هذه جملة خبرية تقريرية، أريد بها إقرار حقيقة واقعة، شئنا أم أبينا، صدقنا أم لم نصدق، هذه الحقيقة تقول إن الإخوان يريدون هدم الدولة المصرية القائمة الآن إلا بعضًا منها، هذه الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون ويصرون على تجاهلها، وأحيانًا إنكارها، ويجاهدون في إيجاد الدلائل وسوق البراهين على صحة افتراضهم.
الإخوان يريدون هدم دولة استشرت وتمددت كأخطبوط ضخم طيلة ستين عامًا، يريدون هدم دولة قامت على كل القيم النفعية والسلبية والهدامة، قيم أخلاقية وسلوكية تمددت في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
يريدون هدم دولة لا يعيش عليها فقط فلول الحزب الوطني المنحل ولا العسكر في بلادنا، بل إنها استشرت وباضت في نفوس الملايين من أبناء هذا الشعب.
نعم هذه الدولة الظالمة المستبدة النفعية التي تتاجر بالآخرين أيًّا كانوا لصالح الانتصار للنفس فموجودة في نفوس كثير من المواطنين.
هذه الدولة التي يعيش عليها ما لا يقل عن خمسة ملايين مواطن يعملون في أجهزة الدولة ومرافقها، ولا يمكن في حال اقتصادي متهاو كحالنا أن يتخلوا عن قيم المحسوبية والرشوة والوساطة المعيبة والكذب والخيانة والاختلاس.
دولة فيها دولة العسكر بكل مؤسساتها وأموالها وشركاتها ومنافعها وعلاقاتها الداخلية والخارجية المتشعبة وسياساتها التي يرسمها القائمون على رأسها، دولة فيها دولة الإعلام الذي يمول تمويلاً داخليًّا وخارجيًّا لا يمكن وقفه ولا حتى بالقوانين تحت مزاعم الحرية، وتسعى لنشر وتثبيت وتمكين ليس فقط مموليها بل لتشويه العقل المصري ومسخ الشخصية المصرية.
دولة فيها ملايين الفقراء المستعدين لبيع أنفسهم للشيطان من أجل لقمة عزت وكسرة خبز أصبحت أغلى ما يحلمون بها.
هي دولة سقوط رأسها لا يعني سقوطها، ودولة لا يعني سقوط فرعونها عدم وجود فراعين آخرين مستعدين تمامًا لأن يقوموا بأفظع مما قام به الفرعون المخلوع، كالأفعى الأسطورية الذي كنا نشاهده صغارًا كلما قطعت له رأس برزت رأسان مكان الرأس المقطوع.
هذه الدولة يا سادة هي التي يريد الإخوان هدمها وبناء دولة القيم ودولة القانون ودولة الحق على أنقاضها.
وهي دولة لا يمكن هدمها بين ليلة وضحاها، لا يمكن هدمها بين غمضة عين وانتباهتها، هي دولة لا يمكن هدمها لأننا أردنا فقط هدمها.
هذه الدولة تهدم بالعمل المستمر والبناء المستمر، هذه الدولة لا يمكن فقط هدمها ثم ننتظر البناء، بل إن الهدم لا بد أن يسبقه بناء، لا بد من أن نبني أخلاقًا رائعة ينتقل الناس إليها فتهدم أخلاقهم الفاسدة، نبني قوانينا شديدة الضبط ينتقل المجتمع إليها فتنهدم القوانين الفاسدة، نبني مؤسسات الحق والعدل فيقتدي بها الناس لتهدم مواخير الظلم والضلال، لا يمكن أن نطالب فقط بالهدم ما لم تكن عندنا رؤية للبناء، رؤية متكاملة قابلة للتحقيق، وإن كانت قاصرة أو مخطئة.
إن الهدم ليس هناك أسهل منه، ولكن تكلفته عالية. وإذا كان الله قد من علينا بهدم جزء من النظام دون تكلفة كبيرة، فلننظر إلى دولة كليبيا التي كلفت 50 ألفًا من أبناء شعبها من أجل إسقاط فرعونها أو سوريا أو اليمن.
وما زالوا يعانون من أجل استكمال بقية الجهاد وبقية الهدم، ويعانون أكثر وأكثر وأكثر من أجل بناء مؤسسات الدولة.
إذا كنا قد عانينا من أجل بناء مؤسسة واحدة من مؤسسات الدولة وهي البرلمان فما هو حجم العناء الذي يمكن أن نعانيه من أجل تطهير وزارات الدولة؟ من أجل تطهير الجيش وتطويعه للدولة؟ من أجل تطهير الشرطة وتطويعها للشعب؟
إذا كانت تكلفة مجلس الشعب حتى الآن بلغت ما لا يقل عن 500 من القتلى وآلاف من الجرحى منذ الحادي عشر من فبراير وحتى الآن بعد عام كامل، فما هو التكلفة التي يمكن تدفع من أجل بناء مؤسسات أكثر تجذرًا وأكثر تعمقًا في أوصال الشعب المصري؟
ما أقوله هو أن الإخوان يريدون هدم الدولة التي كانت قائمة خلال ستين عامًا، يريدون هدم دولة لم يعان منها أحد كما عانوا. ولم يدفع أحد مثلهم كما دفعوا من أجل إسقاطها من عروشها؟
ولكن المتصور أن المواجهة المباشرة ستكون أقل تكلفة وأقل عناء من تكلفة إسقاط متدرج مهما كانت تكلفته فهو واهم، وما سوريا وليبيا منا ببعيد.
المتصور أن هدم المؤسسات أيًّا كانت من شرطة ومجلس عسكري ووزارات تنتمي بكليتها للفلول هو الغاية الكبرى فهو واهم، ربما كان صعبًا ولكن الأصعب هو إعادة بنائها.
إن دم أي مصري غال على كل المصريين وهو العامل الأساسي الذي يمنع مزيدًا من المواجهة والتي ظهر أنها لا تدفع إلا لمزيد من الدماء ومزيد من القتلى ومزيد من الأحزان ولا تحقق إلا بعضًا مما قد تحققه أساليب أخرى أكثر سلمية وحضارية.
يؤمن الإخوان بسقوط حكم العسكر الذي عانوا ويلاته طيلة ستين عامًا، ولكنهم لا يريدون إسقاط مؤسسة الجيش التي ربما تنحو منحى مؤسسة الشرطة بالتقاعس عن أداء دورها فتكون الطامة الكبرى والمصيبة العظمى.
إن هذه الدولة ليست الإخوان المسلمين وحدهم، وليست حتى القوى السياسية وحدها، هذه الدولة هي 86 مليون مصري ومصرية بكل احتياجاتهم ومتطلباتهم التي ربما لا تهتم بمن يحكمها بقدر ما تهتم بمن يسهل لها رزقها ويرفع لها قدرها وشأنها.
حفظ الله مصر من كل شر، ورد كل من أرادها بسوء وجعل تدبيره تدميره وجعل دائرة السوء عليه.