نزل إلى ميدان التحرير ليحتفل بمعجزة زوال طاغية حَكَم البلاد بالحديد والنار، وامتهن كرامة الإنسان المصري، وبدد ثروات الوطن، واستعذب التبعية المهينة للأمريكان والصهاينة، إنه شاب بسيط ليس له توجه، يذوب قلبه عشقًا لوطنه، اقترب من منصة الإخوان ليردد الأناشيد الوطنية: "الله أكبر باسم الله باسم الله" وغيرها من أغاني الثورة التي تهز الوجدان: "يا بلادي يا بلادي.. أنا بحبك يا بلادي".

 

مرت أمام عينيه صور الشهداء فازداد نحيبه، تذكر أيام الثورة، نظر تحت أقدامه.. هنا سقط شهيد وهناك كان يحمل مصابًا يندفع به نحو المستشفى الميداني، هنا كان هجوم الجمال والخيول، وهناك تساقطت كرات النار فوق الثوار.

 

في هذا الميدان كان يتقاسم رغيف الخبز وعلبة الكشري مع زملائه الذين لا يعرف أسماءهم، ملايين شتَّتهم الاستبداد وجمعهم عشق الوطن، صافحني الشاب الطيب وهمَّ بالانصراف وإذا بالصورة تتغير فجأة؛ وإذا بمئات الشباب يندفعون نحو منصة الإخوان يرفعون الأحذية ويقذفونهم بالطوب والحجارة وزجاجات المياه، كان الشاب مذهولاً مما يحدث، غير مصدق ما تراه عيناه، لماذا يهاجمون الإخوان بهذه البشاعة التي تفوق الهجوم على بلطجية النظام السابق؟!

 

كان يتعجب من هؤلاء الذين يهاجمون فكرة إقصاء الآخر ويمارسون ذلك بعدوانية، ويناضلون باسم الحرية والديمقراطية ولا يطبقونها على الإطلاق.

 

كان الشاب يسأل عن ذنب هؤلاء الذين بذلوا أرواحهم من قبل لإنجاح الثورة وقدموا الشهداء في موقعة الجمل دفاعًا عن الميدان ولم يتشدقوا بذلك ولم يتحدثوا مطلقًا باسم الثورة، إلا من خلال لجنة شاركتهم فيها كل التيارات، كان الشاب يسأل ولا يجيبه أحد إلا بإشارات بذيئة فقد ظنوه من شباب الإخوان، كان الشاب مرعوبًا من وقوع مجزرة لا يحمد عقباها، ازداد بكاؤه تأثرًا بما يحدث لشباب الإخوان، ومن الرقى الذي تعاملوا به مع هذه الإساءة، فقد كانوا يرددون: "فصبر جميل"، ويتبادلون قصاصات من الورق يحثون بعضهم البعض على ذكر الله والدعاء وامتلاك النفس، فليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب، وهو الدرس الذي يجب أن يتعلمه العسكر في كيفية احتواء مثل هذه الأحداث، فبرغم توافد مئات الإخوان إلى الميدان حتى صاروا أغلبية كبيرة فقد ازدادوا حلمًا وصبرًا وتماسكًا بما تربوا عليه في دعوتهم، لم تكن دموع الشاب قد جفت بعد، وهو يرى استجابة الله لدعائه بحقن دماء المصريين، وكان يسألني عما يردده الشباب في الميدان.. فأخبرته: أنه شعار الإخوان: "الله غايتنا..."  فظل يردده معهم، ثم انصرف بعد أن ساد الهدوء تمامًا، فصافح شباب الإخوان وهو يقول لهم: إني أحبكم في الله".