كنت على موعد مع أخي الحبيب الدكتور حلمي الجزار، وكان العنوان الذي التقيت به فيه 3 ميدان السادات بالسيدة زينب، والغريب أنني ما زلت أذكر العنوان جيدًا على الرغم من مرور ثلاثين سنة على الموعد، وعندما دخلت الشقة العريقة استقبلني عم شافعي عبد الحميد وهو والد زوجة الدكتور حلمي، وأخبرني أن الدكتور لم يحضر بعد، وعندما هممت بالانصراف أصر على استضافتي لأشرب الشاي، وجلست مع الرجل الجليل، والذي أسرني بأدبه الجم، وانطلق يسرد عليَّ حديث الذكريات، وكيف كانت مصر بخير وعافية قبل انقلاب العسكر في 1952م، ويعقد المقارنات بين أجيال زمان واليوم.
وطالت الجلسة وأنا مستمتع بحديث الرجل حتى جاء الدكتور حلمي الجزار، فاستأذن الرجل بلطف وتركنا.
ولقد أبديت سعادتي للدكتور حلمي بهذا اللقاء، وأخبرته بمشاعري تجاه هذا الرجل الودود دمث الخلق، والذي ما تكاد تجالسه لحظات حتى تشعر أنه والدك الحنون أو عمك العطوف والذي لا تملك إلا أن تحبه بلا تكلف أو افتعال.
فضحك الدكتور حلمي وقصَّ عليَّ ما يؤكد ما شعرت به نحو الرجل، فقال: عندما تقدمت للزواج من الدكتورة أخبرت عم شافعي أنني قد استأجرت شقة صغيرة بالطالبية، وجاء الرجل ومعه ابنته لرؤية الشقة، والتي كانت متواضعة بكلِّ المقاييس، شقة صغيرة بحي شعبي وسلم ضيق؛ ما جعلني متحرجًا بعض الشيء، بل ومتأكدًا من أن الرجل سيرفض تزويج ابنته الطبيبة بهذا المسكن المتواضع.
وما كادت قدما الرجل تطأ الشقة إلا وفوجئت به مهللاً فرحًا وكأنه يتجول في قصر منيف، ولما كان يلاحظ علامات الضيق على وجه ابنته أو عدم القناعة كان يحاول تجميل الصورة بشكلٍ غريب، فمثلاً شباك المطبخ الضيق يعلق قائلاً: ما شاء الله الشباك غير مجروح على الجيران، يعني ستقفين في المطبخ مرتاحة (والمطبخ كله متر ونصف في متر) ثم يشير مبتهجًا، ما شاء الله هذا الركن رائع لو وضعنا فيه مرآة، ثم يتوجه ناحية النافذة الوحيدة بالصالة ويقول هنا تضعوا ستارة، فيمكنكم فتح النافذة بدون أن يطلع عليكم أحد، وهكذا ظل الرجل يبرز مزايا الشقة وعناصر جمالها (وهو ما لم أره أنا طبعًا)، وما زال الرجل يتغنى بجمال الشقة ومزاياها حتى انفرجت أسارير ابنته عن ابتسامة عريضة، وكأنها تتجول في قصر سامق على ضفاف النيل، وأصبحت تشارك والدها في اقتراحات الأمل والتطوير.
وبعد أن أدَّى الرجل الجليل مهمته اقترب مني وهو ينزل على السلم الضيق ثم ضغط على ذراعي وهمس في أذني وبدون أن تسمعه ابنته قائلاً: الحقيقة إن الشقة متواضعة جدًّا وتعد الحد الأدنى، ولكن ربنا يملأها لكما بركة ويوسع عليكما.
هذا الأب الطيب المسلم المصري الأصيل، والذي زوَّج بناته الأربع النابغات الفضليات بأربعة أزواج أصبحوا أبناءً له، عرف الدنيا وزهرتها، وعرف التقوى وعاقبتها، لقد تخير لبناته التقي الورع الطاهر، فوسَّع الله عليهم في دنياهم، ونسأل الله أن يعطيهم حظ الآخرة.
قرأت اليوم نبأ وفاة العبد الصالح شافعي عبد الحميد، فلا نملك إلا أن نقول لله ما أخذ ولله ما أعطى، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ورحم الله العبد الصالح.