ينخرط في منظومة التعليم في مصر أكثر من 23 مليونًا من الأطفال والتلاميذ والطلاب (إجمالي تعداد السكان في مصر قرابة 81.5 مليون نسمة في نهاية 2011)؛ حيث يقضون قرابة العشرين عامًا في مشوار التعليم من رياض الأطفال حتى التخرج من الجامعة، وبهذا يكون التعليم أخطر قضايا المجتمع؛ حيث يقوم على إعداد الأجيال المتعاقبة وتكوينها لحمل أمانة المسئولية في البلاد والقيام على مشروع النهضة، والتربية قرينة التعليم؛ حيث يتم إعداد وتكوين الإنسان المتوازن في تكوينه الروحي والعقلي والبدني من خلال هوية وثقافة ولغة الأمة.

 

وينتظر من التربية والتعليم أن تخرج أجيالاً ذات عقيدة صحيحة وعبادة سليمة وخلق عظيم ومعاملات منضبطة بالشرع. وبهذا تتضح خطورة قضية التربية والتعليم وأهميتها والأهمية القصوى للإصلاح والتطوير، وكما يقال دائمًا إن التعليم قاطرة التنمية، وإنه أساس مشروع نهضة الأمة وتقدمها.

 

وينخرط في التعليم قبل الجامعي، والأحرى قبل العالي، قرابة عشرين مليونًا من أبناء مصر: رياض أطفال، تعليم أساسي (ابتدائي وإعدادي)، تعليم ثانوي (عام وفني)، وتعليم أزهري بمراحله، والتعليم الأساسي قاعدة النظام التعليمي وأكثر مراحله تأثيرًا في بناء الإنسان؛ حيث يتم فيه تكون اللبنة الأساسية لشخصية المتعلم وترسيخ القيم والمبادئ والأخلاق المرجوّة، والتعليم الثانوي استكمال لتحقيق غايات المرحلة.

 

واقع التعليم:

يبلغ عدد الملتحقين بمراحل التعليم قبل العالي 2010/2011 كالآتي: رياض أطفال 851139، والابتدائي 9608348، والإعدادي (عام ومهني) 4153142، ثانوي (عام وفني) 2868651، بعدد إجمالي 17489280 تلميذًا؛ وذلك بالإضافة إلى قرابة مليونين في التعليم الأزهري، وهؤلاء التلاميذ في مدارس اليوم الكامل، ومدارس فترة صباحية، ومدارس فترة مسائية، ومدارس فترتين.

 

ويبلغ متوسط كثافة الفصول: 35 لما قبل الابتدائي، و43 للابتدائي، و41 للإعدادي، و37 للثانوي، وهذه أرقام صادرة عن وزارة التربية والتعليم ونحسب أنها تعرضت لعملية تجميل؛ حيث توجد مدارس كثيرة في بعض المحافظات مثل محافظة الجيزة يبلغ كثافة الفصول في بعض مدارسها أكثر من 100 تلميذ، يليها 6 أكتوبر والإسكندرية.

 

وقد بلغت ميزانية التربية والتعليم 2010/2011 36. 5 مليارات جنيه منها 85% حوافز ومكافآت ومرتبات، وذلك بالرغم من النقص الشديد في عدد المدارس المتكاملة (عدد الفصول) والعجز الشديد في المعلمين، وبخاصةٍ  المؤهَّلون منهم. وتبلغ الميزانية في العام 2011/2012 قرابة 40 مليار جنيه منها 85% مرتبات ومكافآت وحوافز، ويبلغ نصيب التلميذ (18 مليونًا) من ميزانية 2010/2011 قرابة 2000 جنيه مصري.

 

ومن السلبيات الجسيمة التي ساعدت على تردي أحوال التربية والتعليم:

1- تعامل الدولة مع القضية تعامل شكلي ضعيف المضمون.

 

2- الميزانية الضعيفة المرصودة للتعليم تلتهمها المرتبات الهزيلة للمعلمين (ما يصرف على التعليم قرابة 5 .3% من إجمالي الناتج المحلي وقرابة 11% من الإنفاق الحكومي والذي هو دون المطلوب بكثير).

 

3- ضعف الثقة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع، وتردي دور المدرسة مما زاد من حدة مشكلة الدروس الخصوصية وأنعش روافد الأمية.

 

4- تعامل وسائل الإعلام مع المعلم بطريقة أضعفت وضعة الأدبي والاجتماعي.

 

5- عدم استقرار السياسة التعليمية وعدم أخذ إستراتيجيات الإصلاح بجدية.

 

ولقد أصاب مكونات العملية التعليمية التخلف والقصور والأذى: فالمعلم: يعاني من ضعف وضعه الأدبي والاجتماعي والمالي، والتأهيل المهني غير الفعال، والمتعلم: فاقد لحقوق الإنسان ولا يتمتع بأي ديمقراطية في التعليم، لا يجد المعلم الذي يفجر طاقاته ولا المنهج الذي يصقل مواهبه وينمي قدراته، ويعاني من سلبيات كثافة الفصول المرتفعة، والدروس الخصوصية التي تهتم بالحفظ ونمط إجابة تقليدي لا يفعِّل العقل، والمنهج: الذي يحتاج إلى إصلاح وتطوير بما يحقق أهداف المرحلة والخصائص المطلوبة في المتعلم، الإدارة المدرسية: دون المستوى المطلوب وتفتقد إلى الوعي بأهداف المراحل التعليمية والخصائص المطلوب تحقيقها في المتعلم. المباني والإمكانات: دون المطلوب ولا تناسب أسباب العصر، ناهيك عن مدارس بلا أسوار وبلا دورات مياه وبلا كهرباء.

 

فجميع عناصر العملية التربوية التعليمية أصابها الضعف والوهن والصدأ والتخلف عن أسباب العصر.

 

السياسات العامة المقترحة للإصلاح والتطوير:

عندما تضع الدولة سياسات عامة للإصلاح والتطوير، والتي تتحول بعد ذلك إلى إستراتيجيات ينبثق منها خطط وبرامج لها جدول زمني للتنفيذ، كل ذلك يجب ألا يتأثر بتغيير الوزراء والحكام (تحقيق مقومات الاستقرار النسبي في السياسة التعليمية).

 

ونقول في البداية إنه يجب أن يكون هناك تعاون وثيق وتكامل بين وزارة التربية والتعليم والهيئة العامة لضمان جودة التعليم والاعتماد، والاستفادة من الجهود المبذولة في مجال إصلاح وتطوير التعليم، ونقول أيضًا إن إصلاح وتطوير التعليم مسئولية الدولة والحكومة بمؤسساتها المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني وأولياء الأمور.

 

ومن السياسات العامة المقترحة:

1- العمل على مشاركة المجتمع ورجال الأعمال في سد فجوة التمويل والعودة إلى نظام الوقف للإسهام في تمويل التعليم.

 

2- الربط بين التعليم وخطط الدولة للتنمية.

 

3- رياض الأطفال جزء لا يتجزأ من المنظومة التعليمية؛ ولذا يجب وضع خطة زمنية لاستيعاب جميع أطفال هذه المرحلة (نسبة الاستيعاب الحالية حوالي 16%)، وضع البرامج المناسبة لخصائص هذه المرحلة، التوسع في كليات رياض الأطفال، مع الإعداد الجيد لمعلمات هذه المرحلة.

 

4- تطوير وتحديث المناهج والأنشطة بما يناسب العصر، وبما ينمي القدرات والمواهب ويحقق أهداف المرحلة والخصائص المطلوبة في المتعلم، مع التزود بالمهارات المطلوبة للنجاح في سوق العمل.

 

5- تجديد محتوى المناهج الدراسية وطرق التدريس للإسهام في تأكيد أهمية وفاعلية دور المواطن في المجتمع مع تطوير التفكير النقدي وتنمية المهارات، وزيادة مساحة التعلم، مع انحسار مساحة التعليم والتلقين والحفظ.

 

6- إعطاء اللغة العربية اهتمامًا خاصًّا مع ضرورة تطوير طرق تدريسها في كل المراحل العمرية؛ بحيث تحقق للمتعلم تعليمًا متميزًا وتساعده على الإبداع والابتكار، وإفرادها في التعليم حتى نهاية مرحلة التعليم الأساسي مع بدء تعلم لغات أجنبية بعد هذه المرحلة.

 

7-الارتقاء بالمعلم أدبيًّا وماليًّا واجتماعيًّا وإعداده للتدريب المستمر وتأهيله تربويًّا ومهنيًّا بما يحقق جودة وتميز العملية التعليمية والارتقاء بالأداء المدرسي، مع سد النقص في المعلمين بالعناصر المؤهلة والمدربة.

 

8- دعم كليات التربية وتطوير برامجها لتخريج المعلم القادر على أداء رسالته في المراحل التعليمية المختلفة.

 

9- الإعداد والتدريب والتأهيل التربوي والإداري والفني للإدارة المدرسية والإدارة التعليمية، والاختيار وفق الكفاءة، ومعالجة اللوائح المنظمة تحقيقًا للتيسير الإداري.

 

10- وضع نظام جديد مستقر للثانوية العامة دون سلبيات النظام الحالي.

 

11- زيادة نسبة إنفاق الدولة على التعليم لتصل بالتدريج إلى المعدلات العالمية (قرابة 8% من إجمالي الناتج المحلي من 20 إلى 25% من الإنفاق الحكومي) بما يتيح خفض كثافة الفصول إلى 30 تلميذًا.

 

12- التكامل بين وزارة التربية والتعليم والهيئة العامة لضمان جودة التعليم والاعتماد؛ سعيًا لإصلاح التعليم وتطويره.

 

13- وضع خطة قومية بجدول زمني محدد لمحو الأمية بتعاون الهيئات والجهات ذات الصلة مع متابعة صارمة للتنفيذ، والعمل على تجفيف منابعها، ومنها مشكلة التسرب.

 

14- الحد من مشكلة الدروس الخصوصية من خلال إعادة الثقة بين المؤسسات التعليمية من جهة والمجتمع وأولياء الأمور من جهة أخرى.

 

15- مراجعة خطط ومناهج التعليم الأزهري والارتقاء به وتحسين جودته، وربطه باحتياجات الدولة والعالمين العربي والإسلامي من دعاة وعلماء وهيئة تدريس.

 

16- الارتقاء بدور الفتاة في المجتمع من خلال برامج دراسية إضافية متميزة.

 

17- مراجعة جذرية وإعادة نظر شاملة في التعليم الفني وربطه باحتياجات الصناعة والمرافق والخدمات، مع ربطه بسوق العمل واحتياجاته من العمالة الماهرة.

 

18- دراسة تطبيق نظام المدرسة الإعدادية والثانوية الشاملة بمقومات نجاحه، والذي يجمع بين التعليم العام والتعليم الفني.

 

19- توفير الرعاية التعليمية لذوي الاحتياجات الخاصة (الموهوبين والمعوقين) وتشجيع الإبداع والابتكار في جميع المجالات.

 

20- تكامل مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية والإعلامية فيما يخص مقومات إصلاح التعليم وتطويره.

 

21- توفير مقومات النجاح لنظام اللامركزية وتحقيق شروطها من خلال عناصر مؤهلة جادة مخلصة واعية تسعى لتفعيل المشاركة المجتمعية وتميز العملية التعليمية.

 

22- إعادة النظر في انتشار التعليم بغير العربية؛ حفاظًا على الهوية والثقافة واللغة، ووضع الضوابط الصارمة للمدارس الأجنبية ومدارس اللغات والمدارس التجريبية بشأن الاهتمام الفائق باللغة العربية والتعليم بالعربية.

 

23- استخدام فضل الوقت والجهد والمال في المجتمع لسد الثغرات والنقص في المؤسسات التعليمية بضوابطها لحين توفير الإمكانات المطلوبة.

 

وهذه السياسات العامة المقترحة تتحول إلى إستراتيجيات تنبثق منها خطط عمل وبرامج تنفيذية بجدول زمني محدد والإصلاح المنشود للتعليم الذي هو أساس مشروع النهضة يتم بتكاتف الجميع: الدولة والحكومة بمؤسساتهما ومؤسسات المجتمع المدني وأولياء الأمور.