قفز إلى ذهني سؤال عجيب وأنا أستمع إلى بعض المتحدثين باسم الثورة في الإعلام، وهو: كيف كان سدنة المعابد الوثنية يصنعون الأصنام؟ وهل كانت أدواتهم تقتصر على الحجارة والأخشاب وأدوات تشكيلها؟ ألم تكن لهم أدوات أخرى ساعدتهم في تحويل مصنوعاتهم الخشبية والحجرية إلى آلهة مزعومة؟ وإذا كانت صناعة الأصنام الخشبية والحجرية قد ماتت فهل ماتت تلك الأساليب التي مكَّنت كهَّان الأصنام من إقناع الناس بتعطيل عقولهم وتصديق الأوهام؟!

 

للعجب فإن بعض تأمل لما يقال هذه الأيام في الإعلام يشعرني بأن تلك الأساليب الوثنية لم تمت! وأنها تستعمل وبنفس الطريقة التي استعملها بها الكهان قديمًا! ماذا كان الكهان يفعلون حتى يحوِّلوا مصنوعاتهم إلى معبودات؟!

 

هناك ثلاث مراحل: تبدأ المرحلة الأولى بإضفاء شرعية مقبولة ومستندة إلى أعراف لا خلاف عليها لتلك التماثيل: هذه تماثيل لأفراد صالحين، ومن يعترض على تكريم الصالحين؟! ومن يرفض تذكير الناس بهم نموذجًا للمبادئ التي عرفوا بها؟ ثم إنهم أي هؤلاء الصالحين قد ماتوا، ومن يستطيع أن يقاوم التعاطف مع موتى فضلاء، ربما سموهم بشهداء الفضيلة والحق!، وهنا يأتي دور اللغة على الألسنة، التي تكثر من ذكر فضائل هؤلاء الموتى التي تمثلهم التماثيل، وهكذا بدأ المتحدثون عن الثورة مرحلتهم الأولى.. إنه حديث حق عن فضائل حقيقية لهؤلاء الثوار لا يستطيع أحد إنكارها.

 

وهناك أيضًا الجانب العاطفي الجارف؛ فمن الذي لا يستجيب لعاطفة الحزن على الشهداء والغضب لهم والتأثر بقصصهم؟ ولكن صناع الأصنام قديمًا وحديثًا لم يقفوا عند هذه المرحلة، وإلا لما كانوا دجَّالين، ولكنهم انتقلوا إلى مرحلة أخرى، إنها مرحلة الاستدراج.. مرحلة يسعى فيها الكهان إلى طمس الحقيقة التي استندوا إليها في المرحلة السابقة، وذلك لتبدأ صناعة الوهم! تغيب شخصيات الصالحين الحقيقيين، وتبقى التماثيل، وهنا أيضًا تلعب اللغة دورها، فالحديث لا بد أنه كان ينصبُّ على هذه التماثيل، وبالتأكيد كانت تلصق بها الصفات العظيمة التي كانت في الأصل للصالحين، فينتقل الاحترام والتعاطف والتقدير إلى تلك التماثيل انتقالاً لا شعوريًّا بعيدًا عن أحكام العقل، وهذه مرحلة خطيرة في عمر صناعة الوهم، لا بد فيها من الحذر كل الحذر، والخطر الحقيقي هو في من سيحاول تذكير الناس بالحقيقة التي لا بد أن تنسى، من سيحاول تذكيرهم بأنها مجرد تماثيل للتذكير بالصالحين لا بد أنه كان عدوًّا أخطر ما سيواجه الكهَّان هو من سيحاول إيقاظ العقول وتذكيرهم بأن هذه مجرد رموز؛ فهل مرَّ صناع الأوهام حديثًا بهذه المرحلة مرحلة التحول والاستدراج؟!

 

لاحظوا التحولات التي مر بها الخطاب الإعلامي في الأشهر السابقة: ولنأخذ مثلاً كيف صُنعت رموز وبدأ إخفاء مدلولاتها الحقيقية وتحويلها إلى أوهام؟ انظروا إلى كلمات الثورة وميدان التحرير والثوار.. ألم يبدأ تحويلها إلى مقدسات؟ انظروا إلى عبارات مثل: الشرعية من التحرير، الميدان فوق البرلمان، انظروا كيف يتحاشى المتحدثون توجيه أي لوم إلى "الثوار" وإذا حدث فالمقصود "الثوار المزيفون"، أما الثوار الحقيقيون فهم فوق اللوم، والخطر كل الخطر في أعداء "الثورة"؛ الذين يريدون أن يحلُّوا البرلمان محل الميدان، وهؤلاء لا بد أن يتحدثوا بكل الحذر عن هذه المسألة؛ ليقولوا أن البرلمان لن يحل محل "الميدان" فهما يد واحدة!!!!.

 

أصبح الميدان رمزًا مقدسًا صنمًا لا يجرؤ أحد على تعرية حقيقته، ولا يستطيع متحدث أن يذكر الناس بأنه مجرد مكان، ليس له شرعية، وأنه لا يضفي بالتالي أي شرعية على من يحلون فيه.

 

إن نفي شرعية الميدان جريمة تماثل بالضبط الطعن في تماثيل الكهان!!! وها هي اللغة تلعب دورها في تدعيم تلك الشرعية؛ وصناعة الوهم! تدور الكلمات والجمل على الألسنة، تكثر عبارات تضفي الشرعية والقداسة على الثورة والثوار والميدان، ويتم التلاعب باللغة بشكل لا يقف أمامه العقل، أو لا يسمح للعقل بأن يناقشه؛ مثلاً تأملوا قول القائل: عداؤنا للمجلس العسكري لا يعني عداءنا للجيش، وقولهم: هؤلاء ليسوا هم الثوار الحقيقيين! وليس مسموحًا للعقول بالتفكير: كيف يتم الفصل بين القادة والجنود، رغم أن الجيش لا يسمى جيشًا إلا بتلاحم القادة والجنود، وليس مسموحًا للعقل كذلك التساؤل: من هم الثوار الحقيقيون حتى نستثني منهم طائفة ما؟ العقل هنا عدو ينبغي أن يحارب بكل قوة!! وبالتأكيد فقد نجح الكهان قديمًا في محاربة هذا الخطر، ومن ثم انتقلوا إلى المرحلة التالية.. مرحلة التأليه!.

 

في هذه المرحلة تُبنى هالة مقدسة حول هذه التماثيل، عمادها الغموض والخوف من المجهول، وهو خوف يقتضي من الآخرين الناس العاديين أن يحاولوا استرضاء هذه الكائنات المقدسة، ولكن كيف؟ من سيعرف ماذا تريد؟ إنهم الكهان! يتحدثون باسم الأصنام التي صنعوها، صنعوها في نفوس الناس وليس في معابدهم فقط، ولا بد من الناس أن يستجيبوا وإلا نزلت عليهم اللعنات، والخوف كل الخوف أن نكون نحن أيضًا قد وصلنا إلى هذه المرحلة.. الآن هناك غموض يكتنف كل شيء.. مخاوف حقيقية تنتاب الناس؛ إلى أين تتجه البلاد؟ ماذا يمكن أن يحدث في الميدان؟ هل سيسمح الميدان للبرلمان بأن يتحدث باسم الشعب؟!!! أم سيظل الميدان ثائرًا وإلى أين ستنتهي بنا تلك الثورة؟ لا بد أن نستجيب لمطالب الميدان! ولكن ما هي مطالب الميدان؟ هنا يظهر الكهان متحدثين باسم الميدان!!! يخبرون الناس بما يرضي الميدان، وعلى الجميع أن يستمع إلى مطالب الميدان وإلا حلَّت اللعنات وانهار البنيان!!.

 

الإخوان في الميدان والبرلمان.. ما زال التيار الليبرالي المصري- العلماني سابقًا- بجناحيه القديم والجديد، يتفنن في صناعة الاشتباكات والأزمات الوهمية والمصطنعة مع أكبر فصيل سياسي وشعبي: الإخوان، تارةً لعدم نزول الإخوان إلى ميدان التحرير، وأخرى لنزول الإخوان لميدان التحرير، حالة من التردد والارتباك تهيمن على المشهد المصري في مربعه العلماني الذي ما زال لم يتخلص بعد من ثقافة العهد البائد، ثقافة الإقصاء والاستحواذ وفرض الوصاية والاختزال، بل والتحريض.

 

الإخوان فصيل قديم وكبير يحدد لنفسه وفقًا لآليات اتخاذ القرار في مؤسساته ماذا يفعل ومتى وكيف، وهذا حقه وشأنه شأن كل الكيانات والأحزاب والمؤسسات.. الإخوان في الميدان؛ قيامًا بالواجب الشرعي والمسئولية الوطنية.. الإخوان في الميدان من ظهر الثلاثاء 24 من يناير وباقون حتى صباح السبت؛ احتفالاً بالثورة ومطالبة بتحقيق ما لم يتحقق بعد، يؤمِّنون الميدان ويشاركون الجميع الذين رحَّبوا بهم والذين انقلبوا عليهم.. الإخوان في الميدان حتى لا تتكرر الكوارث المصطنعة والمدبرة من هنا وهناك، كوارث ماسبيرو والبالون ومحمد محمود ومجلس الوزراء.. الإخوان في الميدان رغم ما يعانون من هجوم عنيف استخدمت فيه أساليب غير ديمقراطية وغير إنسانية، ممارسات غير سلمية وألفاظ غير أخلاقية واتهامات غير وطنية استوعبها الإخوان تفهمًا لطبيعة المرحلة؛ منعًا للاشتباك وتفويت الفرص على بقايا النظام "وهم كثر"، وتمهيدًا للطريق أمام عجلة الثورة التي يجب ألا تتوقف.

 

هذا في الميدان ، وفي الإعلام ما زال الغبار الكثيف وغير المهني من التشويه والتضليل والتحريض على غرار "لا مكان للإخوان المسلمين في جمعة الغضب بميدان التحرير" (راجع الموقع الإلكتروني لصحيفة "ميدل إيست أون لاين)، و"الإخوان في البرلمان.. بتفويض شعبي رائع وثقة مصرية كريمة، حين قال المصريون نعم للإخوان، نعم للحرية والعدالة، قد تكون نسب النجاح والاستحقاق أربكت البعض لكنها صناديق الاقتراع لا صناديق الذخيرة..

 

الإخوان في البرلمان يؤسسون لممارسات ديمقراطية غير مسبوقة، في التوافق والتفاهم ووحدة الصف ولمّ الشمل رغم ممارسات الابتزاز والسطو الإعلامي وتصفية الحسابات التي أيضًا يتفهَّمها الإخوان ويملكون مهارات عالية في الاستيعاب والهضم والتجاوز، الإخوان شأن كل المصريين في الميدان دعمًا لشجرة الثورة الطيبة، وفي البرلمان نتاجًا لثمراتها الناضجة.

 

------------

* محمد السروجي- مدير مركز النهضة للتدريب والتنمية.