كنت قد نسيت أن لنا شركة طيران وطنية اسمها مصر للطيران، ربما لتجارب سابقة، وربما للغربة النفسية التي صنعها النظام البائد.. بعد الثورة تذكرتها، وقررت أن تكون هي الخطوط الجوية التي أختار، تعجلت أنفاس الوطن وكنت خارجه، لم تفارقني ابتسامتي وسعادتي، ودموعي.. رأيت كل شيء بها جميلاً.. بل صرت لا أقارنها بشركة طيران أخرى إلا وأراها الأحلى والأجمل والأرقى.. وبينما كنت أتبادل الابتسامة مع المضيفة التي كانت تعطيني بطاقة البيانات الخاصة بعودة المصريين، وأقول لها: أشعر بأنني أحلق فوق السحاب! ضحكت هي وجاري الخليجي على متن الطائرة من كلمتي، وقالا: أنت فعلاً فوق السحاب، انتبهت، أنظر من النافذة وضحكت، لكنني كنت أعني سحابًا أعلى من هذا السحاب، سحاب الوطن العائد، سحاب الكرامة والعزة والكبرياء.. الحرية.. الحرية.

 

عند مخرج الطائرة وقف قبطانها يحيينا، فقلت له: تراها أصبحت حلوة مصر للطيران حقًّا؟ أم أنها عين الرضا عن كل عيب كليلة؟ أم أنها حلاوة ذهاب أحمد شفيق وأسياده ونظامهم؟ انتشى وأعجبه ما قلت، وأخذ يحمل عني حقيبة يدي ويردد: الاثنان.. الاثنان.

 

بعد تسعة شهور من الثورة المباركة عدت أقلع مرة أخرى على متن مصر للطيران مغادرة للوطن؛ بل حاملة له على كتفي، وفى قلبي.. في الممر المقابل لصالة المغادرة الأخيرة لم تكن الكراسي كافية للمسافرين، افترش الشباب الأرض في خفة روح متشاغلين بحواسيبهم ومحمولاتهم، بينما جعل الناس يتبادلون الكراسي في حلاوة روح مصرية.. وما إن فتحت صالة المغادرة الممتلئة بالكراسي الخالية حتى وقف الجميع في تحضر، وإيثار للكبير، وتقديم للأمهات وحاملات الأطفال، والمرضعات.

 

وفجأة وفي صلف لم نكن نسيناه بعد أن ظهر علينا ضابط من الطاقم الذي بالصالة: لا دخول الآن، لا دخول. وقفنا متفهمين أن ربما هناك أمرًا فنيًّا يقتضي ذلك، رغم تأففنا من غلظة اللهجة، فجأة يجيء أحدهم ليصطحب سيدة في الثلاثينات من عمرها تتهادى في كعبها العالي والجينز، ونظارتها الشمسية وتدخل لتجلس على مرأى منا. وهنا لم أتفهم. وتجاوزت من كنا قدمناهم من الكبار وحاملات الرضع، وناديت بصوت مسموع:

 

من فضلكم، أريد أن أتعرف على الشخصية العظيمة التي حُق لها أن تدخل دوننا جميعًا! ارتبكوا شيئًا ما، واقترب أحدهم مني ظانًّا أنه يهدئ ثائرتي، وما درى أنه يشعلها، قائلاً:

"إنها تبع سيادة الضابط"، فرفعت صوتي: جميل أريد أن أتعرف على حضرة الضابط الذي ما درى بعد أننا الآن في مصر الحرة سواسية كأسنان المُشط. اقترب واحد منهم، وهو يمسك بجواز سفري ويتعرف عليَّ: ثم يقول لي هي زوجتي وأنا أعمل بالمطار، اعتبريني أخاك، إنها حامل! قلت له، وأنا أشير إلى الحوامل والمرضعات خلفي: ومَن لهؤلاء؟ ولأنك قلت إنك كأخي فلا أحب لابنك أن يولد في بلد غير كريم، ولو استأذَنتنا لحملناها على رءوسنا، ثم ما السبب الذي يجعلكم توقفوننا رغم المعاناة، والكراسي خالية بالداخل؟

 

بدا لهم أني جادة، وكيف لا أكون وقد مثلت أمام عيني صور شهدائنا الأبرار، وألزمتني ابتسامة مصطفى الصاوي وكريم بنونة، وأحمد بسيوني وصحبهم الحجةَ. بل ألزمتني دموع أمهاتهم، وآهاتهن أن أقف هذا الموقف: وكاد صوتي يصبح نحيبًا ونشيجًا، وأنا أنظر إليهم وإلى الصامتين القابلين الراضين من المسافرين معي وأقول:

 

قسمًا بروح الشهيد الغالي لن نترككم تفسدونها مرةً أخرى، وأرددها. جاء أحدهم، وقد بدا متأثرًا، يقول: سنعيدها تقف معكم، سنعيدها، فقال كبيرهم بصوت خفيض: أدخلوهم، أدخلوهم!.

 

جلسنا على الكراسي بالصالة التي تحولت إلى منتدى للوطن، وأقبل عليَّ الناس بين مثن، وشاكر، وبين معتذر أنه لم يفعل فعلي.

 

ووجدتني أشرد عنهم.. إن أشد ما آلمني ليس ما فعله هؤلاء الذين يحنون إلى ماضي التعالي على الناس، الأشد إيلامًا لنفسي أن نعود نقبل أن نُهان.

 

في كتابه العزيز قال ربنا: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)) الزخرف).. إن الذي يقبل بالاستعباد والاستخفاف هو صاحب الجرم الأكبر.

 

سيصنع الطاغية والمستبد نفسه في كل زمان ومكان، لكنه لن يجد له مكانًا أبدًا في عالم الأحرار. إذا وجد الحر، فلا مكان للطاغية، فيا أيها الأحرار: حريتكم.. حريتكم.

 

الحرية سحاب أعلى من سحاب السماء.. أعلى من سحاب السماء.