تتأهَّب الكرة الأرضية لحدث جلل‮ ‬يعيد للأمة الإسلامية مكانتها ومجدها،ويتبوأ فيه المسلمون صدارة الأمم ويكونون بحق خير أمة أخرجت للناس؛ ‬ففي لوقت الذي تبدأ فيه دول عظمى في التراجع والانهيار تقوم الثورات العربية بتشكيل المنطقة من جديد نحو التقدم والحرية، وخلع طوق التبعية،‮ ‬والعودة إلى دينها وتقديم مصلحتها الدنيوية والأخروية.

 

ففي أوروبا تفاقمت أزمة البنوك للديون السيادية، وارتفعت نسبة المديونية بنسب وصلت إلى‮ ‬160‮% من إجمالي الناتج المحلي في اليونان،‮ ‬و120‮% في إيطاليا،‮ ‬رغم أن اتفاقية الاتحاد الأوروبي تشدِّد على ألا تتجاوز تلك النسبة‮ ‬60‮% لكل دولة،‮ ‬ولكن النسبة ارتفعت؛ لدرجة أنها وصلت في المتوسط إلى‮ ‬85‮% من إجمالي الناتج المحلي لمنطقة اليورو؛ مما‮ ‬ينبئ بعدم قدرة تلك الدول على السداد،‮ ‬وخصوصًا للقطاع البنكي.

 

ومن الواضح أن انعكاسات هذه الأزمة على الاقتصاد العالمي كانت قويةً، وهذا‮ ‬يتضح من خلال تراجع الأسواق المالية وتذبذبها بشكل كبير، ‬وافتقاد الثقة باقتصاديات تلك الدول، خصوصًا مع تراجع معدلات النمو،‮ ‬وازدياد معدلات البطالة في أمريكا وأوروبا، ‬وارتفاع معدلات التضخم،‮ ‬إن هذه المؤشرات الثلاثة: تراجع أسواق الأسهم،‮ ‬والبطالة،‮ ‬ومعدلات التضخم،‮ ‬هي واقعية تسبق الانهيارات الكبيرة في الاقتصاديات وتنبئ بانعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي إذا لم تجابه بحلول قوية وسريعة، ‬وهذه المؤشرات تعتبر جميعها عالية في أمريكا وأوروبا وآسيا وغيرها من دول العالم؛ مما‮ ‬يشير إلى مخاطر عالية وعدم استقرار‮ ‬يشكل مخاوف ما زالت قائمة حتى الآن.

 

ويبدو أن أهم الأسباب التي أدت إلى الأزمة الأوروبية هي تداعيات أزمة الرهن العقاري الأمريكي،‮ ‬خصوصًا أن هذه الأزمة قد فتحت آفاقًا جديدةً لإعادة النظر إلى قدرة البنوك الائتمانية وجودة الأصول الأمريكية والأوروبية لمعرفة المعاملات المحاسبية التي تمت بشكل خاطئ.

 

‬أما في أمريكا فقد أكدت مؤسسة "فيتش" للتصنيفات الائتمانية أن البنوك الأمريكية على شفا حفرة من الدخول في أزمة حقيقية؛ بسبب استمرار أزمة الديون الأوروبية،‮ ‬محذرةً من مغبَّة عدم إيجاد حلول منطقية ومنظمة لأزمة الديون الأوروبية"؛‮ ‬الأمر الذي سينعكس سلبًا‮ ‬على أداء البنوك الأمريكية؛‮ ‬مما قد‮ ‬يعيد إلى الأذهان مشهد تضرر البنوك الأمريكية خلال الأزمة المالية العالمية في 2008م.

 

وقد وصفت المؤسسة في البيان الصادر عنها المخاطر التي تتعرَّض لها البنوك الأمريكية بـ‮"‬المخاطر الحقيقية‮"‬،‮ ‬في حال استمرار أزمة الديون في أوروبا،‮ ‬وانتشار العدوى إلى دول أوروبية عديدة على أطراف القارة العجوز،‮ ‬علمًا‮ ‬بأن البنوك الأمريكية أعلنت مؤخرًا‮ ‬عن رفع تكاليف الخدمات المصرفية على العملاء؛‮ ‬لتصبح الخدمات المقدمة للعملاء مدفوعة الأجر بدلاً‮ ‬من كونها مجانية.

 

وبذلك فإن البنوك الأمريكية تسعى إلى رفع مستوى أرباحها؛‮ ‬نظرًا‮ ‬لكونها تعاني من جرَّاء استمرار تبعات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الأمريكي؛‮ ‬الأمر الذي دفع بنك "سيتي" للإعلان عن نية الاستغناء عن‮ ‬3‮ ‬آلاف وظيفة،‮ ‬في مسعى من البنك لتخفيض التكاليف،‮ ‬ورفع مستويات الربح.

 

وفي مقابل هذا التراجع الكبير للعملاق الغربي،‮ ‬فإن المارد الإسلامي في طريقه إلى الاستيقاظ من‮ ‬غفوته، وعودة مكانته؛ ‬ففي بلاد الربيع العربي التي بدأت بتونس،‮ ‬أفرزت نتائج انتخابات المجلس التأسيسي عن فوز حركة النهضة التي ظلت محظورةً من النشاط السياسي لمدة فاقت 3‮ ‬عقود بالمركز الأول بفارق بعيد عن كل الأحزاب السياسية،‮ ‬وهو ما مكَّن أمينها العام حمادي الجبالي من حجز كرسي رئاسة الحكومة بصفة مبكرة،‮ ‬وأقرت كل الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات أن ذلك من حق الحركة- ذات المرجعية الإسلامية- ‬بعد تمكنها من الفوز بأغلبية الأصوات‮ (‬89‮ ‬مقعدًا من بين‮ ‬217‮ ‬مقعدًا‮ ‬مجموع أعضاء المجلس التأسيسي‮).

 

وفي مصرنا نبتهل إلى‮ ‬الله عز وجل شكرًا بعد أن وفق الإخوان لحصد أكثر من 40% ‬من مقاعد الجولة الأولى‮ ‬للانتخابات،‮ ‬ونحمده تعالى أن وفق الإسلاميين لأكثر من‮ ‬20% من المقاعد،‮ ‬ونمد أيدي‮ ‬الضراعة إلى ‬الله عز وجل في‮ ‬الجولتين الباقيتين أن‮ ‬يتم علينا النعمة بانتخابات نزيهة تعبِّر عن إرادة الأمة،‮ ‬التي تحب دينها وتعمل على رضا ربها وتسعى لتحكيم شريعته،‮ ‬كما ندعوه عز وجل أن‮ ‬يكمل فرحة إخواننا في ليبيا بانتصار إرادة شعبه وتحقيق أمانيه،‮ ‬وفي اليمن التي في طريقها لحقن دماء أبنائها وتحقيق مرادها،‮ ‬وكذلك في سوريا التي ‬يعني نجاح ثورتها الكثير لأبناء العالم الإسلامي.

 

ولا‮ ‬يقتصر نجاح الثورة في سوريا على أبنائها فحسب، وإنما‮ ‬يمتد أيضًا إلى أعدائها الذين عرفوا قيمة ثورتها وتأثيرها فيهم؛ فقد حذر الجنرال عاموس جلعاد،‮ ‬رئيس الهيئة الأمنية والسياسية بوزارة الحرب الصهيونية،‮ ‬بأن سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد سيترتب عليه حدوث كارثة تقضي على‮ "‬إسرائيل‮"، ‬وأرجع جلعاد ذلك إلى ظهور إمبراطورية إسلامية في منطقة الشرق الأوسط بقيادة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسوريا؛ تهدف لتصفية دولة‮ "‬إسرائيل‮" ومحوها.

 

ونقلت إذاعة الجيش الصهيوني التصريحات التي أكد فيها جلعاد أن‮ "‬إسرائيل‮" ‬ستواجه كارثةً، وستصبح مهددةً دائمًا‮ ‬بالحرب مع الإخوان المسلمين في مصر وسوريا والأردن،‮ ‬إذا نجحت الثورة السورية الجارية منذ أشهر متواصلة في الإطاحة بنظام بشار الأسد الذي‮ ‬يمثل وجوده مصلحةً‮ "‬لإسرائيل‮"، ‬وأكد جلعاد أن‮ "‬إسرائيل‮" ‬شعرت بالأخطار التي تواجهها من عدة جهات،‮ ‬خاصةً في مصر؛‮ ‬لهذا قررت أن تحسن علاقاتها مع تركيا،‮ ‬وتتحاشى القطيعة الدبلوماسية معها؛‮ ‬حتى لا تضطر تل أبيب إلى محاربة المسلمين في عدة جبهات مفتوحة ستؤدي في النهاية إلى خسارتها بالتأكيد.

 

هذا ترتيب رباني‮ ‬يتم رسمه للكرة الأرضية؛ ليعود الإسلام معلمًا للبشرية‮، ‬يسود فيها الحرية والعدالة والرحمة والاحترام‮ ‬بين الأنام، ‬وسنندم جميعًا إن لم نسهم بمجهود أو مال أو وقت؛ لتكون كلمة الله هي العليا.

----------

* ‬صحفي‮ ‬بجريدة "الشعب"- husseina66@hotmail.com‮‬