7- لماذا شاركت؟

الأحد 30 يناير:

ليتني كنت شرارة البدء.. ليتني كنت من شباب "الفيس بوك".. ليتني كنت من المشاركين يوم 25 يناير.. ليتني كنت من أبطال 28 يناير.

 

هذا هو شعوري وشعور الكثيرين ممن لا يدعون أنهم قد بدءوا الثورة، ولا يدعون شرف المشاركة في هذين اليومين التاريخيين المباركين بالذات.

 

كنت مثل الكثيرين يشاهدون ويرجون ويتمنون ويدعون لهؤلاء الأبطال المرابطين ولهؤلاء الشهداء الذين كانوا سببًا في مشاركة الكثيرين من أمثالي.

 

كنت أرى مثل الكثيرين أن دورنا لم يحن بعد.. سيأتي دورنا.. نعم.. لكن حين يشير لنا نجوم الصف الأول بالتقدم.. وقد كان.. فمع أول دعوة لأول مظاهرة مليونية قررنا تلبية النداء.

 

لماذا شاركت؟:

 1) لأن دورنا قد جاء ولأن الشعور بالمسئولية قد أقنعني والكثيرين أن مشاركة مليون شخص إلا واحدًا هو مسئوليتي الشخصية ووزري أنا.

 

2) لأن دماء الشهداء كانت دافعًا قويًّا ومستفزًّا وحافزًا للكثير، فقد كنت أشعر أن كل قطرة دم من شهيد كأنها تنزف من عروقي أنا.

 

ولأنني كنت أرى صورهم الطيبة الحزينة على الشاشات فأتقطع حزنًا وكمدًا على شبابهم الذي ضاع، وأشعر أنهم أهلي وعشيرتي.. وحين تكون لغة الدم هي الحوار؛ يُستفز الكثير من أمثالي ليثبتوا أن أرواح الشهداء ثمنها غالٍ ولن تسيل دماؤهم أبدًا على الأرض هدرًا.

 

3) لأن انسحاب الشرطة في خطة مدبرة لإطلاق البلطجية وترويع الآمنين في بيوتهم يوم السبت 29 يناير كان مستفزًّا جدًّا جدًّا للكثير، وقد أحدث تأثيرًا عكسيًّا، فبدلاً من الشعور بالخوف انطلق داخلنا شعور عارم بالغضب الشديد والتحدي، فكان دافعًا قويًّا للمشاركة الفعلية في الثورة.

 

4) لأن حوائط بشرية مليونية لا بد أن تنصب لبنة تساند لبنة حول المتظاهرين الشباب الأبطال بعدما سرت شائعات عن قناصة سيقفون في أعلى الميادين لقتلهم وأن طائرات ستقذفهم، وأن نية مؤكدة قد بُيّتت للانتهاء منهم والقضاء عليهم في ليلة واحدة- وبخاصة من كانوا في ميدان التحرير- فكان لا بد من فتح جبهات مليونية في أماكن أخرى كثيرة، فمن يستطيع إبادة حتى بضعة آلاف لا يمكنه أبدًا أن يبيد الملايين.

 

4) لأن السؤال يوم القيامة سيكون صعبًا وعسيرًا: "لماذا لم تبذلي ما في وسعك للتغيير والوقوف في وجه الظالمين وظلمهم؟".

 

ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من السكوت على الظالم، عن أبي بكر رضي الله عنه قال: إنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب" (أبو داود وأحمد والترمذي).

 

حدث في هذا اليوم:

* قل عدد المتظاهرين عن الأيام السابقة ربما بسبب انطلاق البلطجية وأعمال السلب والنهب أو بسبب مشاركتهم في اللجان الشعبية الليلية.

 

* تكليف أحمد شفيق بتشكيل حكومة برئاسته وسط استمرار طلب المتظاهرين برحيل النظام.

 

* واستمر فتح السجون وإطلاق المساجين من سجن وادي النطرون على طريق القاهرة- الإسكندرية، وكذلك سجن أبي زعبل بالقاهرة؛ ما أشعر المواطنين بالمزيد من الرعب.

 

* بدأت الدعوة إلى تظاهرة مليونية شعبية يوم الثلاثاء الأول من فبراير.

 

8- حان الوقت الإثنين 31 يناير:

وأخيرًا حان وقت المشاركة، فقد انطلقت الدعوة إلى جميع أفراد الشعب للمشاركة في تظاهرة مليونية يوم الثلاثاء الأول من فبراير.

 

سمعت ابنتي الخبر فنظرت إلي، ابتسمت وقلت لها بقوة: "الآن، الآن يا هاجر لا بد أن نشارك، نعم الآن وجب على كل فرد أن يشارك".

 

ولم أكن قد سمعت بعد أن أحد الفقهاء قد أفتى بأن خروج كل من استطاع الخروج هو فرض عين وواجب شرعي.

 

وحين اتخذت هذا القرار شعرت بالكثير.

 

شعرت...

1) أنني قد ازددت ثقة بالله تعالى ويقينًا بأنه حين تسيل الدماء الجريئة البريئة فإن يد القدرة الإلهية وعدل الله تعالى لا بد أن ينصر المظلوم مهما كان ضعيفًا.

 

2) أنك لو أنفقت آلاف الجنيهات أو قضيت سنوات وسنوات تربي أبناءك على مبدأ لما استطعت أن تغرس في عقولهم ووجدانهم المبادئ التي سيتعلمونها إن شاركوا مخلصين شجعانًا وواعين لهذه الثورة.

 

3) أنه (لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا) (التوبة: من الآية 51)، وهذا الدافع بالذات هو الذي حفزني- كما حفز الكثيرين- على اصطحاب أبنائي معي.

 

فقد تعلمت درسًا قويًّا سمعته من زوجي الذي كان قد حضر بالأمس- في يوم واحد ثلاث- جنازات متتالية مختلفة المشاهد متحدة النهاية متباينة النتيجة في الدار الآخرة:

 

* الأولى لشاب كان يشارك في اللجان الشعبية فأخذ المسدس الخاص بأبيه وهو لا يدري كيف يتعامل معه تعاملاً سليمًا فأصابته رصاصة في رقبته.

 

* الثانية لعميد شريف في الأمن المركزي قتلته الأيدي الغادرة برصاصة في ظهره؛ لأنه رفض الأمر وأبي تلطيخ يديه وأيدي قواته بدماء المتظاهرين الأبرياء.

 

* والثالثة لرجل مسن مات في فراشه إثر مرض مزمن.

 

تعددت الأسباب والموت واحد، وإن كانت هي ميتة واحدة فلما لا تكون في سبيل الله؟
صورة من البيان الذي تم توزيعه قبل التظاهرة المليونية الأولى يوم الثلاثاء 1 فبراير.

 

صامدون حتى النصر:

إن هذه الثورة المباركة التي بدأت شرارتها يوم الثلاثاء 25 يناير 2011م، والتي كان مطلبها الرئيسي (وسيظل) هو إسقاط هذا الرئيس الطاغية الجاثم على صدور المصريين منذ ثلاثين عامًا فلن نرضى بغير هذا المطلب بديلاً مهما كانت التضحيات، ومهما كان الثمن.

 

إن شعبنا العظيم يريد رئيسًا يعبر عن إرادته، ويحقق آماله لا أن يقتل أبناءه، ويدمر بلده ويتحالف مع أعدائه، إن هذا الشعب العظيم يريد حكومة وطنية تعايش واقعه وترفع عنه العناء وتحقق له الرخاء لا أن تبيع له الوهم وتروج الأكاذيب وتسرق ثرواته وتنهب مقدراته.

 

إن هذا الشعب العظيم لن يستطيع هذا الرئيس الطاغية أن يخدعه مهما قدم من تنازلات ووعود كاذبة خادعة، فالشعب يعلم أنه هو ونظامه الفاسد السبب في هذه الفوضى التي تعيشها مصر، ويعلم أنه هو الذي قتل أبناءنا بالرصاص الحي، ويعلم أنه هو الذي أشعل الحرائق ونهب ودمر المؤسسات، وأطلق يد بلطجية الأمن لترويع المواطنين الآمنين ونشر الرعب والفزع بينهم.

 

نقول لهم قد خاب سعيكم وفشل مخططكم، فشعبنا المصري العظيم قد بادر بحماية مؤسساته بتشكيل اللجان الشعبية؛ للمحافظة على وطننا الحبيب وهو مصمم على إسقاطكم ومحاكمتكم، وسيستمر في التظاهر صامدًا حتى يسقط هذا النظام في أسرع وقت.

 

إننا نهيب برجالنا ونسائنا ممن يتولون تسيير مصالحنا أن يظلوا يعملون لتوصيل الخدمات العامة للمواطنين وخاصة الكهرباء والمياه والغذاء والخدمات الطبية والنظافة وغيرها.

 

(وفي ظني كتبت هذه الجملة لأن الناس قد تكالبوا على شراء المواد الغذائية وتخزينها بعدما ظنوا خطأً أن الغذاء في مصر سينفد وسيتعرض الناس للجوع، وهذا لم يحدث بفضل الله تعالى، وكذلك فقد سرت شائعات قوية أن الحكومة ستقوم بقطع الكهرباء والغاز والمياه عن المواطنين وهذا أيضًا لم يحدث، أما ما حدث بالفعل فهو تقاعس عمال النظافة عن أداء واجبهم؛ ما أدى إلى تكدس القمامة في الشوارع بطريقة مروعة لفترة طويلة لكنه كان سببًا في تولد فكرة رائعة لدى الشباب- بعد أيام الثورة- وهي التجمع عن طريق النت للقيام بتنظيف الشوارع بأنفسهم بل وتجميلها، وكانت هذه نتيجة عكسية أخرى لما أراد النظام، فقد تصرف الشعب مرة أخرى بإيجابية وتعاون ولم يقف مكتوف الأيدي، وخرج منه الجمال الذي غطى على الكثير من القبح الذي أراد النظام وصم الشعب المصري به).

 

ونهيب باللجان الشعبية أن تكون على حذر تام من البلطجية، وأن يرفقوا بعامة الشعب ولا يقبلوا مشاركة أفراد الشرطة التي قتلت أبناءنا الذين شيعنا جنازاتهم في الأيام السابقة.

 

ونناشد جميع الشرفاء رجالاً ونساءً وشيوخًا أن يدعموا المظاهرات والاعتصامات الهادفة لإسقاط النظام، وذلك بالخروج في هذه الاحتجاجات السلمية فلا تخريب ولا تدمير. 

 

 اللجنة الشعبية

فتوى فضيلة الشيخ أحمد المحلاوي

س: ما حكم المشاركة في المظاهرات؟

ج: المشاركة واجب على كل مصري.

 

حدث في هذا اليوم:

* استمرت المظاهرات العارمة في أنحاء مصر، واحتل عشرات الآلاف من المتظاهرين ميدان التحرير متحدين حظر التجوال الذي تم تمديده من الثالثة ظهرًا وحتى الثامنة صباحًا.

 

* اعتقلت قوات الجيش 50 شخصًا حاولوا اقتحام المتحف المصري وسرقته.

 

* ذكرت وسائل الإعلام أن السلطات قد أوقفت حركة القطارات والأتوبيسات من المحافظات إلى القاهرة.

 

9- أول مليونية (2)

* نزهة خلوية

* سبقنا مسيرة المظاهرات إلى ميدان سيدي جابر وهناك وجدنا قليلاً من الناس في انتظار المتظاهرين، اخترنا مكانًا عاليًا يمكننا منه المشاهدة والتصوير، كان سورًا لنافورة مياه، وبدأنا نتعارف على مَن حولنا من رفاق الثورة: سيدة صغيرة السن حديثة الزواج خرجت تستكشف الأمر، أسرة مكونة من الأب والأم وأربعة أبناء متفاوتي الأعمار، طال انتظارهم فأخذوا يتبادلون "الساندويتشات" وسط نظرات ابنتي الضاحكة المتسائلة: هل نحن في نزهة خلوية أم في ثورة.... سيدة متوسطة السن تعبت من مشاهدة التليفزيون المصري الذي أقنع كبار السن في عائلتها أنه ليس بعد مبارك إلا الفوضى والخراب، فخرجت ثائرة للتعبير عن مشاعر الرفض والغضب من ذلك الإعلام الزائف الكاذب حتى النخاع.

 

* لحظة رعب:

وفجأة قفز أمامنا رجل مرعب المنظر بدت على وجهه سمات البلطجة، جرى نحونا وهو يحاول انتزاع حديدة من على الأرض وهو يصيح بصوت قبيح: "ماذا تفعلون هنا؟ ارحلوا فورًا وإلا، امشوا من هنا...." قامت ابنتي في خوف ولم أدر حقًّا ما الذي دفعني إلى جذبها بهدوء لتعاود الجلوس بجانبي، حقًّا لست أدري أبدًا السر الذي بث كل هذه الطمأنينة في قلبي رغم منظر ذلك الرجل المرعب، ربما تأثرت بجرعة الطمأنينة التي تناولتها من الحشود في ميدان مسجد القائد إبراهيم.

 

* لم يستطع البلطجي التقدم أكثر من ذلك فما إن قام شابان بمطاردته حتى اختفى فجأة كما قفز أمامنا فجأة، نظرت إليّ ابنتي بقلق وسألتني: "هل سيظهر البلطجية يا أمي؟" هززت رأسي نفيًا، وأنا لا أدري من أين جاءتني الثقة بذلك.

 

* واشتعل الميدان: 

 وبعد أكثر من ساعة بدأت الجماهير تتوافد من على اليمين والشمال، تدفقت المسيرات والمظاهرات العارمة لتملأ الميدان حتى إنه لم يعد فيه مكان لقدم، التهبت الحناجر بالهتافات تطالب النظام الفاسد بالرحيل- وعلى رأسه مبارك-، حلقت الأعلام، ارتفعت لافتات كتبها خطاط وأوراق يدوية الكتابة تحمل شعارات الرحيل، كان البعض يدور بصور كاريكاتورية تعكس خفة ظل الشعب المصري حتى في أحلك الظروف، وربما يعرض البعض عليك مقالات قصيرة معبرة لتقرأها في دقيقة، انطلقت الميكروفونات بالكلمات والأخبار والتهبت الحناجر بالأشعار والأناشيد الحماسية والهتافات.... بدا الأمر كوزارة إعلام متكاملة أبدعتها أيدي الثوار وألسنتهم.

 

* أما أكثر ما لفت انتباهي هو ذلك التنوع العجيب والمتناقض أحيانًا في شخص الحضور: شيوخ وشباب، نساء ورجال، شرائح اجتماعية مختلفة.... منهم من نزل من سيارته الفارهة ومنهم من ارتدى حذاءً ممزقًا، ولا غضاضة ولا فارق فالكل في الميدان سواسية لا يجمعهم سوى المحبة والتعاون على هدف واحد، وهو إسقاط الطغاة.

 

* ما أكرم بائع الفول الذي كان يدفع عربة خشبية وهو يوزع ساندويتشات الفول مجانًا على الثوار.

 

* ويدهشك:

* ويدهشك أنك تقف بجانب شباب ينفثون دخان السجائر، تدفع الدخان بكلتا يديك وأنت تسعل وتحاول الابتعاد فتصطدم بامرأة مختمرة بجانبها منتقبة ورجل ملتحٍ، شباب يرتدون في أعناقهم السلاسل، وآخرون يصطفون للصلاة في خشوع، فتاة تخرج غطاء تضعه فوق رأسها لتصلي ثم تنزعه لتطلق شعرها مرة ثانية وبجانبها صديقات محجبات، أساتذة جامعات بجانب باعة جائلين.

 

* أخذت ألوح بلافتة يدوية كتب عليها منذ لحظات: "انتهت صلاحية مبارك".

 

* كنت أرى وجوهًا أعرفها ولا نستطيع التقارب وسط كل هذا الزحام، فألوح لهم بلافتتي ونتبادل الاحترام والابتسام، ما أروع ذلك المنظر... لقد استيقظ شعب مصر بعد نومه الطويل، ونزل إلى الشارع بجميع طوائفه، وأجمع على إسقاط النظام.

 

* وفجأة:

وفجأة صرخ شاب: "لقد أعلن مبارك اعتزاله"... خر البعض ساجدين.

نظرت إلى ابنتي تلمع عينيها، قلت لها: "لا تنخدعي، ليس الأمر بهذه السهولة إنها شائعات أطلقوها كي يصرفونا عن الميدان وينفض الجمع".

 

وفعلاً ثبت ما توقعته فقد كان الأمر مجرد شائعة.

 

حل الظلام ولم نتعب بل شعرنا وكأن موجات من الطاقة تتدفق داخلنا وتمنحنا قوة خارقة، صلينا المغرب في جماعات وليس جماعة واحدة؛ لأن العدد كان أكبر بكثير من أي جماعة ومن أن يسمعوا صوت إمام واحد- وسمعت بعدها شائعة خبيثة تفتري على المتظاهرين كذبًا وتدعي كذبًا انقسامهم، حتى إنهم لا يستطيعون الصلاة في جماعة واحدة، وكان الافتراء يرتكز أكثر على جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث ادعوا أنهم يرفضون الصلاة خلف إمام من خارجهم.

 


ما أجمل هذا الدعاء من ذلك الصوت الخاشع الذي انطلق يبدد الظلمات: "اللهم أمنّا اللهم أمنّا في وطننا اللهم أمنّا" كان يدعو بأن يُنزل الله تعالى الطمأنينة والسكينة والشعور بالأمان على قلوبنا، ما أسرع استجابتك يا مجيب يا الله، ما أجمل أن تشعر أن لك رب تدعوه فيستجيب.

 

* انتهي وقت التظاهرة وبدأ الجميع يستعدون للرحيل، نظرت إلى زوجي الذي كان قد انضم إلينا منذ وقت وسألته قائلة: "كيف سنعود إلى البيت؟ لقد بدأت ساعات حظر التجوال وليس معك سيارتك وقد توقفت كل وسائل المواصلات.. لا ترام ولا تاكسي ولا أتوبيس ولا ميكروباص ولا أي شيء".