بعد هزيمة 67 دأب الإعلام المصري على تحذير الأطفال بألا يلتقطوا شيئًا من الأرض، فربما التقط أحدهم قلمًا وهو يحمل قنبلة في داخله تنفجر في وجهه؛ لأن عدونا الصهيوني يستهدفنا، وتنوعت التحذيرات حتى أصبحنا نخشى التقاط أشياء داخل منازلنا، وهكذا دمر الإعلام معنويات الشعب من حيث يريد حمايته من عدوه، وأشعرنا أن يد عدونا طائلة، وقام بالدور الذي يتمناه العدو تمامًا، كما لو كان هذا العدو هو الممسك بزمام الحكم في بلادنا!
وأتصور أن اللحظة الصاخبة التي نعيشها، يراد لنا أن نسترجع فيها ملامح هذه الأيام السالفة.
ويساهم الجميع في هذا؛ فالساسة لأنهم ينبغي أن يدلوا بتصريحات للإعلام "النهم"، فإنهم قرروا بعد دقائق من حادث "إستاد بورسعيد" "أنه مدبر من القيادات الأمنية التي تتآمر حتى يسلم الناس بخطورة دورهم ليعودوا أسيادًا للشعب!".
ومنهم من قال: "إن الحادث مدبر من "المجلس العسكري"؛ لكي يطول بقاؤه في الحكم".
ومنهم من قال: "بل هم الفلول الذين يتم توجيههم من وراء القضبان، ويدفعون الملايين ويجيشون البلطجية، حيث يدير قاطنو "طره" (الفوضى) التي حذر منها "مبارك".
وكل طرف يسوق أدلته، مشيرين إلى البوادر العدائية التي ظهرت قبل المباراة بين الجمهوريْن الأهلاوي والمصري، والتي كان واجبًا على المسئولين أن يأخذوها مأخذ الجد، ومنهم من أشار إلى عدم حضور مدير الأمن والمحافظ في المباراة لدرايتهما السابقة بالمخطط، ومنهم من أشار إلى سلبية القوات الشرطية الموجودة بالملعب، وكأن الأوامر أن يشرفوا على تنفيذ المذبحة وليس حماية الجماهير؛ بل هناك من جزم بالمؤامرة بسبب استمرار غلق أبواب "الإستاد" لمدة ساعة؛ لئلا يتمكن الجمهور من الهرب.
وكل هذه التحليلات ممكنة في خضم الحالة الضبابية التي نحياها، كما أنها أيضًا مرشحة للفشل في تفسير الحدث الجلل.
والحقيقة أن قضية العداء بين جماهير الأندية، بل الدول كانت موجودة- وربما ستظل- ما دام الفقر والجهل وغياب العقل والقنوات الفضائية والألتراس موجودًا.
أما الذي أتصوره فإن الحدث هو صورة مكبرة لانتهاك القانون، وهو يأتي في سياق يبشر دائمًا بحدوث أمثاله، فنحن جميعًا متهمون وضحايا؛ ابتداء من المنتهكين لقوانين البناء والمرور والصناعة والتجارة وحتى البلطجية، مرورًا بآكلي الحرام من المرتشين والمأجورين؛ فالقانون غائب ولا أحد يرتدع، وكل من أراد شيئًا فعله.. وكما راجت بضاعة "نفاق الثوار"، فسنجد من يزعق "منافقًا للشعب"، باكيًا على كوارثه، ومزايدًا بصياحه حتى يشار إلى برنامجه بالبنان، أو ليتذكره الناس في الانتخابات، ويقول: إن المتآمر هو الجيش أو الشرطة أو الفلول، والعصبية أصبحت سيدَ الموقف، والظهور الإعلامي يعقد الأمور ويصنع خيالاً شعبيًّا مرتبكًا، ويمكن أن تأخذنا هذه الغيبوبة إلى أبعد مدى، ندمر أنفسنا وثورتنا ويكون الفاعل دائمًا معلومًا، وهو: (الجيش والشرطة والفلول)، دون معرفة المجرم الحقيقي بحسم، ودون احترام "للقانون" ولا لعقول الناس، ثم ننام لنستيقظ على صراعاتنا (الثورية) اليومية.. حتى قدوم كارثة جديدة!
هناك فارق بين (المسئول) وبين (المجرم)، فالمسئول هو "العسكري" أما معرفة "المجرم" فهو أحد تحدياتنا كدولة.
لماذا لا نوجه التهم الصحيحة إلى المسئول الصحيح؟
المجلس العسكري يقاتل لتمييز وضعه، ولكن طريقه هو الدستور والضغط السياسي والمساندة الأمريكية.
رجال الشرطة خائفون من المواطن، والكبار المتآمرون فيهم يدركون أن مثل هذه الحوادث تعطي المبررات القوية للإطاحة بهم، وتضيع فرصتهم التآمرية للبقاء والسيطرة، وتضع رءوسهم على المقصلة، والأولى الإذعان لتيار الثورة الجارف لعله يجد مكانًا فيه أو يطويه الزمن بلا محاكمات.
أما الفلول فمصالحهم- في الأغلب- اقتصادية من مال منهوب بطريق السياسة، وليس أمامهم إلا طريق القذارة السياسية للحفاظ على المال السياسي القذر، أما إنفاق المال في المكائد طيلة الوقت فلن يمكِّن لوجودهم ولا لأموالهم الطائلة، والأولى لهم منطقيًّا أن ينافقوا (السلطان الجديد)؛ إذ ليس من طبع اللصوص القتال والمقاومة، ولكن الاستكانة والتربص ثم السرقة والهروب.
إن الخوف من "المجلس" و"القيادات الشرطية" "المتآمرة" و"الفلول" ليس في هذه المعارك الصغيرة، وإنما في الاستعانة بالظهير الأجنبي للتمكين لهم، كلٌّ بحسب وظيفته ودوره.
وإذ يأخذنا الأسى فإن أعيننا تذهب إلى حوادث (عداء كروي) أخرى كانت بشعة كحادث بورسعيد.
ففي ملعب "ليما" (بيرو) في 24/5/64 ألغى الحكم هدف تعادل بيرو مع الأرجنتين قبل النهاية بدقيقتين فثار الجمهور البيروفي واشتبك الجمهوران وكانت الحصيلة 318 قتيلاً و500 مصابًا.
وفي ملعب "هيسل" (ببلجيكا) الذي شهد نهائيًّا أوروبيًّا بين "ليفربول" ويوفنتوس" في 29/5/89؛ حيث هجم الجمهور "الإنجليزي" على "الإيطالي" فأجبره على التراجع والضغط على السور الذي انهار مخلفًا 39 قتيلاً و600 مصاب.
وفي ملعب "هيلسبرة" (بإنجلترا) الذي شهد مباراة قبل نهائي الكأس بين "ليفربول" و"نوتنجهام فورست" في 15/4/1999؛ حيث أساءت الشرطة إدارة التدفق الجماهيري، فتسبب ذلك في قتل 96 وإصابة 300 دهسًا واختناقًا، بسبب التسابق على المقاعد الخالية، وعدم استعداد الشرطة مهنيًّا لإدارة الحدث.
إذن، حوادث الكرة قد تأخذ طابعًا فاجعًا، ولا تحتاج العداوة بين الجماهير لمن يؤججها، ولكن دولة (القانون)؛ والتي تعرف فيها كل مؤسسة دورها هي العاصم من مثل هذه الكوارث؛ أما الاختلاف اليوم على شخصية المتآمر، ثم الاستمرار في قبول التلاعب بنا ووضعنا في حالة حيرة تؤدي إلى هياج عشوائي للثأر عقب كل كارثة؛ فهذا من شأنه أن يستنزف قوانا الفاعلة وفق مخطط المتآمرين.
ومن هنا، فإنه ينبغي الانتباه إلى (مخطط الأمة) في نقل السلطة والإصرار عليه وإنجاح خطواته حتى نحتشد وراء حقوقنا، هنالك سيتم فرز الساحة إلى قوتين لا ثالث لهما؛ الأولى مع الشعب والثانية ضده.
ولقد تقدمنا خطوة وتبقى خطوات، وما زالت مطالب أول يوم بعد سقوط "مبارك" هي مطالب اليوم وعلى رأسها:
1- حكومة ثورة بكافة الصلاحيات يكون بيانها الأول هو برنامج عملها، تُعان قبل أن تُحاسَب، وتمنح الفرصة لتنفيذ قراراتها الحاسمة، وتصارح الشعب بكل من يقف في طريق إنفاذ برامجها، ثم يكون الحساب.
2- استكمال خارطة تأسيس الدولة طبقًا لاستفتاء 19/3، وانتقال سلطة التشريع بالكامل إلى المجالس النيابية المنتخبة وعدم التفريط فيها.
3- عقد "محكمة ثورة" للنظام السابق وأعوانه في كل مؤسسات الدولة، وإيقاف مهازل المحاكمات الجارية الآن؛ طبقًا لموازنات (العسكري) الإقليمية والدولية، والتي تضرم نيران الحقد والغضب في نفوس الثوار ولا ترضيهم.
4- حماية حقوق الشهداء والمصابين والمعتقلين، وأتحدث هنا عن كل الشهداء من ضحايا النظام في ثلاثين عامًا، ومن أضيروا بسببه بكل أشكال الضرر، فهؤلاء قد أسسوا لهذا الفجر الجديد، ولأن تكريمهم هو تصحيح للتاريخ نعيد فيه هؤلاء إلى مربع البطولة بعد أن وضعوا تحت طائلة الاتهام.
وحتى تتم هذه المطالب فعلينا أن نراجع مواقف الفرقاء في الميدان، وأن نتحمل إعلامًا انتهازيًّا، وعدوًا متربصًا، ووجوهًا سياسية كالحة لا تقتات إلا في ظروف المحن.
---------