كما كان متوقعًا انتقلنا من مربعات الاشتباك الناعم "السجال السياسي والإعلامي والفكري" إلى مربعات الاشتباك الخشن "الاعتداء اللفظي والجسدي والاتهامات والتخوين"، والأولى مقدمة طبيعية للثانية في مجتمعنا المصري الذي حُرم من حقوقه المشروعة في التعبير عن رأيه وفكره، وبالتالي لا يملك لحدٍّ كبيرٍ ثقافة الاختلاف بقدر ما يملك نمط الاشتباك، وحتى لا نقع فيما يقع فيه صغار السنِّ مع قلة الخبرة وكثرة الحماسة، فهذه الممارسات هي نتاج طبيعي لخلفيات فكرية وعقدية وحسابات تاريخية وصراعات الاستحقاق الثوري.

 

خلفية المشهد

المشكلة ليست في تسليم السلطة ولا وضع الدستور ولا انتخاب الرئيس المدني؛ لأن هناك خارطة طريق معلنة تنتهي في 30 يونيو القادم، وأيضًا تقصير المدة ممكن بالحوار الهادئ والتوافق العام، المشكلة أن هناك صراعًا معلنًا بين التيار الليبرالي- العلماني سابقًا- والتيار الإسلامي على الاستحقاقات الثورية والرصيد التاريخي المنتهي والمتآكل للأول أو القادم والمتنامي للثاني، التيار العلماني يمثل نسبة وزنية قليلة كشفتها الاستفتاءات والانتخابات النقابية والبرلمانية والشورى، وبالتالي فهو يشعر أن البساط فعلاً قد سُحب من تحت أقدامه وبصورةٍ لم تزعج الداخل أو الخارج "فشل الفزاعة"، وبالتالي يحاول بطرقٍ أخرى غير ديمقراطية قد تكون إعلاميةً أو تظاهراتيةً فرض ما يريد تحت غطاءٍ ثوري بدعوى الحفاظ على مصر المدنية من العسكر والتيار الديني مرتديًا قميص الشهداء والجرحى، التيار العلماني يطلب اليوم ما رفضه بالأمس، عندما طلب وضع الدستور أولاً في وجود العسكر بل ناشد العسكر البقاء في السلطة لسنوات "راجع التصريحات السابقة لكلٍّ من الأساتذة ممدوح حمزة، أسامة الغزالي حرب، محمد أبو الغار، جورج إسحاق، عبد الجليل مصطفى وغيرهم كثير"،  ثم هو الآن ينقلب على خياراته، رافضًا وجود العسكر ووضع الدستور، في المقابل التيار الإسلامي حدد خياراته منذ الوهلة الأولى، فقد انحاز للإعلان الدستوري والخارطة المعلنة، وبناءً عليها واعتبارات أخرى منحه الشعب المصري هذا التفويض المشرف والثقة الغالية.

 

إفرازات المشهد

بناءً على الخلفية السابقة كانت حزمة الممارسات غير الديمقراطية ومنها:

** الإعلان عن محاصرة مجلس الشعب واحتلال الشركات التي حصلت على أحكام وقف البيع في ملف الخصخصة وإعلان الإضراب العام "راجع تصريحات تيار الاشتراكيين الثوريين".

 

** الإصرار على اقتحام مجلس الشعب الثلاثاء 31 من يناير الماضي وما ترتب عليه من اشتباك متبادل بين المتظاهرين والعديد من شباب الإخوان المسلمين أُصيب على أثره 71 شابًا إخوانيًّا.

 

** الاعتداء اللفظي والجسدي على شباب الإخوان في ميدان التحرير ومدينة المنصورة وأسيوط والإسكندرية؛ ما ترتب عليه إصابة ما يزيد عن 55 عضوًا إخوانيًّا "26 من يناير الماضي".

 

** الهتافات المعادية والاتهامات بالخيانة والعمالة وعقد الصفقات مع العسكر.

 

** رفع الأحذية والإشارات غير الأخلاقية التي تصادم أخلاق ومشاعر وقيم المصريين، بل وقيم الثورة المصرية الحضارية "صارت سمتًا للمظاهرات الأخيرة".

 

** التغطية الإعلامية الفورية والمنحازة ضد الجماعة في فضائيات رجال الأعمال والمواقع الإلكترونية والصحف الورقية الخاصة، وكأنه سيناريو معد.

 

** تصريحات بعض نواب الشعب من التيار الليبرالي، فضلاً عن خارطة الطريق التي أعلنها الدكتور البرادعي في هذا التوقيت "راجع تصريحات النائب محمد أبو حامد رئيس الهيئة البرلمانية للمصريين الأحرار".

 

خلاصة الطرح

بالفعل ودون مواربة نحن بصدد سيناريو الفوضى وإسقاط ما تبقَّى من الوطن "سقوط ما تبقى من هيبة الدولة وجهاز الشرطة ثم المجلس العسكري بسبب أخطائه الفادحة ثم مجلس الشعب المؤسسة المصرية الوحيدة صاحبة الشرعية" بقصدٍ من بقايا النظام وكبار النافذين في المؤسسات السيادية وبعض رجال المال والأعمال أصحاب الملفات السوداء التي لم تفتح بعد، وبدون قصدٍ من بعض الشباب الوطني المتحمس والمتعجل، وبالتالي ليس أمام الإخوان، خاصةً الشباب "حائط الصد الوحيد أمام سيناريو الهدم" إلا المزيد من الصبر والجلد واستيعاب المواقف وضبط النفس وتحمُّل الأذى والثبات على المواقف، مع المزيد من الحوارات لتوضح الرؤى، أملاً في وحدة الصف، صف شباب الثورة الذي تم اختراقه وبامتياز!

-------------

* مدير مركز النهضة للتدريب والتنمية