آه يا بلدنا
- الأربعاء 2 فبراير:
قبل أن تفتح باب المنزل أطلقت ابنتي الصغرى ضحى زفرة قلق، أخذت أربت على كتفها وأنا أتلو عليها هي وأختها آيات الحفظ وأدعية التوكل على الله، لقد جاء دورها اليوم فقد رغبت في النزول معنا إلى المظاهرات بعدما سمعت من أختها حكاياتها عن مليونية الأمس.
لكن القلق كان يساورها فهمست لها: "حسنًا ستشعرين بفارق كبير في شعورك حين نعود مساء بإذن الله".
- وجوه إجرامية تعترضنا:
لكننا حين وصلنا إلى ساحة مسجد القائد إبراهيم فوجئنا بوجوه غير الوجوه، وجوه إجرامية تعترض طريقنا، كانوا يحملون صورًا لمبارك ويهتفون له ويباركون حكمه، وقفنا أمام بائع الأعلام اشتريت علمين وأنا أشعر بالذهول، وأحاول إيجاد تفسير للموقف، أين وجوه الثوار؟، لم قلّت أعداد المتظاهرين؟ أنا لا أفهم شيئًا، ماذا يحدث؟؟!!.
وبينما غرقت في أفكاري فوجئت بأحد الوجوه الإجرامية يحدق فينا بحدة، بدا وجهه مخيفًا، اقترب منا متحفزًّا وقد انتظر منا تعليقًا عن صورة مبارك التي يحملها ليبدأ شيئًا ما دبره، ابتعدنا بسرعة لتفاجئنا سيدة ترتدي السواد، تطوف حول المسجد وهي تصرخ: "حرام عليكم.. اتركوه، أبونا، مالناش غيره، آسفين يا ريس"، كانت تنتظر أن يحتك بها أحدهم ليبدأ شيء ما، وقد كان، فقد ظهر شاب أراد أن يوقفها علا صوته معترضًا فوقفت وقد همت بشيء ما، التفت مجموعة من الشباب حوله وهم يقومون بجذبه بعيدًا عنها وقد علا صوتها أكثر وأكثر.
شعرت بالخوف: "أين ذهب المتظاهرون؟ هل تمَّ القبض عليهم؟ هل تقاعسوا؟ هل انتهي كل شيء؟".
- المؤامرة:
أمسكت بيدي بناتي وأخذنا ندور حول المسجد.. تنفسنا الصعداء حين وجدناهم- رفاق الأمس–، لم يكن شرطًا أن تكون نفس الوجوه لكن المهم أنها كانت نفس الراحة التي شعرنا بها حين رأيناهم وسمعنا هتافاتهم: "ارحل، ارحل".
وبدأت أبعاد المؤامرة تتضح، ثلة صغيرة من المأجورين يحملون صور الرئيس مبارك ويهتفون بحياته وهم يقفون أمام الكاميرات التي كانت تلتقط صورهم وفي خلفيتها تبدو من بعيد صورة المتظاهرين الحقيقيين الشرفاء، لكن الكاميرات كانت تبرزهم وكأنهم باقي من يهتف لمبارك.
صاح أحدهم فجأة: "هيا نرحل في مسيرة إلى ميدان سيدي جابر.. الدكتور حسن البرنس يطلب منا الرحيل"، في البداية رفضت أن أتحرك وظننت أنها خدعة ليستولي أنصار مبارك على المكان للإيحاء بأن الموقف قد أصبح في صالحه.
لكن بعد قليل تبين أن الدعاة للرحيل إلى سيدي جابر هم المتظاهرون.. وقد كان موقفًا ذكيًّا منهم؛ حيث بدا أن أنصار مبارك كانوا يحاولون جر المتظاهرين إلى شجار ومنه إلى حدث ما ربما كان شيئًا مشابهًا لموقعة الجمل بالقاهرة، ربما، لكن الله سلم على أية حال.
بدأنا نرحل خلف رجل حملته أكتاف أحد المتظاهرين وهو يهتف بقوة، نظرت خلفي فضحكت، فبعد رحيل المتظاهرين لم يتبق سوى عشرات قلائل من أنصار مبارك الذين اتضح من مظهرهم أنهم إما مخبرو شرطة أو بلطجية.
- صوت الآه المفزع:
وفجأة صاح أحد المتظاهرين بصوت ملتاع: "آااه"، التفتُ أنا وبناتي نحو مصدر الصوت بفزع، هل بدءوا يضربون المتظاهرين؟، استمر مصدر الصوت يصيح في ألم: "آااه" "آااه يا بلدنا يا وسية يا تكية سرقوكي الحرامية".. ابتسمت وأنا أتنفس الصعداء، لقد كان أحد الشباب يهتف هتافًا اشتهر وتكرر كثيرًا بنفس طريقة الألم الصادق فيما بعد.
ضحكت ابنتي الصغرى وأخذت تلوح بالعلم وهي تهتف بحنجرة قوية وقد تاه صوتها وسط الجمع الهادر.
- مشاهد وأحداث:
* وتنوعت ردود أفعال المطلين علينا من بيوتهم.. فبينما سكب أحدهم دلوًا من المياه الباردة من شرفته على الشباب قبل أن يفر إلى الداخل أطل عجوز- أحنى ظهره الدهر- وهو يلوح لنا بحماس بمنديل أبيض ويبتسم في سعادة بالغة ويصفق في حماس وفتوة.
* توقفت السيارات على جانبي الطريق وهي تفسح الطريق أمام المسيرة.. فوجئت بسيدة صغيرة أعرفها تركب سيارتها بجانب زوجها فأخذتُ ألوح لها بشدة وأنا أتمنى أن تفهم رسالتي: أن شاركينا.. ابتسمت وحيتني فقرأت في عينيها دهشة وخوف وسعادة في آن واحد.
* أصابنا الألم ونحن نشاهد قسم باب شرق محترقًا وتذكرت تلك اللقطات التليفزيونية في قناة (الجزيرة) التي كان يستعرض فيها أحد العالمين بسوء حالة ذلك القسم لحجراته وتعذيبه للمحتجزين فيه.
* انطلق المراسلون والمصورون يسجلون الأحداث بعضهم كان من جريدة (الشروق) وبعضهم كان من قناة الـ(CNN).
* انطلقت الممرضات والمرضى معهن يلوحون لنا من أعلى سطح مستشفى الطلبة، فلوحنا لهم شاكرين لهم شجاعتهم وتشجيعهم.
* ضحكنا حين طالعنا كتابات ثورية على الجدران، رسم أحدهم صورًا لصفحة (الفيس بوك) على النت وكتب تحتها (قفلوا علينا الفيس بوك.. فكتبنا على الحيط بوك).
ابتسمت لابنتي الصغرى التي رحل عنها الخوف نهائيًّا هي الأخرى، وأنا أقول: "هنيئًا لنا فنحن الآن نغير التاريخ".
"البنات نزلن من التاكسي.. حول"
- الأربعاء 2 فبراير 2011م السابعة مساء
* بعض الخوف والكثير من الشجاعة:
انتهت التظاهرة ووقفنا في حيرة من أمرنا فقد كان الشارع خاليًا من جميع وسائل المواصلات، وقفنا كثيرًا على أقدامنا وسط إلحاح ابنتي هاجر أن نعود سيرًا على الأقدام، رفضت لأننا نحتاج إلى أكثر من ساعة ونصف من السير كي نعود إلى البيت اضطررت إلى إيقاف التاكسي الوحيد الذي وقف لنا ليقلني وبناتي إلى البيت، وكنا قد قرأنا آية الكرسي والصمدية والمعوذتين وكل ما نعرفه من أدعية الحفظ قبل ركوب التاكسي، بعدما سمعنا أن البلطجية يقومون بسرقة سيارات الأجرة ويسرقون المارة أو يقومون بخطفهم، وكل ذلك بسبب حظر التجوال الذي جعل الأماكن بعيدًا عن التظاهرات موحشة ومظلمة، كان شعورًا غريبًا ذلك الذي اعترانا فقد امتزج فيه الترقب ببعض الخوف والكثير من الثقة بالله والتوكل عليه، والكثير الكثير من الشجاعة التي أفاضها علينا وجودنا في التظاهرات، ركبنا التاكسي الذي انحرف بنا إلى طريق الكورنيش (البحر) الذي خلا تمامًا من المارة والسيارات، وقد بدت الآفاق مظلمة وصار الطريق الذي كان يعج بالسيارات منذ أسابيع موحشًا، أخذنا نتأمل في السائق ورفيقه في ريبة ثم اطمأنت قلوبنا حينما بدآ يتناقشان في الأحداث، فبينما كان السائق يستنكر الثورة التي أثرت على قوت يومه كان رفيقه يدافع عن المكاسب التي ستتحقق بعد زوال الظلم.
- متاريس على الطريق:
استمر المسير على الكورنيش حتى قابلنا شارع فرعي أراد السائق الدخول منه فإذا بشباب اللجان الشعبية يعترضون طريقه فجأة بالمتاريس، طلبوا من الجميع بطاقاتهم الشخصية وأمروا السائق بفتح الباب الخلفي للسيارة لتفتيشه، تذمر السائق رافضًا وهم بالخروج من التاكسي لمواجهة الشباب، قمت بتهدئته وأنا أحثه على ضرورة التعاون مع أفراد اللجان الشعبية؛ لأن كل ذلك يصب في مصلحتنا، وأنا أوضح له أن هؤلاء الأبطال لا ينامون بسبب البلطجية الذين يروعون الأبرياء ويعتدون عليهم، وأن أَجْمَل ما يمكن أن نراه الآن من هؤلاء الشباب الرائع هو شعورهم بالمسئولية.
ثم أبرزت بطاقة هويتي للشباب.
وفجأة سمعنا فرامل سيارة مرت بجانبنا بسرعة ثم اضطر صاحبها للتوقف أمام المتاريس نزل منها شاب أخذ يتشاجر مع الشباب وإذا به يقود سيارة بدون أرقام وليس معه بطاقة هوية ولا رخصة للقيادة.. قام الشباب بإلقاء القبض عليه.
بعدما رأى سائق التاكسي هذا المشهد اضطر إلى إبراز بطاقة هويته بوداعة وصار في منتهى الهدوء، ثم قام بفتح باب سيارته الخلفي بسكينة ليقوم الشباب بتفتيشها.
وما كدنا نسير لمسافة ثلاثة أمتار حتى وجدنا متاريسًا أخرى.. وقبل أن يصيح السائق متذمرًا أبرزت لشباب اللجنة الشعبية بطاقتي وأخبرتهم أني أسكن في هذا الشارع، وأن السائق قد تكرم بتوصيلي.. بعد أن تأكد الشباب من العنوان في البطاقة انطلقنا، وعند نزولنا بعد ثلاثة أمتار أخرى أمام أحد المتاريس سمعت شابًّا يمسك بهاتفه المحمول ويرد على رفيقه في أول الشارع قائلاً:
" نعم البنات نزلن من التاكسي، حول".
هو الله العظيم القادر
- السبت 29 يناير 2011:
ما الذي يحدث لنا؟
اتصلت بي شقيقتي وهي تشعر بالإحباط والخوف، قالت: "ما الذي يحدث لنا؟.، كل هؤلاء القتلى، كل هذا الترويع للشباب في ميدان التحرير وميدان القائد إبراهيم وميادين البلد، كل هذا الترويع لنا في بيوتنا، ما ذنب الصغار وهم يروعون بهؤلاء البلطجية ورجال الشرطة يطلقون النار بل الرشاشات تحت بيوتنا، وهؤلاء الذين يسرقون الناس تحت تهديد السيوف والجنازير، والترويع بإطلاق الداخلية للمساجين من السجون، أسمعت عن اللواء محمد البطران رئيس مباحث سجن الفيوم الذي تم اغتياله؟ هل كان من الشرفاء الذين رفضوا إطلاق المساجين فنال عقابه؟ ما ذنب الشباب وهم يتعرضون للخطر، حتى من لم يشارك في المظاهرات يتعرض للعقاب بأيدي بلطجية الشرطة، يريدوننا أن نركع، يريدوننا أن نقف ضد المتظاهرين ونطلب منهم التوقف كي يعود إلينا الأمان".
- رشاشات تحت بيتنا:
قلت لها: "هذا من غباء الأمن حين دبر تلك الحيلة الخائبة للضغط على الآمنين في بيوتهم، لقد شعرت ابنتي الصغرى بالخوف من طلقات النار تحت بيتنا، إنها تتساءل الآن إن كانوا سيطلقون علينا قنبلة مثل قنبلة هيروشيما.. فأخذت أهدئ من روعها هي وشقيقها، وطلبت منهما تلاوة الآيات القرآنية والأدعية الحافظة فشعرا بالأمان وناما.
لكن هذه الحيلة الغبية قد انقلبت على مدبريها، فالكل يشعر بالنقمة عليهم أكثر من شعورهم بالخوف، ثم تعالى نتأمل في عظمة الله وقدرته.. إنها يد الله تربي الغافلين الغائبين الضعفاء، إنها تربية لكل الشعب في ليلة واحدة- لمن نظر وأراد أن يعتبر- هؤلاء الشباب في ميادين المظاهرات في القاهرة والإسكندرية والسويس تحديدًا يقفون بصدور عارية يتحدون سطوة الأمن بعدما ظنوا أن رصاصة واحدة كافية لتفريقهم، في يوم وليلة يتعلمون الشجاعة والوحدة والنظام واللجوء إلى الله، والقوة في مواجهة الباطل.
- شعب مصر تربيه الأحداث:
وهؤلاء الناس في بيوتهم أيضًا يتعلمون ويتربون، ينزل الشباب الذين لم يشاركوا في المظاهرات يمسك كل منهم بما تطاله يده من مسدس صوت أو بندقية (خرطوش) أو كلب بوليسي أو (شومة) أو عصا (شمسية) أو حتى عصا مكنسة، ويسهرون ليلاً يقسمون أنفسهم دوريات للحراسة في اللجان الشعبية، ويتعارفون ويتحاورون ويتسامرون بعدما كان الجار لا يعرف شيئًا عن جاره، ويتعاونون وفي شجاعة يطاردون البلطجية ويفتشون السيارات ويقيمون المتاريس في الشوارع، وتزداد نقمتهم على بلطجية الأمن بل وعلى الأمن نفسه.
وهؤلاء الأمهات في البيوت يمدونهم بالطعام والمشروبات (الشاي والقهوة) ليبقوا مستيقظين صامدين طوال الليل تصحبهم الدعوات بأن يحفظهم الله وينصرهم على من عاداهم.
وكأنها لفتة من الله تعالى ليذكروا كم قصروا في حقِّ إخوانهم في فلسطين الذين روعتهم قوات الصهاينة.
ولست أرى كل تلك الأحداث إلا رحمة وقدرة وعظمة من الله عزَّ وجلَّ ليتربى كل هؤلاء الناس في يوم وليلة كي يواجهوا مهمات أكبر وأعظم من تلك المواجهات، وإلا بالله عليك لو كان الصهاينة قد هاجموا المصريين قبل 24 يناير كيف كانوا سيصمدون أمامهم؟ بالغناء والرقص والتشجيع الكروي؟؟!!.
منشورات اللجان الشعبية
صورة من منشور تم توزيعه في المناطق السكنية صباح السبت 29 يناير 2011م
بسم الله الرحمن الرحيم
يا رجالة المنطقة انزلوا احموا المنطقة
المساجين كلهم خرجوا من الأقسام ومعاهم سلاح
الليلة سرقوا 5 محلات و3 عربيات
لو اتجرءوا هيطلعوا النهاردة البيوت
الرجالة في المنطقة ينزلوا وحنعملها ورديات حراسة للمنطقة
20% يحرسوا أهلنا
80% ينزلوا المظاهرة
والله ولي التوفيق، وهو مولانا فنعم المولي ونعم النصير
******************************
- حدث في هذا اليوم:
أذاع التليفزيون المصري خطابًا للرئيس مبارك وعد فيه بحلِّ المشكلات الاقتصادية، وقام بحلِّ الحكومة مع وعد بتشكيل حكومة أفضل، وتوفير فرص العمل، وترك فرص للحريات، وتعيين عمر سليمان نائبًا له.
وكان رد فعل المتظاهرين هو رفض البيان، وطلبوا من مبارك ونظامه الرحيل، وحاول البعض منهم اقتحام مقرِّ وزارة الداخلية.