لقد كانت المنهجية التي وضعها الإمام الشهيد واضحةً محددةً مكافئةً للواقع الموجود، فكان عليه تأمين حركة الجماعة ونموها في ظل قوى متربصة ومعادية، وأن يمر بمهارة من المنزلقات والمكائد والفخاخ إلى نصبت في طريق الدعوة، وألا يدخل معركة فاصلة دون تهيئة وإعداد أو قبل الأوان.

 

كان عليه كل ذلك، وفي نفس الوقت أن يتخذ الخطوات العملية الفعَّالة لإزالة هذا الاحتلال البغيض، وتحقيق الاستقلال للأمة وفق منظومة أهداف الجماعة.

 

عندما تجاوز الإخوان محنة وضربة عام 1948م، واغتيال قائدها ومؤسسها، كان المتوقع من كل المراقبين أن ينكفئ الإخوان على أنفسهم وعلى تنظيمهم، وأن يتراجعوا ولو إلى حين عن المضي في مشروعهم العام وجهادهم ضد المحتل الأجنبي، خاصةً أن ذلك في النهاية سيصبُّ في صالح مَن يمسكون بمقاليد الحكم وسيوظفونه لتثبيت سلطاتهم، وأن هؤلاء بموقفهم من الجماعة أصبحوا متربصين بها ينتظرون أن تضعف قوة الإخوان عند صدامهم مع الإنجليز، فينقضون عليها ويجهزون على ما بقي منها.

 

لكن الإخوان كان لهم ميزان آخر؛ لأنهم دعوة ربانية وحملة رسالة إسلامية يستهدفون مصلحة الوطن وما يحتاجه ورفعة أمة الإسلام وتحريرها لا يعملون بمفهومٍ حزبي ضيق، ويضحون في سبيل الإسلام والوطن ويبذلون جهدهم في التخطيط والأخذ بالأسباب ومراعاة سنن الكون وقواعد التغيير.

 

شملت خطة الإمام الشهيد في مسارها العملي أربع مراحل متداخلة مترابطة:

- المرحلة الأولى: شملت التركيز على تأصيل الفكرة ووضع الإستراتيجية، وقد سمَّاها الإمام مرحلة التعريف، ونشر الوعي الصحيح حول الواجبات والأهداف ودور أفراد الإخوان في مواجهة المحتل الغاصب، وكذلك توعية أفراد الشعب بذلك، مع العمل على اتساع مساحة التأثير والوصول إلى الجماهير في أعماق الريف وأنحاء القطر المصري كله، وقد أخذت هذه المرحلة حوالي عشر سنوات، واستمرَّت بعد ذلك تعمق هذا الجانب بفاعلية متزايدة.

 

- المرحلة الثانية: وهي قد بدأت من عام 1938م؛ حيث انتقل بها الإمام للخطوة الثانية من الإعداد وسماها الخطوة التكوينية، مع استمرار ما بدأ به من نشر الدعوة ومبادئها، وفي هذه المرحلة من عمق الإعداد والتدريب والتكوين اشتملت على هذه الخطوات الأساسية:

أ- إنشاء النظام الخاص عام 1940م، وإعداده وتدريبه لمواجهة قوات الاحتلال، واستمر هذا حوالي عشر سنوات.. وصاحبه ما يستلزم ذلك من زرع الأفراد والعيون، وتجميع المعلومات الدقيقة وترتيب موارد السلاح والتدريب عليه، وكل ما يلزم لمعركة طويلة مع قوات الاحتلال الإنجليزي، ونشير هنا إلى الحكم التاريخي الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة في 17/3/1950 (قضية السيارة الجيب) برئاسة أحمد كامل بك بشأن النظام الخاص، فقد برَّأته المحكمة من تهمة الإرهاب وأشادت به وبدوره البطولي.

 

وورد في حيثيات الحكم: ".. إنه جهاز تدريب يتمشى مع الأهداف المقررة لتحرير وادي النيل وجميع البلاد الإسلامية، وإنه لم يتضمن ولم يدع إلى ارتكاب جريمة.. وأن المحكمة تدين بالتقدير لروح البذل والفداء الذي قدمه الإخوان المسلمون في فلسطين، الأمر الذي شهد به أمام المحكمة كل من اللواء أحمد بك المواوي القائد الأول لحملة فلسطين، واللواء أحمد فؤاد صادق باشا الذي خلفه، بما قام به هؤلاء المتطوعون من أعمالٍ دلت على بسالتهم وحسن مرانهن وسمو روحهم المعنوية وإلمامهم بفنون حرب العصابات... " (أ.هـ).

 

ب- القيام بعمليات صغيرة منذ عام 1940م وما بعدها؛ وذلك ضد قوات الاحتلال ولكن مع صغر حجمها إلا أنها كانت مستمرة ومتعددة، ويقوم بها أفراد النظام الخاص وقد تصاعدت وتيرتها بعد عام 42، وكان ذلك لتحقيق معنى الجهاد وتركيزه عمليًا في النفوس- والتدريب والتهيئة للمواجهة الأكبر، ولتحقيق بعض الإزعاج للمحتل وحرص الإخوان ألا يعلنوا عن نسبة هذه العمليات الفردية إليهم حرصًا على استمرار التكوين والإعداد، وعدم لفت الأنظار إليه.

 

ت- الفعاليات الشعبية وتفعيل المساجد، وبروز فعاليات الضغط السياسي وقد حاول الإمام الترشيح للبرلمان عام 1942، وأواخر عام 1944 لكن حال الإنجليز دون ذلك.

 

- المرحلة الثالثة: وهي تبدأ من سنة 1946م، حيث تزايدت فيها وتيرة العمليات الفدائية من الإخوان ضد قوات الاحتلال، وتزايدت فعاليات الضغط الشعبي والسياسي التي يتحرك بها الإخوان، والتحرك بآليات جديدة لتفعيل المقاومة الشعبية السلمية، ودعم الزخم الطلابي في حركته، وكانت مظاهرة كوبري عباس الثانية عام 1946م، والتي رتبها وقادها الإخوان نموذج من عشرات المظاهرات التي تمت وقد جُرح فيها عدد من الإخوان واعتقل البعض الآخر.

 

كما استخدم الإمام البنا، وسائل التحرك الإعلامي على المستوى العالمي، وخاصةً داخل الأمم المتحدة وقد أرسل أحد قادة الإخوان الطلاب إلى هناك للقيام بذلك.

 

- المرحلة الرابعة: وهي تشمل الانتقال للمرحلة التنفيذية في المواجهة والدخول في العمليات العسكرية بدءًا من عام 1950م إلى أن تم جلاء هذه القوات عن أرض مصر (بعد قيام ثورة 52)، وكذلك الضغط حتى تم إلغاء معاهدة 1936م وإجماع الأمة على شرعية القتال ضد القوات الإنجليزية.

 

- جاءت تطورات قضية فلسطين في أواخر عام 47، وعام 1948م، لتؤجل خطة الإمام مؤقتًا في عملية قتال الإنجليز التي كان يُعد لها على نطاق واسع؛ حيث كان التركيز في العمليات الجهادية كلها موجه لفلسطين، وعلى أرضها لخطورة التهديد الصهيوني هناك.

 

ثم تم اغتيال الإمام الشهيد في فبراير 49، وزجوا بالآلاف في السجون، وتمكنت الجماعة من امتصاص الضربة، وإعادة تنظيم صفوفها واختيار قائدها عام 1950م، وواصلت العمل بالخطة والإستراتيجية التي وضعها الإمام الشهيد.

 

وقد تم الضغط حتى تمكن الإخوان من فتح شعبهم ومقارهم بعد حكم القضاء في 15/8/1951م.

 

تواصل التدريب والإعداد والتكوين

وسار ذلك مع المحورين الآخرين: محور تهيئة الأمة وحشدها في هذا الميدان ومحور الضغط السياسي على الحكومة حتى تلغى الاتفاقية الظالمة (معاهدة 1936)، وتقف حتى ولو مكرهة مع الأمة في خندق واحد، ونجح الإخوان ومن معهم من قوى وطنية في ذلك عام 1951م، وبالتالي نجح الإخوان في تأمين ظهر المجاهدين، وأن يصل التأييد الشعبي أن يحقق الحماية لهم من أي انقلابٍ حكومي ضدهم أثناء الجهاد.. وأقاموا بذلك المعسكرات للتدريب ودعوا الجماهير للمشاركة.

 

وكان المفروض أن قيام ثورة الجيش عام 1952م يعي دفعةً قويةً لعملية التحرير، ويستثمر المقاومة في سبيل الحصول على الجلاء بلا قيدٍ أو شرطٍ، ويحقق كل المطالب الوطنية لقد رفض الإخوان بوضوح أى تنازل عن المطالب الأساسية الوطنية، أو ما يمس وحدة وادي النيل واستقلاله الكامل، فإذا بحكومة الثورة، تفاوض الإنجليز وتتنازل عن ديون مصر لديها، وعن وحدة وادي النيل والتفريط في استقلال السودان، وهو جزء أصيل من الدولة المصرية، والموافقة على اتفاقية تسمح للإنجليز بالعودة لقواعدهم بقناة السويس بحجج واهية.

 

رفض الإخوان ذلك بوضوح رغم رسائل التهديد والوعيد ثم الاعتقالات والتعذيب، ثم سلَّم هذا النظام رءوس قادة الجهاد ضد اليهود والإنجليز هديةً لهم.

 

رؤية الإمام البنا في مشروع التحرير كانت تقوم على:

1- أن متانة الإعداد العسكري لا تقوم على مجرد التدريب، وإنما لا بد لها من تربية وتكوين صحيح للشخصية المجاهدة، لكي تكون قادرةً على الاستمرار، وعلى تحمل التضحيات والتجرد والإخلاص، وهذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الجماعة لا بد أن تراعي التدرج في الخطوات والعمليات، وعدم كشف كل الأوراق، واختيار التوقيت المناسب، وتجنب التصفية.

 

2- أهمية بناء الوعي الشعبي الحقيقي الذي لا يقوم على مجرد شعارات أو فورات حماسية، ولكن أن تتحول العاطفة إلى إجراء عملي واقعي يقاوم المحتل، ويحقق الاستقلال معنويًّا وفكريًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، لقد حرص الإمام في خطته ووسائله أن يقاوم الاحتلال في مظاهره داخل النفوس والأفكار والعادات، وكان من مظاهر ذلك تحفيز الأمة لمقاطعة المنتجات الإنجليزية وصور الثقافة الغربية.

 

3- كما كان له رؤية عميقة بشأن تحقيق الاستقلال الاقتصادي ليسير هذا الهدف مع تحقيق الاستقلال من الاحتلال العسكري، ولهذا كان جهاده لتمصير الشركات وتشجيع المنتج الوطني، وإنشاء الصناعات الوطنية.

 

4- دعوته لتوحيد القوى الوطنية حول مشروع قومي واحد هو طرد المحتل وتحقيق الاستقلال الحقيقي، والنهوض بالأمة، وترك هذا التنازع الحزبي، واعتبر أن هذه الأحزاب قد حلَّ بها الفساد وأصبحت ألعوبةً في يد الإنجليز.

 

5- الاهتمام بالضغط الإعلامي والسياسي داخليًّا وخارجيًّا، واستيعاب المتغيرات العالمية وموازين القوى الجديدة والاستفادة من ذلك.

 

لقد كان أسلوب الإمام الشهيد يقوم على العمل المتكامل وفق إستراتيجية عميقة بعيدة المدى، احتاجت منه 20 عامًا ليصل إلى النتيجة التي استهدفها، وبهذه الرؤية؛ وذلك الإعداد كانت مسألة طرد المحتل قد حسمت وأصبحت المواجهة العسكرية ضد قواعده في القناة هي المرحلة الأخيرة والمسمار الأخير في نعشه، وقد أدرك الإنجليز ذلك وعرفوا أنهم سيرحلون قطعًا، ولكنهم كانوا يريدون أن يتفقوا مع مَن يعطيهم أكبر قدر من التنازلات.. وكان لكل هذه القوى الأجنبية هدف واحد وطلب واحد هو ضرب هذه الجماعة ومحاولة القضاء عليها.

 

ومن المهم الإشارة أن الإخوان قد رفضوا بحسم ووضوح الفكرة التي تحرك بها بعض الوطنيين بالترحيب بالألمان، وتقدمهم لاحتلال مصر نكاية في الاحتلال الإنجليزي، وكان منطلق رأي الإخوان نابع من عقيدتهم، وكيف نستبدل مستعمرًا بمستعمر آخر؟ وإن معنى الكفاح عندهم ينبع من تفجير طاقات الأمة لدفع غوائل الاستعمار أيًّا كان لونه إنجليزيًّا أو ألمانيًّا أو غير ذلك، ولهذا لم يشاركوا في تظاهرات بعض القوى السياسية التي كانت تهتف إلى الأمام يا روميل في 1942م.

 

موجز للفعاليات والعمليات التي شملتها خطة الإخوان:

1- حملات التوعية من صحف ومجلات ونشرات وبيانات صادرة من الإخوان، مع حرص الإخوان على ربط قضية الجلاء بالعقيدة، وأن تشمل الدعوة إلى فعاليات بكراهية الإنجليز ومقاطعتهم وعدم التعاون معهم، والضغط على المتعاونين معهم.

 

2- عقد المؤتمرات الشعبية والندوات الجماهيرية حول هذا الأمر، وكذلك مشاركة مؤسسات الجماعة كلها في ذلك:

أ- فكان المؤتمر العام السادس في 9/1/1941 للهيئة التأسيسية، ومسئولي شعب الإخوان، وتناول فيه الإمام برؤية واضحة شئون مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومشكلة احتكار الشركات الأجنبية.

 

ب- المؤتمر الذي دعا إليه المركز العام ثاني أيام عيد الفطر (8 سبتمبر 1945م) كل رؤساء المناطق والشعب، وأعلنوا فيه بأنه على بريطانيا الاعتراف بحق مصر في الاستقلال التام وضرورة نيلها الاستقلال ورفع القيود الاقتصادية والتجارية عنها، وألا تتدخل الحكومة البريطانية في شئون السودان، وأن تعترف الأمم المتحدة بحق مصر في ذلك (مجلة البلاغ- 11 سبتمبر 1945م).

 

ج- المؤتمر الشعبي في 28/8/1946م بالقاهرة وحضره نصف مليون فرد، وطالب ببطلان معاهدة 1936م، ورفض أي معاهدة قبل الجلاء التام عن وادي النيل.

 

د- كانت كل احتفالات الإخوان في المناسبات الوطنية أو الدينية، يعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الأساسية.

 

هـ- الندوات والدروس المسجدية وخطب الجمعة ، وكذلك جولات على المقاهي وأماكن التجمعات لشرح أبعاد القضية وواجب كل مصري تجاهها.

 

3- الحملات الشعبية الميدانية، ومن أمثلة ذلك:

أ- حمل تحريق مصادر الثقافة الإنجليزية (المجلات والمنشورات).

ب- حملة مقاطعة كل ما هو مكتوب باللغة الإنجليزية.

ج- حملة تحطيم اللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية في المؤسسات والمحلات (وذلك بأسلوب الإقناع وإثارة الروح الوطنية وليس بأسلوب التخريب أو الفوضى)؛ وذلك ضمن المقاومة الفكرية والثقافية لمظاهر الاحتلال.

 

د- حملة توزيع شارة الجلاء، وهي على شكل قلب ذات لون أحمر، وفي وسطها كلمة الجلاء، وقد تم توزيعها في جميع أنحاء البلاد فخرجت الأمة في يوم واحد تعلق هذه الشارة على صدرها.

 

4- حملات المقاطعة الاقتصادية: لكل المنتجات الإنجليزية، وكانت توجيهات الإمام الشهيد لأفراد الإخوان ولجموع الأمة: "لا تأكل ولا تلبس إلا من صنع وطنك"، وقامت بطبع قائمة بالمنتجات الإنجليزية، وكذلك مقاطعة المتعاونين مع الاحتلال.

 

5- الإضرابات المدنية، حيث قادها الإخوان ودعوا إليها جميع أفراد الشعب، وكان تفاعل الشعب معها، واستجابته لها أقوى من أي استجابة للقوى الأخرى، ومن هذه الإضرابات:-

أ- إضراب يوم الجلاء 21/2/1946.

ب- الإضراب العام 10/5/1946.

ج- الإضراب العام 8/6/1946.

د- الإضراب العام 21/2/1947. (وذلك كيوم وطني للجلاء).

هـ- الإضراب العام 26/8/1947. (استنكارًا لمعاهدة 1936).

 

6- المظاهرات الحاشدة، للمطالبة بالجلاء التام: حيث نظًّم الإخوان وقادوا عدةَ مظاهرات كبيرة منها:

 

أ- مظاهرة 9/2/1946م تحت قيادة طلبة الإخوان، وعلى رأسهم مصطفى مؤمن، وتوجهت إلى قصر عابدين.

 

ب- سلسلة مظاهرات متتالية، من ضمنها مظاهرة كوبري عباس 1946م؛ حيث فتح البوليس الكوبري على الطلاب، وأطلق عليهم الرصاص.

 

ج- مظاهرات أكتوبر 1946م بالقاهرة والأقاليم.

 

د- مظاهرات أغسطس 1947م من الجامع الأزهر بقيادة الإمام البنا، وكان هذا متزامنًا مع عرض قضية مصر على مجلس الأمن في 5/8/1947م.

 

وقد طلب الإمام يومها من جميع فئات الشعب أن يتوجهوا إلى المساجد في صلاة الظهر في ذلك اليوم للدعاء والمناصرة، وقد سبق هذا عشرات الفعاليات الجماهيرية الصغيرة والمتوسطة الحجم قبل هذا بسنوات.

 

7- الضغط على الحكومة ومطالبتها بإعلان بطلان معاهدة 36: وكانت الإضرابات والمظاهرات الحاشدة والبيانات وتعاون كل القوى السياسية في ذلك من الوسائل الأساسية للضغط على الحكومة.. وكانت المطالب التي احتشدت الأمة وراءها هي قطع المفاوضات- بطلان معاهدة 36- سحب القوات البريطانية من مصر ووادي النيل بلا قيد ولا شرط- وحدة وادي النيل.. واستمر الإخوان يقودون فعاليات ضاغطة في ذلك الأمر حتى تم إلغاء المعاهدة في حكومة الوفد في 10/10/1951م.

 

الضغط الإعلامي الخارجي: ومن أمثلة ذلك:

أ- إرسال أحد زعماء الإخوان (مصطفى مؤمن) إلى أمريكا أثناء عرض قضية مصر على مجلس الأمن في 5/8/ 1947م، ليرد على افتراءات الإنجليز، ويطالب بالجلاء التام عن مصر، ويعقد المؤتمرات الصحفية من أجل ذلك، ويسد الضعف والتراجع الذي كان عليه الوفد المصري هناك.

 

ب- مخاطبة الشعب الإنجليزي بنداء وجهه الإمام بعد الحرب العالمية لشعب إنجلترا، يطلب منهم الجلاء عن مصر طواعيةً، وإن إخلاف وعدها بالجلاء سيكلفها الكثير.

 

ج- استخدام الإمام الشهيد الضغط النفسي على الإنجليز، بتوجيه رسائل مفتوحة للشعب الإنجليزي وبرلمانه، كما أشار إلى أن سلطانهم سيزول على يد القوة الأمريكية الصاعدة بعد الحرب العالمية، وأن الأفضل لها أن تنسحب (والدي الشهيد أ. سيف الإسلام صـ33).

 

وأعلن أكثر من مرة أن جرائمها لن ننساها، وسيأتي اليوم الذي نحاسبها عليها، وأن ما نهبته من اقتصاد مصر، ومن أموالها دين عليها يجب أن توفيه.

 

8- زرع عناصر لهم داخل القواعد الإنجليزية والرصد وتجميع المعلومات عن قوات الاحتلال والشريحة المتعاونة معهم... وقد بلغ الإخوان شوطًا كبيرًا في ذلك رغم الإمكانيات القليلة وظهرت كفاءة ذلك في عمليات المقاومة.

 

9- إنشاء الجهاز الخاص 1940م، الذي يُعد كنواةٍ للمقاومة الفعلية، وكان برنامج التربية والتكوين الشديد لأعضاء هذا الجهاز يؤهلهم لمستوى عالٍ من العقيدة ومن الانضباط والاستعداد للتضحية، وكان لبطولاته على أرض فلسطين ثم على ضفاف القناة ما أذهل الأعداء وأثار رعبهم.

 

10- تأمين منظومة السلاح وإعداد المجاهدين بها، عند مرحلة العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال.. وقد استفاد الإخوان من مخلفات معارك الحرب العالمية الثانية، واعتمد الإخوان على جيوبهم ومواردهم في شراء المناسب من الأسلحة، وكذلك في ترتيب عمليات جريئة للحصول عليه من داخل المعسكرات الإنجليزية ومخازنها.

 

11- ترتيب آليات التدريب وتوظيف عناصر الجيش والشرطة التي انضمت للإخوان.

 

12- القيام بعمليات نوعية صغيرة بدءًا من عام 1940، وذلك لعمل إزعاج للمحتلين، وتدريب المجاهدين، ولكن لم يعلن الإخوان عن نسبة هذه العمليات لهم تأمينًا للإعداد، ومن أمثلة هذه العمليات:

 

أ- إلقاء قنابل على النادي البريطاني في أيام عيد الميلاد سنة 1942م، وسنة 1947م، واتهم فيها الطالبان نفيس حمدي وحسين عبد السميع، وهما من شباب الإخوان ومن أعضاء النظام الخاص.

 

ب- الجناية العسكرية رقم 88 لسنة 42 قسم الجمرك التي اتهم فيها جمال فكيه ومحمد عبد السلام فهمي بأنهما يعدان جيشًا لمحاربة الإنجليز.

 

ج- حادث القطار الذي كان يحمل جنودًا إنجليز في الشرابية، فألقيت عليه القنابل من الرصيف إلى داخل القطار أثناء تهدئته ورصدت الحكومة خمسة آلاف جنيه لمَن يتقدم لها بدليل لضبط الفاعل.

 

لا ندعي أن كل الحوادث والعمليات كانت من عمل الإخوان، فقد كان هناك أيضًا بعض الأفراد والمجموعات الصغيرة المتحمسة من أفراد الشعب، ولكن الفرق كان جوهريًّا، فكان هناك حرص من الإخوان على ألا يُصاب أحدٌ من المصريين، وأنها كانت ضمن إستراتيجية مستمرة ومتصاعدة.

 

13- مقاومة الجانب الاقتصادي للاحتلال الأجنبي: كان من وسائل المقاومة التي دعا إليها الإمام الشهيد، وانتهج بشأنها نهجًا عمليًّا، مقاومة التبعية والارتباط الاقتصادي بالاحتلال الإنجليزي، واتخذ ذلك مسارات مختلفة بجانب المقاطعة لمنتجاته:

 

أ- نادى الإمام باستقلال نقد الوطن، وألا يرتبط بأي عملة أخرى: "إن الإسلام يوجب استقلال نقدنا واعتماده على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا لا على أذونات الخزانة البريطانية، ودار الضرب البريطانية، والبنك البريطاني، ومن أفظع التغرير بهذا الشعب أن يسلم جهوده ومنتجاته نظير أوراق لا قيمة لها إلا بالضمان الإنجليزي".

 

ب- واهتم كثيرًا بقضية تمصير الشركات وإحلال رءوس الأموال الوطنية محل رءوس الأموال الأجنبية، كلما أمكن ذلك وتخليص المرافق العامة- وهي أهم شيء للأمة- من يد غير أبنائها، فلا يصلح بحال أن تكون: الأرض والبناء، والنقل، والماء، والنور، والمواصلات الداخلية، والنقل الخارجي حتى الملح والصودا في يد شركات أجنبية تبلغ رءوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات لا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني إلا البؤس والشقاء والحرمان" (رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).

 

ج- وكذلك التصدي لاستغلال الشركات الأجنبية لثروات البلاد، واستغلالها للعامل المصري، والضغط لإحلال العمالة المصرية محل الأجنبية. (مجلة التعارف يونيو 1940- وكتاب دور الإخوان المسلمين في المجتمع المصري. ج6 ص،78).

 

د- كما حذَّر الإمام من السيطرة الإنجليزية على الاقتصاد المصري، وكذلك من الشركات اليهودية، وكيف أن 320 شركةً أجنبيةً تسيطر سيطرة كاملة على اقتصاد الوطن. (مجلة النذير أغسطس 1939، وكتاب الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ج1 277- 278).

 

هـ- تقديم حلول عملية في هذا الميدان بتكوين الشركات الوطنية وتشجيع الملكيات الصغيرة، وقام بتأسيس عددٍ من الشركات الوطنية.. مثل شركة التعدين، شركة لصناعة الزجاج- شركة الصحافة- شركة الطباعة- شركة المعاملات الإسلامية.. إلخ.

 

و- كما طالب بسرعة استغلال منابع الثروة الطبيعية والعناية بالمشروعات الوطنية وتشجيع الصناعات المنزلية.. إلخ (رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي)

 

14- معارك القناة وتنظيمها: مع استمرار تصاعد وتيرة العمليات الفردية والصغيرة ضد قوات الاحتلال، ومع التحرك السياسي والزخم الجماهيري وتعبئة الأمة، انتقل الإخوان إلى المرحلة الأخيرة في المواجهة العسكرية مع قوات الاحتلال، ونشير باختصار إلى ملامح هذه المواجهة وبعض الأحداث المهمة فيها:

 

1- لقد دخل الإخوان معارك القناة بكتائب النظام الخاص، ومن جميع شُعب الإخوان على امتداد خط القناة ومحافظة الشرقية، بخلاف أعداد المتطوعين الإخوان من أنحاء القطر، وكذلك أعدوا كتيبة من طلاب الجامعة من خلال معسكرات التطوع.

 

2- كان الإخوان بمنطقة الإسماعيلية من أسبق الشُّعب في العمليات العسكرية ضد الإنجليز حتى قبل إلغاء المعاهدة؛ حيث كانت تقوم بـ: خطف لقادة الإنجليز- نسف لطرق قوافلهم- مهاجمة معسكراتهم- وكانوا هناك تحت قيادة الشهيد الشيخ محمد فرغلي والشهيد يوسف طلعت حتى إن الإنجليز أعلنوا عن مكافأة سخية لمَن يرشد عن أيهما.

 

3- وكذلك في السويس نجح الإخوان في ضرب مخازن الذخيرة وصهاريج البترول.

 

4- وكانت هناك مجموعة "كامل الشريف" و"محمد سليم"؛ حيث كانت تعمل في المنطقة من الإسماعيلية حتى بورسعيد.

 

5- ومجموعة منطقة القنطرة، اشتهر منهم "د. عصام الشربيني" و"فتحي البوز" و"فوزي فارس".

 

6- وكذلك مجموعة بورسعيد بقيادة "علي صديق"، وكانت تضم عددًا من طلبة الإخوان والنظام الخاص، منهم الإخوة: "يوسف علي يوسف" و"فتحي العجمي" و"إسماعيل عارف".

 

7- وكتيبة جامعة القاهرة (كان اسمها وقتها جامعة فؤاد)، وهي من طلبة الإخوان المسلمين بالجامعة، وقد انضمًّ إليها بعض الأفراد الوطنيين من غير الإخوان، وكانت بقيادة "حسن دوح"، وتركزت عملياتها في منطقة القرين والتل الكبير.

 

8- افتتح الإخوان أيضًا معسكرات للتدريب في جامعات مصر تحت قيادتهم:

 

أ- معسكر جامعة الأزهر، يشرف عليه الأخ د. أحمد العسال

 

ب- معسكر جامعة عين شمس، يشرف عليه الأستاذ "مهدي عاكف" والأخ د. "سعيد النجار"، و"وائل شاهين".

 

ج- تولى كامل الشريف قيادة نصف خط المواجهة (من الإسماعيلية حتى بورسعيد) لمدة 6 شهور، ثم توحيد قيادة الجبهة كلها لمنطقة القناة إلى الأخ محمود عبده؛ وذلك بعد معركة التل الكبير المشهورة.

 

9- من نماذج العمليات المؤثرة التي قاموا بها:

أ- نسف كوبري أبو حليفة.

ب- نسف القطار الحربي الإنجليزي بالقرب من الإسماعيلية.

ج- نسف معسكر أبو سلطان ومخازن الذخيرة به، وقد استمرَّ الحريق عدة أيام.. وقد قام بهذه العملية الجريئة الشهيد يوسف طلعت. 

د- ضرب المصفحات الإنجليزية والدوريات الراكبة. 

هـ- نسف القطار الحربي بمنطقة الكاب. 

و- نسف الخطوط الحديدية وإعاقة حركة المواصلات التي يستخدمها الإنجليز. 

ز- معركة التل الكبير؛ حيث نسف الإخوان الخط الحديدي، وقتلوا نجدة سلاح المهندسين الإنجليز بالكامل، ثم اشتبكوا في نطاق واسع مع القوات الإنجليزية هناك عند ترعة الإسماعيلية، وكسروا الحصار الذي حاول الإنجليز فرضه، واستشهد فيها من الإخوان "عمر شاهين"، و"أحمد المنيسي"، في 11 يناير 1952م. وأحدثت هذه المعركة دويًّا سياسيًّا وشعبيًّا كبيرًا. 

ح- كان للشيخ محمد فرغلي دور معروف في فك حصار القوات الإنجليزية على مبنى محافظة الإسماعيلية في 25 يناير 1952م، وأرغمهم على الانسحاب في نهاية الاشتباكات التي استشهد فيها عدد كبير من جنود الشرطة المصرية.

 

10- كانت هناك عشرات بل ومئات العمليات، وكانت جميع شعب الإخوان على امتداد منطقة القناة في حالة استنفار وعمليات قتالية مستمرة، وساعد الإخوان فيها أيضًا الإخوان الضباط الذين كانوا بالجيش المصري وقتها مثل اليوزباشي عبد المنعم عبد الرءوف، واليوزباشي عبد الفتاح غنيم، وعدد من الضباط الأحرار الذين كانوا أعضاء قبل ذلك في الإخوان، وكذلك المرحوم اللواء صلاح شادي (من ضباط الشرطة).. وأحال الإخوان حياة الإنجليز بالقناة إلى جحيم لا يطاق.

 

11- لقد سار الإمام حسن الهضيبي على نفس السياسة وعلى نفس المراحل التي رسمها الإمام البنا، وكان في عزمته في كفاح الإنجليز أقوى عزيمة وأشدّ صلابة من كل من حوله من الشباب الذين كلفهم ووجههم لقيادة وخوض معارك القناة.

 

ومضى ركب المجاهدين والشهداء إلى غايته، وأبى المرشد أن ينسب فخار هذا الجهد للإخوان المسلمين وحدهم، وإنما أعلن للناس كافة وللإنجليز خاصةً، أن الأمة كلها قامت لتجاهد الاحتلال حتى لقد رفض أن يكون تشييع جنازة الشهيد عمر شاهين وأحمد المنيسي من المركز العام للإخوان المسلمين، وإنما أصرَّ أن تخرج من ساحة جامعة فؤاد (جامعة القاهرة حاليًّا) في الجيزة لتكون رمزًا لجهاد الشعب كله وليس للإخوان المسلمين خاصة.

 

وكل ذلك كان بفضل الله نتيجة هذا الجهد؛ وذلك الإعداد طوال تلك السنين..

والله أكبر ولله الحمد،،

----------

* عضو مكتب الإرشاد