كلما نصبنا للأفراح عُرْسًا وقعنا في فخاخ المتصيدين الذين يُعكِّرون الصفو، ويُصدِّعون البنيان، ويمزقون لُحْمَة الوطن، ويشوِّهون معالمَ الثوار الذين أُريقت دماؤهم زكية.. كلما أغمضنا عيوننا فتحتها حناجرُ المتثائرين الذين ظنوا الساحة ليس فيها وحدهم، إنما يقدر الكرام كريم، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أولو العقل:
لا يعرف الفضلَ لأَهلِ الفضلِ *** إِلا أُولو الفضلِ من أَهلِ العقلِ
هيهاتَ يدري الفضلَ من ليسَ له *** فضلٌ ولو كانَ من أَهلِ النُّبلِ
وهي كلمة حقٍّ- بلا شك- نراها في هذا الزمان قد كثر قائلوها، وتعدد ناقلوها، وقلَّ متمثلوها، قلَّما وجدت آخذًا بها إلا بحسب ما يهواه، فيطلقها إذا كانت تزكية وتنزيهًا لمن يحب، ويكتمها إذا أتت على غير هواه، ومن عجائب هذا الزمان، وانقلاب الموازين في هذا العصر مدح الصغار، وذم الكبار، ورفع الجهلاء، ووضع العلماء، فصار يهادَن المتصابي، ويُتحامل على الرجال، كلما مررت بمواقع التواصل الاجتماعي وجدت تعليقات لبعضهم تثير الاشمئزاز، وتقدح في حياء الرجال، وتطعن في الأخيار، يروّج لها من أخطأته الحيلة، وأعجزته الوسيلة، ولم يعد في الورد إلا أن يعيِّره بخدوده الحمراء، ورائحته الفواحة.
إنَّ الثائرَ الحق إذا ما مُكِّنَ لثورته رصَّعَ تيجان رفقاء دربه بأكاليل الزهور والورد، لا ينسى من كانوا معه جنبًا إلى جنب، يذوقون طعم الموت، ويلتحفون السماء، ويواجهون الرصاص بصدور عارية، لم يكن يرقأ لهم جفن، ولم يكن يجف لهم دمع.. كان الثوار ينامون وكانوا يتناوبون الخدمة عليهم، كان الميدان ينتفض وكانوا يواجهون الرصاص، لماذا يصر بعضنا على أن يعكر صفونا؟
أشم رائحةً لمؤامرة كريهة بعدما تصدر الإخوان المشهد السياسي، وبعدما فوضهم الشعب بإرادته واستأمنهم على مقدراته، وتكبر خيوط المؤامرة كل يوم وهم يلجمون مشاعرهم، ويعلنونها صريحةً دون مواربة تمامًا، كما قالها قابيل لأخيه هابيل: (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28)) (المائدة).
في تفسير لابن كثير بأن قوله: (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي..) الآية؛ أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة؛ (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)؛ أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمر: "وأيم الله إن كان لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج" (يعني الورع)؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: "أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي" قال: أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال: "كن كابن آدم" وكذا رواه الترمذي.
فالحلم لا يعني الضعف والاستكانة، والخلق الكريم والخصال الحسنة لا يعنيان قلة الحيلة، لكنها مصلحة الوطن المقدمة على كل تشاحن، ومسئولية الوقت وأمانته التي توجب الوقوف ضد محاولات شق الصف، وأمانة القيادة التي تُلزِمُ رأب الصدع، كما لا ينطلي على كل ذي لب ورأي خيوط الإعلام الفاسد والتي تبلع عن غصب مشهد الإرادة الشعبية، وتلتوي على خبث يفسد العسل، ويزين القبيح، ولقد أثبتت التجارب فشل كل محاولات المراهنة على الشعب، وها هو الشعب اليوم يسطر صفحة جديدة رغم محاولات التشويه في المرحلة الأولى من الانتخابات، ويصدِّق على اختياره لنواب الشعب بأغلبية في انتخابات الشورى، تبقى كلمة لمن ينفخون في النار أقولها ليعلمها الجميع: إن التغيير إرادة ربانية، وسنة كونية ولا يمكن لأي قوة على ظهر الأرض أن تدفعها أو تردها، صدق الله القائل في كتابه الكريم: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ) (البقرة).
أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القويُّ الضعيفَ، وهذه السنة الكونية جاءت بتدبير الله وقدره، ولم يكن لمخلوق على ظهر الأرض بحال له بها صلة، هيَّأ الله الأسباب، وأرانا إرهاصاتها قبلها بسنوات، كُمّمت الأفواه، وامتلأت المعتقلات بخيرة أبناء الوطن، وارتفعت الأسعار، وضاق على الناس معاشهم، وعمَّ الظلم، وطمَّ الفساد، وانتشرت الرِّشى والمحسوبية، وماتت الطبقة الوسطى، وسيطر فئام على مقدرات الوطن بأسره؛ ولهذا تدخلت الإرادة الربانية لتنصف المظلوم، ولتستجيب لدعواتٍ بجوف الليل، فكانت الثورة، وكان السقوط المهين، وكانت إرادة الله الغالب، فالذي يظن أنه يستطيع أن يقف في وجه التغيير واهم لا محاولة، وهو كمن يحرث في الماء، والأولى بنا في هذه المرحلة الحرجة والعصيبة من تاريخ مصر أن تتوحد صفوفنا، وأن تجتمع كلمتنا، وأن نبني ما تَهدَّمَ، وأن نُصلح ما فسد، وأن نترك للناس الخيار.