أفجعني كما أفجع كل مصري وعربي حر الأحداث الدامية المؤسفة التي وقعت بعد مباراة كرة قدم بين فريقين مصريين في بورسعيد، أبدأ بالترحم على الشهداء الذين قُتِلوا دون وجه حق، وأقدم العزاء لأسرهم ولكل المصريين.
تابعت على الفضائيات وعلى الشبكة العنكبوتية هذه المأساة، وكان التركيز على مقاطع الفيديو وأقوال شهود العيان أكثر من سماع آراء المحللين والإعلاميين، فمع أنه يوجد لدينا الكثير من الإعلاميين الشرفاء النزهاء الذين يريدون بيان الحق والعمل لصالح البلاد، إلا أنه يوجد المُغرض ومن تُؤثر فيه الأهواء، وهناك من بأقواله يؤجج الفتن.
وليس المقصود من هذا المقال أن أقوم بالتحليل فأُفند أحداثًا بعينها أخلُص منها لإلقاء التهم على طرفٍ ما، أو إعفاء مسئولٍ من مسئوليته، ولكن الهدف هو تلمس الحيلولة دون وقوع مثل هذه الأحداث المؤسفة مستقبلاً، وأما عن تحديد المسئوليات فهو عمل لجان التحقيق ولجنة تقصي الحقائق التي شكلها البرلمان.
ونحمد الله على أن هيأ لمصر برلمانًا منتخبًا يمثل إرادة الشعب، به كل الأطياف، ويصطبغ بثقافة المصريين المسلمين والمسيحيين، ونسأله سبحانه وتعالى أن نكمل المسيرة ويُتِم لنا ما ننشده من بناء دولةٍ حديثةٍ متقدمةٍ نابعةٍ من ثقافتنا الإسلامية حتى تستقر البلاد.
لا شك أن هناك المتربصين بالثورة المصرية من الخارج؛ حيث يَهُمهم تأخر هذا البلد الطيب، واستمراره في التخبط، حتى لا تقوم له قائمة؛ فمصر بمكانتها التاريخية وبمكانتها في قلوب العرب والمسلمين والعالم أجمع إن قامت قامت الدنيا معها، وانزوت قوى الشر عن طريقها، وهؤلاء لهم العملاء من بني جلدتنا، الذين يبيعون الأرض والعِرْض من أجل حفنةٍ من المال.
وهناك مجرمو النظام السابق الذين يخشون من الحساب على ماضي ما فعلوا إذا ما ظفرت الثورة بأهدافها؛ ومن هؤلاء من لم تُحرك الثورة المصرية وما فيها من آيات الله خَلَجات قلوبهم، فيسارعون للتوبة، نادمين على ما فعلوا، معتذرين للشعب الذي ظلموه، عازمين على أن يُبَدلوا سيئاتهم حسنات، واضعين ما لديهم من إمكانات وخبرات لخدمة مصر، عسى أن يُحْمَد مسعاهم في الدنيا ويفوزوا برضوان الآخرة، ومنهم العتاة في البغي الذين لم يكفوا عن الأذى ولم يتضح لهم سبيلٌ إلا المُضِي في غَيِهم والعداء لأهلهم وأبناء بلدهم.
وإن كنت أعتب هنا على العلماء والمفكرين والأدباء الذين لم يتقدموا بصياغة مشروعٍ للمصالحة الوطنية، مشروع يهيئ للظالم في العهد البائد أن يرجع عن ظلمه، ويَرُدَّ الحقوق لأصحابها لتهدأ النفوس، ويبدأ صفحةً جديدةً ليندرج شريفًا نافعًا في نسيج المجتمع المصري الجديد، سيكون هذا أكثر نفعًا من أن نُلْجِئ هذا الظالم إما إلى التسليم- وهو أمر مستصعب- أو معاداة الشعب بما يستطيع، على أن هناك جرائم ليس لها علاج إلا العقوبة، والتباطؤ في تنفيذها ظلم للمجتمع أجمع.
ولا بد من الحذر الأمني والحيطة الشديدة لكل المتربصين بالثورة سواءً من الداخل أو من الخارج، والأخذ على يد المتآمر بشدة حتى لا تُسول لنَفْس أحدٍ أن يُقْدِم على مثل هذا الجُرْم ويستبيح دم الشعب، ومن هنا تأتي الضرورة لتقوية جهاز الشرطة وإعادة هيكلته بالكفاءات العالية المتوفرة لديه.
والحق أن هناك عاملاً لا يجب الإغفال عنه، وهو انتشار مرض الفوضى وعدم الانضباط وعدم احترام الكبار والتصبر للمعلمين في المجتمع المصري، وهو ما قد نسميه بثقافة البلطجة، والمرض يعني أنه عارضٌ مصيبٌ لجسمٍ سليم يُرجى شفاؤه بإذن الله، وثقافة البلطجة هي ما تجعل من المجتمع المصري مرتعًا سهلاً لتلك المؤامرات، ولولا حفظ الله لكنانته لكانت مع هذا المرض في خبر كان.
ولنا أن نعرِض بعض ظواهر هذا المرض من الحياة اليومية:
- الشجارات التي تنشأ لأتفه الأسباب، وتُفضي إلى معارك بين أبناء الحي الواحد؛ بل بين أبناء الشارع الواحد، ويروح ضحيتها قتلى وعشرات الجرحى تضِج بهم المستشفيات، لقد أصبحت هذه المعارك تحدث بشكل متكرر وامتدت من الأحياء الشعبية إلى غيرها.
- التحرشات بالبنات والفتيات.
- اصطفاف سائقي الميكروباصات بسياراتهم أكثر من أربعة صفوفٍ في أماكن تجمعهم بدلاً من صف واحد، غير آبهين لتعطيل المرور، ناهيك عن عدم احترام قواعد المرور من الجميع، وعدم الالتزام بالحارات المرورية، والسير عكس الاتجاه مما يُوقف حركة سير المركبات بالكلية.
- أصوات الميكروفونات وما يعرف بـ"الدِّي جيه" المنطلقة بالأغاني الهابطة هنا وهناك.
- عدم احترام الطلاب للأساتذة، ناهيك عن التعدي عليهم.
- تعدي المحلات التجارية على الأرصفة والممرات.
وأما عن أحداث مباراة بورسعيد المؤلمة؛ فقبيل المباراة بفترة حدثت تبادلات ومشادات كلامية حادة بين مشجعي الناديين على الشبكة العنكبوتية وسط تحفيزٍ إعلامي، فهل هذا أمرٌ مستساغ؟ هل تركنا الإنتاجية لنذهب للمباريات الكلامية التي لا عائد منها إلا الفُرقة والخسارة؟
أثناء المباراة حدثت تراشقات وإساءات بالغة متبادلة بين مشجعي الناديين، علاوة على السباب والإهانات غير المبررة لرجال الأمن، فهل هذا خلق الرياضة؟ أليس السب مما نهى عنه الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- حين قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
بعد المباراة اندفعت حشودٌ من مشجعي النادي المصري نحو مشجعي النادي الأهلي، واندس بين المهاجمين المجرمون البلطجية- كما تبين الدلائل- الذين عَمَدوا دون أي سببٍ إلى القتل والترويع والإصابات البالغة بمشجعي النادي الأهلي بشكلٍ همجي مرفوض.
الدليل على أن الذين اندفعوا من مشجعي النادي المصري لم يعمدوا إلى القتل أو الإصابات التي حدثت أنهم سرعان ما تراجعوا حين رأوا ما يحدث من أهوال، ولكن.. ألم تكن نية الهجوم- كما يحدث كثيرًا مع الأسف في مثل تلك المباريات- توجيه الإهانات والسباب والضرب (وإن كان لا يحدث عاهات) لمشجعي النادي الضيف؟ أهذا أمر يرضاه الخلق والدين؟ أهذه تصرفات تأتي من شعب ينفض عباءة الفقر والتخلف ليرقى نحو السَّعة والتقدم؟ ولا يمكن أبدًا قبول أن هذا سلوك معتاد يحدث في المباريات، وإن كان هذا هو الواقع فالواجب وقف مثل هذه المباريات.
بالطبع كان للمجرمين البلطجية دورٌ في تحفيز مشجعي النادي المصري للاندفاع بعد المباراة صوب مشجعي الأهلي، ولكن لو كان هناك وعيٌ ما كان لتحفيزهم هذا أي تأثير.
وينبغي ألا يُحَمَّل ما حدث لمدينة بورسعيد الباسلة، وألا ترْتَفِع الصرخات هنا وهناك بإدانة المدينة، فالمؤامرة التي وراء الأحداث تجعل من حدوثها في أية مدينة أخرى أمرًا مُمكنًا.
وما قدمه أهالي بورسعيد من تبرعاتٍ بالدم وغيرها من دعمٍ للمصابين خير شاهد على ما عرفوا به من نخوة وشهامة، ودليل على شجبهم لهذه الأحداث، وتبرِّئهم منها.
لقد أدى انتشار ثقافة البلطجة إلى تراجع إنتاجنا وبُعدنا عن المنافسة العالمية، فلا تجد من منتجاتنا حتى في الأسواق القريبة إلا اليسير، بينما تجد أن المنتجات الخليجية مثلاً تأخذ مكانها شيئًا فشيئًا في أسواقنا، والعجيب انتشار المنتجات الغذائية المستوردة في بلد النيل!! وفي أسواق العمل بالخارج تجد القليل من الشركات المصرية، وما على الساحة ذو دور محدود.
ما تقدم يؤكد أننا بحاجة لثورةٍ يشترك فيها الجميع على البلطجة وثقافتها التي ستوردنا المهالك، وعلى مشروع قومي يجتث هذا الداء من جذوره.
ولمعالجة ثقافة البلطجة لا بد من أمنٍ صارم؛ فإن الله ليَزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ويترادف مع ذلك التربية والتوجيه والتثقيف الرشيد الذي يتم خلال التربية المدرسية والإعلام، ويقع على عاتق المؤسسات المصرية الدعوية والاجتماعية؛ من أزهرٍ شريفٍ وإخوانٍ وسلفيةٍ وجمعياتٍ دينيةٍ والكنيسة المصرية، والتي عليها أن تقوم بدورها على أكمل وجه وفي استقلالية، على أن توفير مصادر عيش للناس وفرص عمل كريمة من أهم أسباب تجفيف منابع البلطجة.
نهايةً أدعو الله لمصر بأن يحفظها من كل سوء، وأن يكتب لها كل الخير، وتحضرني آية الذكر:
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ( )سورة الرعد: من الآية 11).