وقولوا للناس حسنًا

بقلم: د. عبد الرحمن البر

الحمدُ لله الذي أَكْرَمَ خَوَاصَّ عبادِه بالأُلْفةِ في الدين.. ووفَّقهم لأكرمِ عباده المخلصين.. ورزقهم الشفقةَ على المؤمنين.

 

وصلى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّه سيدِنا محمدٍ المصطفى.. وعلى آلِه وأصحابِه وأزواجه الأتقياءِ الشُّرَفَا.. ومَنْ بهم اقتدى ولآثارهم اقتفى.

 

وبعدُ أيها الإخوة الكرماء.. فقد جاءني صديقي النبيهُ ذاتَ مساء.. وأنا جالسٌ أتجاذبُ أطرافَ الحديثِ مع أحدِ الزملاء.. فلما دخل أقبل إليَّ بعيونه.. وسلَّم عليَّ مِنْ دونه.. فقلتُ: سلِّم على زميلِنا تمام..

 

قال: ليس بيني وبينه سلام.. ذاك شخصٌ متلوِّنٌ بوجهين.. يتكلم مع الناس بلسانين.. وقد قال سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم: "شرُّ الناس ذو الوجهين".. إذا غبتَ عابك عند الإخوان.. وإذا رآك استقبلك بالأحضان.. ثم هو يتتبع عثراتِ الإخوان.. ولا يلتمس عذرًا لإنسان.. وقد أقسمتُ يمينًا لا أتكلم إليه.. ولا ألقي السلام إن قابلتُه عليه.. حتى يُصلِحَ مِنْ حاله.. ويُراجعَ كلَّ أفعالِه.. أَنَسِيتَ ما أحدث منذ أيامٍ بفِعْلَتِه الشنيعة.. حين حاول الدسَّ والفتنةَ والوقيعة.. بين أخويْنا  عبدِ الله وعبدِ الرحمن.. لولا سترُ الكريم المنَّان؟

 

ثم التفت صديقي النبيهُ إليه.. وقال: وبعد هذا تريدُني أنْ أسلِّمَ عليه.. هذا والله لن يكون.. ومن دونه حصول المَنون.

 

وعندئذٍ هبَّ زميلُنا تمام.. الذي أصابه الذهولُ من هذا الكلام.. وقال: بل أنت المنافقُ الكذوب.. والصديقُ المراوغُ المتلوِّنُ اللعوب.. ولقد صدقتِ العربُ وما ضلَّت.. حين قالت: رَمَتْنِي بدائِها وانسلَّت.. كم فيك من خُلُقٍ رديء.. وكم تُحْرجُ الإخوانَ وكم تُسيء.. حتى ملَّك الأصدقاءُ وكرهوك.. بعد أن عرفوا عيوبَك وكشفوك..

 

وكاد الاثنان أن يتشابكا.. وقاما وهمَّا أن يتعاركا.. لولا أنَّ اللطيفَ الغفور.. أعانني على تهدئة الأمور..

 

وأقسم يمينًا بالله تمام.. ألا يبقى في المجلس بعد هذا الكلام.

 

وخَلاَ مجلسي بصديقي النبيه.. فقلتُ: ما كنتُ أظن أن يصدرَ منك هذا الفعلُ السفيه.. فهَبْكَ لا ترضاه.. ولا تحتملُ أنْ تلقاه.. ألاَ قدَّرْتَ مودَّتي.. وراعيْتَ يا صديقي حُرْمتي..

 

قال: أنا امرؤٌ أحبُّ الحقَّ حيث كان.. أواجهُ مَنْ أَلْقى بعيبِه أيًّا كان.. أقول للأعور: يا أعور.. ولا أهتم إن يغضبْ أو يَزْوَر.. والحقَّ أقول يا شيخي الحبيب.. أنا في عجبٍ من أمرِك وفعلِك عجيب.. كيف تجالس هذا الشخص الماكر الجاهل؟.. وأنت نفسَك بالأمسِ رَوَيْتَ لي قولَ النبي الكامل صلى الله عليه وسلم.. "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ".. وأسمعتني القولَ الحسن.. للإمام عليٍّ أبي الحسن رضي الله عنه (لا تصحب أخا الجهل إياك وإياه.. فكم من جاهلٍ أَرْدَى حليمًا حين آخاه.. يُقاس المرءُ بالمرءِ إذا ما المرءُ ماشاه.. وللشيءِ من الشيء مقاييسُ وأشباه.. وللقلبِ من القلب دليلٌ حين يلقاه).

 

أو لستَ أنت من أيامٍ قلائل.. أسمعْتَنِي وصيةَ عالمٍ من الأوائل.. قال لابنه وهو يدلُّه على سبيل الكمال: .. يا بنيَّ إنْ عَرَضَتْ لك حاجةٌ إلى صحبةِ الرجال.. فانظرْ مَنْ إذا حدَّثْتَه صانك.. وإنْ صحِبْتَه زانك.. وإن رأي منك حسنةً عدَّها.. وإن رأى منك سيئةً سدَّها.. وإن سألتَ أعطاك.. وإن سكتَّ ابتداك..

 

أليس عجيبًا يا شيخَنا بعد كل هذا الحديث.. أن أراك تجالس هذا الشخص الخبيث!!

 

قلت: عفوًا يا أخلصَ الأصدقاء.. لقد حفظتَ عني شيئًا وغابتْ عنك أشياء.. لستُ أنكر أنَّ زميلَنا هذا علي ما وصفت.. وأنا أعرف عنه أكثر مما عرفت.. لكنَّ الحكمةَ رأسُ مال العقلاء.. وحُسْنَ التلفُّظِ بضاعةُ السعداء..

 

أوَ ما رويْتُ لك منذ أيام.. أن النبي عليه الصلاة والسلام..  كان لا يواجه أحدًا في وجهه بشيءٍ يكرهُه.. وأنه لم يكن يعيبُ أحدًا أو يفضحُه.. وأنه قال لعائشة الزكيَّة.. ذاتِ السِّيرةِ المَرْضِيَّة: "إِنَّ اللَهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ".. فالرفق يصلحُ العيش به مع الخلق أكثرِه وأقلِّه..

 

ألم نقرأْ معًا قولَ الرجل النبيل.. الربيعِ بن خُثَيْم التابعيِّ الجليل.. الناسُ رجلان اثنان.. أفضلُهما: مؤمنٌ فلا تُؤْذِ أهلَ الإيمان.. والثاني: امرؤٌ سيِّئ جاهل.. فلا تُجَاهِلْه أيُّها الزكيُّ العاقل.

 

أو ما رويتُ لك حديثَ أم المؤمنين.. عائشةَ صاحبةِ الخلق والدين.. أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ الأمين.. فَلَمَّا رَآهُ المصطفى صاحبُ أطيبِ سريرة.. قَالَ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ".. فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِى وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ.. فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ أسرعتْ عَائِشَةُ متعجبةً إليه.. فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ ما قلت عليه.. ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ حين دخل وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ!!.. فَقَالَ المصطفى رَسُولُ المرحمة صلى الله عليه وسلم.. لعائشةَ المطهَّرةِ المكرَّمة: "مَتَى عَهِدْتِنِي يا ابنة الصديق.. فَحَّاشًا أو أقول ما لا يليق.. إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً في يوم مستقره.. مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ أو اتِّقَاءَ شَرِّهِ".

 

ألم أقرأْ عليك حديثَ إمام المرسلين صلى الله عليه وسلم.. إِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ يا عباد الله المؤمنين.. فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَاحِشَين وَالْمُتَفَحِّشَين.

 

قال صديقي أدام الله عليه نعمةَ الدين: لكنَّ هذا يا شيخَنا يُجَرِّئُ الفاسدين.. على أهلِ الصلاحِ والخيرِ من المؤمنين.. فيخدعونهم ببديعِ الألفاظِ والكلمات.. مستغلِّين فيهم سلامةَ القلوبِ والنيَّات.. فهل كشفُهم وفضحُهم يُعَدُّ من السيئات!.

 

قلت: اسمع يا ابنَ الكرام.. ما قال بدرُ التمام وخيرُ الأنام ومسكُ الختام صلى الله عليه وسلم.. بعد أن حذَّر أحبَّتَه من فُحْش الفعل والكلام.. قال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُؤْتَمَنَ الْخَائِنُ وَيُخَوَّنَ الْأَمِينُ.. وحَتَّى يَظْهَرَ الْفُحْشُ وَالتَّفَحُّشُ وَقَطِيعَةُ الْأَرْحَامِ وَسُوءُ الْجِوَارِ بين المسلمين.. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لَكَمَثَلِ الْقِطْعَةِ مِنْ الذَّهَبِ أو الدُّرَّة .. ألقاها صَاحِبُهَا في النار ونَفَخَ عَلَيْهَا فَلَمْ تغَيَّرْ وَلَمْ تَنْقُصْ مثقالَ ذرَّة.. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لَكَمَثَلِ نحْلَةِ العسَل.. أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِرْ وَلَمْ تُفْسِدْ ولم يحصل منها الخَلَل".

 

وكذلك قال المصطفى عليه الصلاة والسلام.. إِنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا فِي شَىْءٍ مِنَ الإِسْلاَمِ.. وَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ دينا وإِسْلاَمًا.. أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وأفضلهم لفظًا وكلامًا.

 

أليس هو القائلَ يا ابن الكرام.. "الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ" يا أهلَ الإسلام.. وقد كان صلى الله عليه وسلم يتخير في خطابه ويختار أحسنَ الألفاظِ والعبارات.. وأجملَها وألطفَها وأبعدَها من ألفاظِ أهل الجفاءِ والفُحشِ والمنكرات.

 

قال صديقي أزاح اللهُ عنه الهمومَ والغموم:.. ألا يقع الإنسانُ بهذا يا شيخَنا في النفاق المذموم.. ألم يقل الله يا شيخنا في سورة (ن).. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون﴾؟..

 

قلتُ لصاحبي أسعدَ اللهُ صباحَه ومساءَه:..العاقلُ يا صديقي هو مَنْ يستوعبُ جُلَساءَه.. ويترفقُ بهم حتى يُصْلِحَ ما فَسَدَ من طِباعِهِم.. ويُقَوِّمَ ما اعوجَّ من تصرفاتهم وسلوكِهِم.. ويصبرُ على ذلك مِنْ غير مَلَلٍ ولا إِعْنات.. وقد عدَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك من الصدقات.. فقال سيدُ الكائنات.. عليه أفضل الصلوات والتسليمات..: "مداراةُ الناسِ من الصدقات".

 

والنفاقُ يا ابنَ السادة الكرام.. أن تشاركَهم في المنكراتِ والآثام.. أو تُزَيِّن قبيحَ فِعَالِهم.. أو ترضى بباطلِهم وسيئِ خصالهم.. وتلك هي المداهنة المذمومةُ المعدودةُ في الأباطيل.. ومنها أُتِيَ يا صديقي بنو "إسرائيل".. حتى لُعنوا على لسان الأنبياء الكرام.. داود وعيسي ابن مريم عليهما السلام.. وقد قيل:

دَارِ مِنَ النَّاسِ مَلاَلاَتِهِمْ      مَنْ لَمْ يُدَارِ النَّاسَ مَلُّوهُ

ومُكْرِمُ النَّاسِ حَبِيبٌ لَهُمْ     مَنْ أَكْرَمَ النَّاسَ أَحَبُّوهُ

قال محمدُ بن علي بن أبي طالب المعروفُ بابن الحنفية: ليس بحكيمٍ مَنْ لم يُعاشِرْ بالمعروفِ والمُداراةِ المُرْضِية.. مَنْ لا يجدُ من معاشرتِه بُدًّا يا معشر المسلمين.. حتَّى يأتيه اللهُ منه بالفرجِ أو المَخْرَجِ المكين.

 

فالمداراةُ المطلوبةُ المحمودة للجلساء.. تكون في التلطُّفِ معهم يا أعزَّ الأصدقاء.. والرفقِ بهم بنيَّةِ إصلاحهم.. وتغييرِ منكراتهم.. مع تجنُّبِ ما يؤدِّي إلى نفورِهم وملالاتِهم.. حتى تنشرحَ صدورُهم للخير.. وتلينَ جلودُهم وقلوبُهم للصلاةِ والذكر.

 

وهذا الذي كان أوْلَى بك فعلُه.. وغريبٌ علي مثلك جهلُه.

 

ثم هل رأيتَ ما الذي أدَّى إليه فعلُك.. وكيف أدَّى إلى سوءِ قوله فيك قولُك.. فأفسدتَ من حيثُ ظننتَ الإصلاح.. وخسرتَ من حيثُ توهَّمتَ تحقيقَ الأرباح.. وتعرَّضْتَ بسوءِ لفظِك للاتِّهام.. ورُمِيتَ بالقبائحِ والآثام.. ولله الحكمةُ البالغةُ إذْ نهانا عن سبِّ عُبَّاد الأصنام.. حتى لا ندفعَ الجُهَّالَ لسبِّ الملك العلام.. فقال وقوله الحق آمرًا بالأناةِ والتعقُّل والحِلْم.. ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: من الآية 108).

 

ومسك الختام والمقصد الأسنى.. قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.. بل اسمع إلى هذا التوجيه الإلهي الواضح الأبين.. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: من الآية 53).

 

قال صديقي: إنا لله.. أين غاب عني كلُّ هذا وتاه.. فأستغفر الله ثم أستغفر الله.. وأسأل اللهَ أن يرزقني العلمَ والحِلْمَ والأَنَاة.. وأن يُلْزِمَني نهجَ حبيبِه ومصطفاه.. وأما ذلك الإنسانُ فإني قادمٌ عليه.. ومُعْتَذِرٌ من سوءِ فِعْلي إليه.

 

قلت: هذا فعلُ الحكماء.. وخُلُق الكرماء.. فرعاك ذو المنِّ والعطاء.. وصلى اللهُ على خاتم الأنبياء.. وعلى آله النجباء.. وأصحابه البررة الأتقياء.. ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه ما بقيت الأرض والسماء.

 

أسأل الله أن يلزمنا الحكمة.. وأن يجعلنا أهلاً للرحمة.. وأن يسعدنا بحسن الكلام وحسن الفعال.. وأن يجعلنا من عباده الصالحين في الحال والمآل.. إنه ولي كل توفيق.. والهادي لأقوم طريق.

 

وصلى الله على نبينا محمد الأمين.. وعلى آله وصحبه والتابعين.. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

-----------

** عضو مكتب الإرشاد، وأستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر.