تحيةً لروح الشهداء الأبرار خيرة شباب مصر الأطهار، ودعاء العافية والشفاء لجرحاها الأبطال، ومشاعر التعاطف والتضامن والعزاء للأسر التي تمر عليها ذكرى السنة الأولى للثورة تختلط فيها الفرحة بالأسى والحزن على فراق الأحبة الأبناء.
في 25 يناير 2011م بدأت فعاليات الثورة الرائعة والملهمة التي لم تنتهِ بعد، ولم تؤت أكلها بعد، لكنها في الطريق تنجح تارةً وتتعثر تارةً أخرى، لكنها طبيعة الثورات.
المطالب
اندلعت شرارة الثورة بعد عقود طويلة من الاستبداد والفساد والقمع، بعد تزاوج الثروة والسلطة وسيطرة ثقافة الانفراد والاستحواذ والاحتكار، وتخلت مصر الرسمية عن مسئولياتها الدستورية والوطنية، فكان الفراغ الشاسع على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، فراغ تمدد فيه داخليًّا رجال المال والأعمال بحماية جنرالات الأمن والإعلام، وتمَّ احتكار ثروات الوطن، وصلنا جميعًا إلى طريق مسدود، فكانت الثورة، وكان الشباب الذي أعاد النبض إلى قلب الوطن، فتداعى له سائر الجسد المصري بالحركة والحيوية، وكانت المطالب في الشعارات العبقرية "عيش- حرية- عدالة اجتماعية"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، "الشعب يريد محاكمة القتلة"، وهكذا النجاحات والمكتسبات.
وطنية الثورة
بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ فهي المنتج المصري الوحيد الذي كُتب عليه باعتزاز "صنع في مصر" منتج مصري خالص "الخامات والمكونات والآلات والأيدي العاملة.
سقوط النظام
- رأس النظام، رموزه من كبار النافذين ورجال المال وجنرالات الأمن وكهنة المعبد، إعلام النظام وفرق المولاة، أول حدث في التاريخ محاكمة رئيس الدولة وأسرته وحكومته ووزرائه.
- حل مجلسي الشعب والشورى، وكذلك حل المجالس المحلية، إنشاء الأحزاب السياسية بمجرد التقديم للجنة القضائية.
- الاستفتاء على تعديل الدستور، ووضع خريطة طريق لنقل السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى السلطة المدنية المنتخبة.
- إجراء انتخابات مجلس الشعب بطريقة جيدة إلى حدٍّ كبير وتأمينها، وإجراء انتخابات عديد من النقابات المهنية.
- انتخاب رؤساء عدد من الجامعات وعمداء الكليات رغم عدم وجود قانون ينص على ذلك.
- انتزاع حق التظاهر السلمي في مليونيات عديدة.
- تطهير جزئي لوزارة الداخلية، وتعويض جزئي لأهالي الشهداء والمصابين.
التحديات والتهديدات
- تعثر وارتباك التحول الديمقراطي على مستوى التصور والممارسة، خارطة طريق عانت ولادة متعسرة تلاها تصريحات صادمة وممارسات خاطئة.
- الانفلات الأمني، غياب الشرطة والمرور، وبعض مظاهر الجريمة في ارتفاع معدلات البلطجة والعنف والسرقة والخطف
- الأزمات المعيشية المصطنعة، أزمة الوقود والغاز وارتفاع الأسعار.
- تهديد وحدة النسيج الوطني، بارتباك شبكة العلاقات الاجتماعية وقيم التعايش والتسامح بين كل فئات المجتمع والألوان الفكرية والعقدية، وحدة القصف الإعلامي القائم، ومحاولات الوقيعة بين الشعب والجيش.
- الضغوط الخارجية على كل مفردات المشهد المصري العام الإخفاقات والسلبيات عانتها كل مفردات المشهد المصري العام.
المجلس العسكري
- التباطؤ في تنفيذ مطالب الثورة، خاصةً محاكمة الرئيس المخلوع ورموز النظام في تهم قتل المتظاهرين الشهداء، والتراخي في رد المظالم والحقوق لأهالي الشهداء، وعلاج الجرحى وتعويضهم.
- محاولات الحضور الجبري على المشهد السياسي بوثائق الدكتور الجمل والسلمي ثم أخيرًا المجلس الاستشاري.
- مناخ التعتيم وغياب المعلومات في الأحداث الدامية من مسرح البالون إلى ماسبيرو ثم شارع محمد محمود، وأخيرًا مجلس الوزراء.
- التورط في استخدام العنف والقسوة والإهانة ضد المصريين.
القوى السياسية
- عدم التحرر من ثقافة النظام البائد، ثقافة فقدان الثقة المتبادلة، وغياب العمل المشترك، والاستقطاب الحاد، والاشتباك وغلبة الوجود الإعلامي على الوجود الميداني.
- غياب منظومة القيم الديمقراطية، قيم التفاهم والتوافق وقبول الآخر واحترام إرادة الناخبين
ائتلافات الثورة
- محاولات البعض فرض منظومة المفاهيم غير الثورية، ومنها، اختزال الثورة بشريًّا في شريحة الشباب، ومكانيًّا في ميدان التحرير، وزمنيًّا في مشهدها الأخير من 25 يناير إلى 11 فبراير؛ ما يعدُّ إهدارًا لعقودٍ من النضال والتضحيات.
- مناخ الانقسام والتشرذم حين تجاوز عدد الائتلافات 186 ائتلافًا؛ ما شتت الجهود، وأضاع الوقت وأهدر الفرص.
- كثرة التنظير وشبه الإقامة في الفضائيات ما أصاب عموم المصريين بحالة من الملل؛ نظرًا للخبرة السلبية تجاه النخبة السياسية خلال عقود الاستبداد والفساد والقمع.
- دوام التظاهر والاعتصام بسبب ودون سبب في أجواء معيشية وأمنية غير عادية؛ ما ترك انطباعًا لدى شريحة كبيرة من المصريين أن هؤلاء أصبحوا إشكالاً وليس حلاً.
- مسألة التمويل والتدريب الخارجي وما ثار حولها من التباس غابت فيه الحقائق والمعلومات، وحضرت فيه الهواجس والشائعات.
- تصريحات البعض باستمرار شرعية الشارع وجعلها فوق الشرعية الشعبية الممثلة في البرلمان المنتخب؛ ما أشعر عددًا غير قليل من المصريين أننا بصدد نفق للفوضى لا مخرج منه.
ضمانات لازمة
وهي جملة من الوسائل والإجراءات الممكنة ومنها:
- التوافق الوطني حول تركيبة المجلس القادم، يتم فيه اعتبار الاستحقاقات الانتخابية لكلِّ القوى السياسية والكفاءات العلمية في تشكيل اللجان الداخلية للمجلس، بعيدًا عن فكر الانفراد والاستحواذ "نمط وثقافة العهد البائد".
- التوافق حول الأجندة التشريعية ذات الأولوية الخدمية القومية العاجلة التي تمس مباشرة حياة المصريين، ومنها: الاستقرار الأمني الفوري، والنهوض المعيشي "الأجور والأسعار، الخدمات الأساسية، التعليم والصحة والبيئة".
- إدارة حوار مثمر وبنَّاء حول القضايا الشائكة والملتبسة والمختلف بشأنها في أمور الإبداع والفن والسياحة والحريات الشخصية، نترك فيها جميعًا النهايات القصوى يمينًا ويسارًا على مدرج القياس الفكري، ونتواصل جميعًا في المربعات الوسط، مربعات التفاهم والتعايش والوحدة والنهضة.
- التواصل الفوري مع ائتلافات الثورة بكلِّ ألوانها وأطيافها وأعدادها لتمثل قوة دافعة مضافة، وتكون الشرعية الثورية جنبًا إلى جنب مع الشرعية الدستورية بعيدًا عن التناقض والتنافر والتصادم.
- ترتيب أولويات أجندة العلاقات الخارجية بما يحقق المصالح العليا للأمن القومي المصري وفقًا لهوى وهوية المصريين دون غيرهم؛ لتصل الرسائل واضحة غير ملتبسة لكل من يهمه الأمر، وبذلك نقطع الطريق أمام محاولات البعض الاصطياد في الماء العكر.
خلاصة الطرح:
ما زالت ثورة 25 يناير تتحرك ببطء في منطقة الأمان والنجاح العام، قد يكون نجاحًا محدودًا لا يتفق وطموحات المصريين، لا يتفق وتضحيات الشهداء والمصابين، لكننا نسير في الطريق، نسير ببطء نعم، لكن في الطريق الصحيح، حفظك الله يا مصر الثورة والأمل.
-------------------------------
* محمد السروجي (مدير مركز النهضة للتدريب والتنمية)