرار هذا الخطأ الفادح!.
ورغم قناعتي ببراءة الوزير من دم الشهداء في بورسعيد فإنني قدرت ذلك الطلب الذي تقدم به النائب الدكتور عصام العريان، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة، والذي طلب فيه توجيه تهمة الإهمال والتقصير لوزير الداخلية، وقد وقع على هذا الطلب مع الدكتور العريان أكثر من مائة وعشرين نائبًا، وقام الدكتور محمد سعد الكتاتني، رئيس المجلس، بإحالة الطلب للجنة التشريعية لاتخاذ إجراءات مساءلة الوزير!.
هذا الإجراء تم في الجلسة الطارئة التي عقدها المجلس لدراسة المذبحة وأسبابها والمسئولين عنها، وهو إجراء لم يتخذه المجلس منذ أربعين عامًا.
أقول: رغم قناعتي الخاصة ببراءة الوزير، فإنني أرى أن إقدام مجلس الشعب على اتهامه بالتقصير والمسئولية عن الأرواح التي أزهقت هو خطوة مهمة على طريق مصر الجديدة، التي بدأت تقدر مواطنيها، وتحاسب مسئوليها.
سيقف الوزير أمام المجلس ليدافع عن نفسه باعتباره مسئولاً سياسيًّا عن تلك المذبحة، وإن لم يكن مسئولاً جنائيًّا وبرأيي سينجح الوزير في تبرئة ساحته؛ لأنه لا يعقل أن يتحمل الوزير أخطاء الآخرين، خصوصًا إن كان هؤلاء موجودين وتشير أصابع الاتهام إليهم بوضوح.
لكن اتخاذ إجراءات المساءلة وما رافقها من مناقشات حادة في لجنتي الشباب والدفاع والأمن القومي، هو ما دفع الوزير إلى إصدار قراره بتفريق رجال مبارك على خمسة سجون، بدلاً من اجتماعهم في سجن واحد, يخططون معًا لإجهاض الثورة وضرب استقرار الوطن.
كما قرر الوزير في استجابة أخرى لمطالب النواب، قرر اتخاذ إجراءات تجهيز مستشفى السجن لاستقبال مبارك بدلاً من بقائه خارج السجن، وهي- بلا شك- قرارات تحسب لصالح المجلس والوزير معًا.
المشكلة- في رأيي- ليست في رئيس الحكومة، ولا في وزير الداخلية، لكنها تكمن في طريقة إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لأمور البلاد بروح بعيدة عن روح الثورة، وتباطؤ شديد لا ينمّ عن أن مصر قد شهدت أكبر ثورة في تاريخها، وما زال فلول النظام السابق يعبثون في البلاد، ويثيرون الفوضى ولا نرى من يتعقبهم أو يحاسبهم.
كذلك، فإن الأزمة- في رأيي- تكمن في بقاء النائب العام في منصبه، رغم إخفاقه الشديد على مدى عام كامل في كشف المتورطين في العديد من الأحداث، بدأت بأحداث ميدان التحرير، فمسرح البالون، ثم أحداث شارع محمد محمود، ومجلس الوزراء، وإحراق المجمع العلمي, وقد تكون لدى النائب العام معلومات عن الذين يقفون خلف هذه الأحداث ربما لو تفضل وكشفها لأراحت الرأي العام، وأوصلت رسالة رادعة لتلك القوى المتربصة بمصر في الداخل والخارج.
إن جيش مصر العظيم الذي حمى ثورة الشعب، وقام بتأمين أفضل انتخابات عرفتها البلاد، ولم تُرَق قطرة دم واحدة؛ هذا الجيش قادر– بعون الله– على تأمين عملية التحول الديمقراطي ونقل البلاد في غضون الشهور الثلاثة القادمة لسلطة مدنية منتخبة.
------------