عفوًا يا إخوان هذا الأدب الجم والأخلاق العالية واللسان العفيف لا يصلح مع إعلام الفساد والفتنة، فقد رأيت في يوم واحد على ثلاث قنوات ما استفزني وأثار غضبي فلم يعد غلق التلفاز كافيًا لتفريغ شحنة الغضب ولا حتى كسره.. ولولا الله الذي أمرنا بالصبر والإعراض عن الجاهلين.. لفعلتها.
بداية أنا مقاطعة لقنوات الفتن والإثارة منذ مندبة نتائج الانتخابات وأرى أنها أحد أوتاد فرعون الأساسية التي لم تسقط بعد في نظام المخلوع أو المنحل أو المسقوط إذا جاز التعبير بذلك لغويًّا، القنوات التي أتحدث عنها هي قناة مدّعي الثورة حاليًّا وحلقة عن رسوب الإخوان في التجاوب مع مذبحة بورسعيد هذا هو العنوان وكان يستضيف النائب في حزب الحرية والعدالة الأستاذ محسن راضي مما دعاني إلى متابعة الحوار، وكالعادة دائمًا لم يترك لنائب الإخوان أي فرصة أو مساحة للحديث بل انبرى عبد الغني وضيوفه في كيل الاتهامات ومنهم أمين إسكندر وهو أيضًا من نواب البرلمان ولم يمنعه هذا من مجاراتهم، وشريط الأخبار يركز على الإحباط الذي أصاب الناس من أداء البرلمان وعدم تلبية مطالب الثوار وهذا الأمر متوقع منهم ومتكرر الحدوث، ولكن ما استوقفني هو دماثة خلق الأستاذ محسن راضي وابتسامته وهدوئه وهذه هي أخلاق الإخوان المسلمين التي تربوا عليها في هذه الدعوة المباركة.
ووجهة نظري أن ما يحدث من هؤلاء هو اعتداء بألسنة حادة تمزق أواصر الأمة وتنشر الفرقة والشقاق، وأن رد الاعتداء بالمثل في هذه الأوقات العصيبة من تاريخ مصرنا الحبيبة هو الأولى، ولا يحدثني أحد عن العفو والتوافق فليس وقته لا الآن ولا مع هؤلاء، وما أكد وجهة نظري أن قناة الحياة الثانية كانت تستضيف تهاني الجبالي وصلاح عيسى وأحد أعضاء الاستشاري أمام د. سليمان صالح نائب الحرية والعدالة، والمذيعة ومع نفس الوجوه القديمة التي صدعتنا أيام مبارك بالتغني له يمطرون النائب المحترم بالتهم كأنه في محكمة، وتعبيرات جديدة لم نسمع عنها في تاريخ الأمم من ديكتاتورية الأغلبية وتعليقًا على نفس الأمر تمخض البرلمان فولد لجنة (يقصدون لجنة تقصى الحقائق لبورسعيد)، ولم يسمح للنائب بإكمال كلمته بل شبهه عضو الاستشاري بأنه كصفوت الشريف وضحك وسخرية من الحضور والنائب المحترم كالفريسة وسط الذئاب.
أما القناة الثالثة التي شاهدتها في نفس اليوم فقد كانت القناة التي تظهر من خلالها منى الشاذلي التي بكت مبارك بالأمس بدموع حارة، وهي الآن تبكي الديمقراطية بدموع سوداء وتبكي ضياع حق الشباب اللي قاموا بالثورة وخطفت منهم واستولى عليها الإخوان والبرلمان الذي لا يمثل الشعب على حد قولها، ثم استضافت محامي النادي الأهلي والألتراس في قضية بورسعيد الأستاذ رجائي العربي وكانت تستعديه على كل شيء البرلمان والمجلس العسكري وبور سعيد (أي كلام)... وتتحفز لمزيد من الإثارة فخيب الأستاذ المحامي رجائها ووجه لها اتهامات بإرباك الشباب وبث الفرقة وروح اليأس وجعل أهل مصر شيعًا فبهتت وتلكلكت... الشاهد من هذه المتابعات أن مثل هؤلاء هم الذين يذبحون الناس بألسنتهم، هم سحرة فرعون وملؤه فكأن قولهم كما قال تعالى: () وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) (الأعراف:127)، فكان رده: (وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)) (الأعراف) فمن القاتل إذن؟، إن هؤلاء المحرضين مباح معهم الجهر بالسوء من القول، فالله عز وجل لا يحب الجهر بالسوء من القول واستثنى إلا من ظلم فقد وجب عليه القيام بفضح الظالم والدعاء عليه بالكراهية مع ما في الإسلام من إعلاء للقول الأحسن وليس الحسن، قال تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ)(النساء:148)، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق العظيم بشهادة رب العالمين يعلمنا أن بعض الناس لا يصلحهم ولا يردعهم عن غيهم وسوء أدبهم إلا بمواجهتهم وإظهار قبحهم.
هؤلاء يجب مقاطعتهم وإلا فلتواجه الإساءة بمثلها، قد يتفق معي البعض وقد يختلف كثيرون لكن العفو له شروط وإلا كان تفريطًا في الحقوق، وكما يقال إن لصاحب الحق مقال وإن الحق أبلج فمال أهل الباطل تنتفخ أوداجهم وتعلو أصواتهم، فيا صاحب الحق أعل صوتك واجهر لهم بسوئهم قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (الرعد: 17).