* كسب الشباب الرهان حول نجاح الثورة وكسب الشيوخ حريتهم وكرامتهم
* 15 نائبًا إخوانيًّا يتقدمون مظاهرة 25 يناير أمام القضاء العالي والبلتاجي يقود الهتافات
* إذاعة التغيير توحد ميكروفونات الميدان ولجان إعاشة تجمع التبرعات
* خراطيم المياه وقنابل الدخان تفرق المعتصمين منتصف الليل وإغماءات بالجملة
* مظاهرة عفوية أمام نقابة الصحفيين تحيي يوم 26 يناير وتنقل الثورة إلى شارع الجلاء
* بروفات في الطالبية والعمرانية وبولاق الدكرور لجمعة الغضب تؤذن بنهاية مبارك
يكتبها- قطب العربي:
مضت الأيام سراعًا، وها نحن بعد عام كامل نصل إلى يوم 25 يناير الذي سيظل أجمل يوم في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، شتان ما بين 24 يناير 2011 و24 يناير 2012، قبل 25 يناير 2011 وحتى ظهيرة ذلك اليوم كان الخوف يعم معظم المصريين بسبب ما لاقوه وما شاهدوه وما سمعوه عن قمع واستبداد نظام مبارك، واليوم لا وجود للخوف من القمع والاستبداد، بل إن الذين كانوا يمارسون القهر والقمع هم الآن المقموعون والمقهورون خلف قضبان المحاكم وتحت أقبية السجون، ومن تبقى منهم خارج السجون أو في بعض المناصب يتعرض لحصار مشدد يزداد يومًا بعد يوم، ولن يتوقف حتى يتم الخلاص من آخر رجل من رجال مبارك.
في هذه الذكرى العطرة لأعظم ثورة في التاريخ الحديث والمعاصر، نتذكر الأيام والساعات الأولى لانطلاقها، ساعات المخاض العسير، والولادة الشاقة التي أنجبت 25 يناير، في يقيني أن ملايين المصريين لديهم قصص وروايات متنوعة، تتنافس روعة وجمالاً ونضالاً، عن الأيام الأولى للثورة، وباعتباري واحدًا من هؤلاء الملايين الذين شاركوا في الثورة منذ إرهاصاتها الأولى فإنني أروي الصورة كما شاهدتها وكما شاركت فيها، ولن أتوغل كثيرًا في الماضي الذي أسس للثورة خصوصًا منذ مطلع التسعينيات حيث المواجهة المسلحة بين نظام مبارك المستبد وبعض الجماعات الإسلامية، مع استمرار تضييق الخناق على جماعة الإخوان وتقديم أعضائها لمحاكمات عسكرية متتالية ومحاصرة الأحزاب السياسية داخل جدرانها، بل وتفجيرها من الداخل عبر عملاء الأجهزة الأمنية في تلك الأحزاب، ومحاصرة العمل الطلابي، وتكميم النقابات المهنية، وتأميم النقابات العمالية، ثم المواجهات المتصاعدة مع الحركات الشعبية الحديثة، فلربما كان لهذه الذكريات مكان آخر.
قبل الثورة بأسبوع على الأقل احتدم الجدل في مصر حول جدوى الدعوات التي انطلقت عبر صفحات "الفيس بوك" لثورة يوم 25 يناير، وقد شهد بيتي قدرًا من هذا الجدل مع ابني الأكبر محمد (20 سنة) وعبد الرحمن (16 سنة) (اعتقل الأكبر لبعض الوقت من يوم 26 يناير وأصيب الثاني بعدة طلقات مطاطية يوم 29 يناير أمام وزارة الداخلية)، كانا ككل الشباب الثائر يؤكدان لي أن الثورة ستندلع في مصر يوم 25 يناير وكنت أشكك في كلامهما مرتديًا ثوب الحكمة والخبرة السياسية العريقة، فمنذ متى كان للثورة يوم محدد؟ّ!، كنت أقول لهما إن الانقلابات العسكرية فقط هي التي يكون لها ساعة صفر محددة سلفًا، لكنها تكون بين عدد محدود جدًّا، وإذا خرج هذا السر إلى غيرهم فإن ذلك يتسبب في فشل الانقلاب وتقديم رقاب قادته للمقصلة، كنت مثل كثيرين غيري مقتنعًا أن ما سيحدث يوم 25 يناير لن يتجاوز حدود مظاهرة ربما تكون أكبر من سابقاتها بسبب كثافة الاستعداد لها، وفي ظني لم تكن لتزيد عن بضعة آلاف، لكنها كانت طوفانًا بشريًّا بالآلاف، كان المشاركون فيها "خلق جديد" لم تعهده مصر من قبل، وصدق الله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)) (إبراهيم).
إذاعة التغيير تعلن مجلس الثورة
في يوم 25 كان من المقرر أن تنطلق المظاهرات من ساحات وميادين معينة بينها ميدان مصطفى محمود، حين وصلت إلى المكان لم أجد سوى رجال الأمن بخوذاتهم وعصيهم ولواريهم، وعرفت أنهم فرقوا المتظاهرين سريعًا قبل أن يتكاثر العدد، توجهت بعدها إلى دار القضاء العالي حيث المكان المقرر لتظاهرة النواب ورموز القوى السياسية، كان العديد من نواب البرلمان الموازي الذين قال مبارك في حقهم "خليهم يتسلوا" يتصدرون المظاهرة بينهم أكثر من 15 نائبًا إخوانيًّا وبعض نواب الوفد والمستقلين ورموز الجمعية الوطنية للتغيير، كان البلتاجي يتبادل قيادة الهتافات مع بعض الشباب واقفًا فوق السور الحديدي المواجه لدار القضاء العالي، كانت المظاهرة محدودة نسبيًّا ومحاصرة تمامًا من رجال العادلي، ولكن لم يمض كثير وقت حتى فوجئنا بمظاهرة كبرى قادمة من شبرا، حاول رجال العادلي منع الالتحام بيننا وبينهم، لكن إرادة الشعب غلبت والتقت التظاهرتان وكانت لحظة عظيمة حقًّا حيث شهدنا مظاهرة كبرى في وسط شارع رمسيس أوقفت حركة المواصلات لبعض الوقت، ثم ما لبثت أن تحركت المظاهرة من القضاء العالي إلى التحرير لنكتشف أن آلافًا سبقونا إلى هناك قادمين من الدقي والجيزة وباب اللوق والقصر العيني... الخ، وما إن غابت شمس يوم 25 حتى كان ميدان التحرير مكتظًّا بالمتظاهرين، وتوقفت حركة المرور بالميدان.
ما إن استقر الأمر للمتظاهرين، أو هكذا خيل إليهم، حتى شرعوا في ترتيبات البقاء في الميدان، وبدأ بعض المتطوعين جمع تبرعات لشراء أغذية، وأغطية، وبعد أن كان الميدان يحلم بميكروفون صغير، إذ بنا نجد عدة ميكروفونات تصل إلى الميدان، لم يمض وقت طويل حتى تم تجميع تلك الميكروفونات في مكان واحد وتأسيس إذاعة التغيير، كانت لحظة فارقة حين انطلق صوت الشاعر عبد الرحمن يوسف مؤذنًا بانطلاق بث إذاعة التغيير من التحرير، يا لها من لحظة وجدانية مؤثرة، لقد فتحت أمامنا في هذه اللحظة آفاق التغيير الذي كنا نحلم به كثيرًا، ونرى أنه لن يتحقق في زماننا.
بثت الإذاعة بعض الكلمات لعدد من الثوار والرموز، لكن أهم شيء صدر عنها في اليوم الأول للثورة هو الإعلان عن أسماء عدد من الرموز بلغوا عشرة أسماء كمتحدثين باسم الميدان، كانت خطوة رائعة لم تظهر لاحقًا، لقد كان هؤلاء العشرة ممثلين لكل التيارات السياسية ولكل الأعمار والفئات تقريبًا، كانوا بحق مجلس قيادة الثورة، لكن هذا المقترح مات مع انطلاق الغازات السامة وخراطيم المياه منتصف ليلة 25 يناير، ولم يعد للنور مرة ثانية بعد يوم 28 يناير رغم أننا كنا في مسيس الحاجة إليه؛ حيث كان سيوفر علينا كثيرًا من الجهد وسيجنبنا كثيرًا من الخلافات والمشاكل.
كان الميدان ساحة للتلاقي والحوار بين شباب لم يسبق لمعظمهم العمل السياسي أو المشاركة في المظاهرات، وإن كان البعض منهم ينتمي فعلاً لأحزاب وتيارات سياسية وله إسهاماته في العمل السياسي والتظاهر والاعتصام ومنهم شباب الإخوان الذين شاركوا بشكل فردي يوم 25 يناير بعد قرار القيادة بفتح الباب لمن أراد المشاركة دون إلزام لأحد، وأشهد أنني قابلت عددًا من شباب الإخوان في الميدان على عكس ما يدعي البعض أن يوم 25 خلا من مشاركة الإخوان، ولعمري ماذا يقولون عن وجود أكثر من 15 نائبًا إخوانيًّا في مظاهرة القضاء العالي التي انتقلت إلى التحرير لاحقًا، وفي هؤلاء الشباب الذين لم يتخلفوا عن أقرانهم من القوى الأخرى.
كنت أتجول في الميدان برفقة الصديق الدكتور عمار علي حسن وهو أحد أكثر المنكرين لوجود الإخوان يوم 25 يناير رغم أنني أثناء تجوالي معه في الميدان كنت أصافح أشخاصًا من الإخوان مع إقراري بأن عددهم كان قليلاً.
مضت ساعات من الرومانسية الثورية في الميدان في حوارات مع الشباب، كشفت حجم المأساة التي يعيشونها بلا أمل في فرصة عمل أو زواج أو مسكن رغم حصولهم على مؤهلات دراسية عالية، ولم يقطع صفو تلك الحوارات والأشجان سوى دوي قنابل الصوت والدخان وخراطيم المياه، كان ذلك في الساعة الثانية عشرة، والنصف بعد منتصف الليل، هنا حاول البعض أن يصمد أمام القنابل والمياه، في حين لاذ الكثيرون بالهرب تجنبًا للغازات الخانقة، لقد تسبب التدافع مع الدخان الكثيف في اختناق العشرات ووقوعهم على الأرض، وقام أصحاب اللياقة والصحة البدنية العالية بحملهم أو جرهم حتى لا يقعوا في قبضة الشرطة، كما حاول القائمون على الإذاعة الصمود إلى أطول فترة ممكنة لكنهم ما لبثوا أن تساقطوا أيضًا بسبب الاختناق.
مظاهرتا نقابة الصحفيين وبولاق
كان هناك قرار قبل فض الاعتصام بخروج مظاهرات من عدة مساجد يوم جمعة الغضب في 28 يناير، لكن كان هناك يومان قبل 28، وكان هناك خوف أن يبرد المد الثوري، إلا أن المشيئة الإلهية رتبت لهذين اليومين، ففي يوم 26 يناير، وكان يومًا هادئًا، كنا نجلس في كافتيريا نقابة الصحفيين نسترجع ما حدث الليلة الماضية وكيف سيكون يوم 28 يناير، وإذ بنا نتلقى خبرًا أن رجال الشرطة الذين كانوا يحاصرون مدخل النقابة منعوا زميلنا يحيى قلاش وهو عضو مجلس وسكرتير سابق للنقابة من الدخول من باب رئيسي، لكنه رفض هذه الطريقة من الضابط الذي كان يجلس على كرسيه واضعًا قدمًا على قدم وملقيًا بالأوامر لزميلنا، واحتد النقاش بين قلاش والضابط، فأمسكوا به وأخذوه بعيدًا عن النقابة، وصلنا الخبر أن الشرطة قبضت على قلاش أمام مدخل النقابة فنزلنا مسرعين نهتف ضد الشرطة ورغم عودة زميلنا يحيي قلاش، إلا أننا واصلنا الهتاف وانضم للمظاهرة خلق كثير، وأغلقت الشرطة شارع عبد الخالق ثروت لمنع وصول أعداد جديدة من المتظاهرين، لكن هؤلاء المتضامنين الممنوعين من دخول شارع عبد الخالق ثروت توجهوا إلى الإسعاف حيث نظموا مظاهرة أخرى كان معظمها من شباب بولاق أبو العلا، أردت ترك مظاهرة النقابة للحاق بمظاهرة الإسعاف؛ حيث كان ابني الأكبر يشارك للمرة الأولى، وبسبب خروجي من مظاهرة النقابة هجم علي أربعة غلاظ شداد من رجال الشرطة السريين وحملوني كالريشة إلى حيث يجلس كبراؤهم اللواءات وضباط أمن الدولة في شارع رمسيس، موجهين لي تهمة الاعتداء وضرب العساكر، لكن اللواء لم يقتنع بالتهمة فطلب مني الانصراف قبل أن يتم اعتقالي، ملوحًا بتكرار ما حدث لبقية الزملاء الذين تم احتجازهم قبلي بدقائق، وهم محمد عبد القدوس ويحيى قلاش وكارم محمود وشريف عارف.
بعد أن أفلتُّ من قبضة رجال الأمن هرولت إلى منطقة الإسعاف القريبة فوجدت مظاهرة شبابية تحاصرها أطواق من رجال الشرطة، وقف المارة يتفرجون، وحين تكاثر عددهم تحركت نخوتهم فراحوا يهتفون أيضًا، وهنا أصبح رجال الشرطة هم المحاصرون بين المتظاهرين فاستخدموا القنابل الغازية والعصي الكهربائية لتفريق المتظاهرين، لكن المظاهرة كبرت وتحركت في شارع الجلاء باتجاه التحرير، وقام بعض الشباب بحرق الإطارات في الشارع لمنع تقدم سيارات الشرطة خلفهم، كانت ألسنة اللهب تتصاعد في شارع الجلاء لكنها لم تقترب من المنشآت العامة والسيارات الخاصة، وتجمع الشباب أسفل كوبري 6 أكتوبر بجوار فندق رمسيس هيلتون، كانوا شبابًا غضًّا لا خبرة له، وبالتالي فهم حائرون إلى أين يذهبون؟، فريق منهم فضل السير باتجاه ماسبيرو وفريق فضل السير باتجاه التحرير مرورًا بمقر الحزب الوطني، وفي لحظة الحيرة هذه انقضت عليهم القوات الخاصة التي ترتدي زيًّا مدنيًّا كالطير الجارح، ساعتها تعلقت بالزميل حازم منير رئيس تحرير برنامج "البيت بيتك" وحالة حوار، والذي كان يقوم بمتابعة المظاهرة حتى أنجو من بطش رجال الشرطة، وإذا كنت أنا شخصيًّا قد نجوت منهم فإن ابني محمد قد تعرض لضرب مبرح قبل أن يتم جرجرته إلى سيارة الشرطة التي أخذته إلى مكان ظل مجهولاً بالنسبة لي حتى خرج يوم 28 يناير.
بروفات يوم الغضب
في يوم السابع والعشرين من يناير كانت هناك بروفات يجري إعدادها استعدادًا لجمعة الغضب، كانت إحدى هذه البروفات في منطقة العمرانية وكانت تتم بتنسيق كامل مع شباب الإخوان في المنطقة، وعرفت من الأخ محمد فاروق بدراوي وهو أحد قيادات الإخوان في الطالبية أن حشدًا كبيرًا من شباب الإخوان شارك في تلك البروفة التي تعددت في مناطق أخرى مثل بولاق الدكرور وشبرا، حين وصلت المظاهرات إلى أحشاء المناطق الشعبية كان ذلك إيذانًا بنهاية حكم مبارك فعلاً، فقاطني هذه الأحياء هم ملح الأرض وهم الأكثر إكتواء بمظالم نظام مبارك، والأكثر احتراقًا بغلاء الأسعار.
ها نحن نصل إلى يوم الثورة الأعظم، جمعة الغضب 28 يناير، كان شباب الثورة قد حددوا عدة مساجد لخروج المظاهرات وصولاً إلى ميدان التحرير، وكان مسجد الاستقامة بالجيزة أحد هذه المساجد الرئيسية، اكتظ المسجد مبكرًا بالمصلين واكتظت الساحات الخارجية المواجهة له، وكان أبرز الحضور الدكتور محمد البرادعي وبعض قيادات الجمعية الوطنية للتغيير.
خطب الخطيب خطبته، كان على ما أذكر رئيس اللجنة العلمية في الجمعية الشرعية، حاول أن يكون متوازنًا، فقد أيد حق التظاهر السلمي دون عنف أو تخريب، ودعا الحكام إلى الاستماع للشعب وتخفيف القيود عنه، ما إن انتهت الصلاة حتى غطت الهتافات ساحة المسجد والساحات الخارجية، وما إن بدأ المصلون في لبس أحذيتهم حتى بادرتهم قوات الشرطة بخراطيم المياه، ومن ثم إلقاء القنابل المسيلة للدموع، لكن الحشد الكبير تغلب على قوات الشرطة التي حاولت منعه من التحرك باتجاه جامعة القاهرة، كان الدكتور البرادعي ومن معه تعرضوا لقصف مباشر بخراطيم المياه قبل أن يتم إبعاده عن الميدان، امتص المتظاهرون الموجة الأولى لقنابل الغاز وتحركوا في شارع الجامعة، لكن الموجة الثانية من قنابل الغاز التي كانت تلقى من أعلى أسطح كليات جامعة القاهرة تسببت في اختناق الكثيرين، كما أن قوة الحائط الأمني لرجال الشرطة منع المتظاهرين من التقدم، حيث تحدث إلينا بشكل مباشر أحد قيادات الشرطة الكبار، مؤكدًا أنه لا يمكن السماح بمرور المظاهرة حتى لو كلفهم ذلك مقتل كل الجنود والضباط، وأيضًا أي عدد من المتظاهرين، لأن من غير الممكن السماح بوصول المظاهرة إلى مقر السفارة الإسرائيلية وهي على مقربة من المكان، استمر رشق الأحجار والقنابل المسيلة للدموع بعض الوقت حتى تفرق المتظاهرون في الشوارع الجانبية وفي حديقة الحيوانات، لكنهم سرعان ما استعادوا لياقتهم ولملموا صفوفهم في مظاهرة قصدت كوبري عباس للدخول إلى التحرير عبر شارع قصر العيني، لكن هيهات، فقد كانت الشرطة تغلق الكوبري أيضًا.
أم المعارك في الجيزة
بعد محاولات ومناورات متكررة، شعرت بأننا لن نستطيع أن نخترق حواجز الشرطة على الكوبري فأخذت ابني الأصغر عائدين في حين أصر الأكبر على البقاء، حين وصلت إلى ميدان الجيزة مجددًا وجدت أم المعارك في الميدان، حيث كانت قد وصلت جحافل المتظاهرين من شارعي فيصل والهرم لتلتحم ببقايا المتظاهرين في الميدان، ولتحدث المواجهة الكبرى التي لم أر لها مثيلاً من قبل، لقد ظل رجال الشرطة يضربون بالقنابل والعصي والحجارة، ألقوا كميات كبيرة من القنابل كانت كافية لإحراق إسرائيل، حتى استنفدوا ذخيرتهم وخارت قواهم، وتوقفوا أخيرًا عن الضرب، هنا حدث المشهد الدرامي، وقف العساكر والضباط أسفل كوبري الجيزة باتجاه شارع مراد في صف يشبه منظر الجيش المنهزم الذي يؤدي التحية للمنتصرين، لم نكن نتعامل معهم في هذه اللحظة باعتبارهم جيش عدو منهزم، بالعكس صافحناهم وقبلناهم، وأعطيناهم مياه معدنية وعصائر وحتى سجائر، وبلغ المشهد قمته حين راح بعض العساكر يهتفون مع المتظاهرين في حين وقف بعض الضباط يبكون، ولا أعرف حتى الآن تفسيرًا محددًا لهذا البكاء، هل كان شعورًا بالهزيمة؟ أم كان شعورًا بالذنب؟.
كانت معركة الجيزة هي أول الانتصارات التي منحت المتظاهرين قوة دفع معنوية عالية، تحركت بعد الحشود باتجاه التحرير سالكة شارع مراد، في الطريق كانت هناك ثلاثة أهداف تقليدية يمكن الاعتداء عليها وهي السفارة الإسرائيلية ومقر الحزب الوطني ومديرية أمن الجيزة، وقد حاول بعض المتظاهرين فعلاً الانحراف بالمسيرة نحو هذه الأهداف لكن وعي الأغلبية وحرصها على سلمية الثورة منع تلك الأقلية من الاعتداء وإلقاء الأحجار، كل ما تم السماح به فقط هو رشق صورة مبارك المعلقة بمدخل الحزب الوطني بالجيزة بالحجارة وتقطيع أجزاء كبيرة منها، واستمرت المظاهرة في سيرها باتجاه التحرير، شاهدت خلال المظاهرة خلقًا كثيرًا من شباب وشيوخ الإخوان الذين أعرفهم، حتى خيل إليّ أنها مظاهرة إخوانية، وعرفت أن اللافتات المرفوعة في معظمها من إعداد الإخوان، لكن التعليمات كانت مشددة أن لا يظهروا في طليعة المظاهرة، وأن لا يكشفوا عن هويتهم وأن لا يرددوا أيًّا من هتافاتهم أو شعاراتهم حرصًا على نجاح المظاهرة، في الحقيقة لم يكن الإخوان وحدهم، ولا كانوا يمثلون أغلبية بل كانت المظاهرة تضم كل شرائح الشعب نساءً ورجالاً شيبًا وشبانًا، كنا نشعر أننا في حلم متحرك، فهذه أول مرة في حياتنا نخرج في مظاهرة متحركة تسير هذه الكيلومترات الطويلة في أحد الشوارع الرئيسية نهتف بسقوط النظام حتى وصلنا إلى ميدان الجلاء عند فندق شيراتون الجيزة، هناك حدث التحام مع مظاهرة كبرى كانت قادمة من منطقة بولاق الدكرور، ويبدو أن المشاركين في تلك المظاهرة دخلوا في معركة ضروس مع رجال الشرطة حتى يئسوا من التحرك أكثر من ذلك، ولكنهم ما إن رأوا الحشود القادمة من الجيزة حتى عادت لهم حيويتهم فهبوا يهتفون، ويحاولون معنا كسر الطوق الأمني على كوبري الجلاء، هنا على مدخل الكوبري سقطت طلائع الشهداء، كنت أظنها مجرد إغماءات بسبب الغاز لكن سرعان ما عرفت أنهم شهداء قتلوا بالرصاص الحي، وراحت سيارات الإسعاف تنقل الواحد تلو الآخر، وظل ضغط الثوار متواصلاً رغم سقوط الشهداء حتى تمكن بعض الشباب من اعتلاء مدرعات وسيارات الشرطة التي كانت تسد الكوبري وتمكنوا من تحريكها وفتح ممر للمتظاهرين، ساعتها هرب رجال العادلي إلى الخلف باتجاه الأوبرا، كان كل تقدم للثوار يعطيهم دفعة معنوية عالية على الصمود ويفتح أمامهم بابًا جديدًا لأمل الوصول إلى التحرير، لكن في الوقت نفسه كان الاقتراب من التحرير يحتاج جهدًا وثمنًا أكبر، وهو ما حدث في معركة الأوبرا التي شاهدها العالم بعد مرور عدة أيام على وقوعها حين بثت قناة (الجزيرة) لقطات للمصلين الذين يواجهون خراطيم المياه والقنابل، وللمدرعات التي تدهس المتظاهرين، كانت الإغماءات بسبب الغاز كثيرة، ولم ينقذنا منها سوى البصل والخل والبيبسي حسب نصيحة إخواننا التونسيين الذين سبقونا بالثورة.
بالأحضان يا ميدان التحرير
بينما كانت الشمس تؤذن بالغياب، ألقى رجال العادلي كميات كبيرة من القنابل المسيلة للدموع على المحتشدين أمام دار الأوبرا، كانت القنابل تتساقط علينا من كل حدب وصوب، وكان أصحاب الخبرة متأكدين أن هذه القنابل الكثيفة هي ساتر يسمح لرجال العادلي بالانسحاب المنظم إلى الخلف، وهو ما كان يحدث بالفعل إذ بعد هذا الكم الهائل من القنابل والأدخنة وصلنا أخيرًا إلى التحرير، هناك كانت حشود أخرى قد وصلت من شبرا والأزهر والعتبة الخ ليلتئم الشمل أخيرًا.
كانت الأدخنة تخرج من أماكن متعددة في التحرير من فندق سميراميس ومن الجامعة الأمريكية، وأخيرًا من مقر الحزب الوطني، ليس معروفًا على وجه الدقة من أشعل تلك الحرائق، لكنها على كل حال ثورة، وفي الثورة تحدث أشياء كثيرة.
لقد وصلنا أخيرًا للميدان، وأقمنا خيامنا، ورفعنا لافتاتنا، وأعلينا مطلبنا وعلى رأسها "الشعب يريد إسقاط النظام" وظل الهتاف يتردد حتى تحقق.
ياه يا الميدان كنت فين من زمان، لا أجد كلمات أصدق منها للتعبير عن السر الباتع لميدان التحرير الذي وحد بين المصريين على اختلاف مللهم ونحلهم وأعمارهم وأجناسهم، والذي أسقط أعتى حاكم عربي في القرن الحادي والعشرين، ومعه أسقط العديد من ركائز ورموز حكمه المستبد مثل مجلس الشعب المزور، وجهاز أمن الدولة، والحزب الوطني الفاسد، والدستور الشمولي ومعه حزم قوانين شمولية كبلت المواطن والوطن لعقود من الزمن، والذي سيظل يحتضننا حتى ننجز ما تبقى من أهداف الثورة وعلى رأسها تسليم السلطة لحكم مدني بشكل كامل غير منقوص.