لم يكن يومًا محمود رضا عباس عباس رئيسًا حقيقيًّا للشعب الفلسطيني، أو ممثلاً لمصالحه وطموحاته، حتى يحزن الشعب أو يأسف على رحيله القادم لا محالة، سواء بإعلان خادع كما فعل قبل أيام، أو بعزله وانتهائه حيث انتهى أمثاله، بل إن دوره في دعم الاحتلال والدفاع عنه وتبرير جرائمه، يجعل من رحيله بأي طريقة خبرًا مفرحًا، يتمناه كل وطني حر غيور ولسان حاله يقول "غير مأسوف عليه".
لا شك أن لعباس أسبابه لذلك الإعلان الذي اعتبره البعض المنافق الممالق قلبًا للطاولة، ولا ندري أي طاولة تلك التي يتحدثون عنها، ولا شك أن هذا البعض لديه الكثير ليخسره في حال نفذ عباس ما جاء في إعلانه إياه، ولا شك أن من جاء بعباس وفصل منصب رئاسة الوزراء على مقاسه أيام عرفات قد تخلي عنه بعد أن انتهت صلاحيته وفائدته، لكن علينا أولاً وقبل الولوج في تلك الأسباب الوقوف ولو على عجالة على ما ورد في ذلك الإعلان:
* رغم أن الجميع ركز على غضب عباس على الولايات المتحدة الأمريكية وشركائه الأبديين في عملية السلام أي الاحتلال، إلا أنه خصص وبدون سبب نصف خطابه للتهجم على حركة حماس والمقاومة بشكل عام.
* ورغم إعلانه عن فشل نهجه العبثي التفريطي التنازلي الذي يصل حد الخيانة، إلا أنه تمسك به، ربما لأن "الحياة مفاوضات"!
* حدد عباس نقاطًا ثمانيةً اعتبرها مرجعيات وأسسًا لعملية السلام المزعوم، وهي في مجملها مزيد من التفريط والتنازل المجاني، والذي رغم ذلك لن يقبل بها الاحتلال.
* لم يعلن عباس استقالته، ولم يعلن عدم ترشحه رسميًّا، بل تحدث وبالنص عن "عدم رغبتي بترشيح نفسي لانتخابات الرئاسة القادمة".
الضجة المفتعلة، ومحاولة تحريك الرعاع في الضفة الغربية لإعلان تأييدهم للمرشح الواحد الأوحد، المنقذ والأمل الوحيد، وهي المهمة التي فشلت بجدارة لفرحة الناس بقرب التخلص من عباس ورفضهم المشاركة في مسيرات مفترضة لدعمه، وتحرك الأجهزة والمؤسسات الرسمية في الضفة في محاولة لتلميع وجه من يرفضه الشعب، رغم تقاعس وتآمر ذات المؤسسات عن دعم غزة إبان العدوان عليها، أو نصرة للأقصى والقدس، ومنع وقمع التظاهرات حينها والسماح بها لعيون عبّاس اليوم، هي في جلها ضجة تكمل المطلوب من الإعلان الوهمي لتحويل عباس إلى رجل وطني شهم، وهو أبعد ما يكون عن ذلك.
حتى لو افترضنا جدلاً أن عباس ترك منصب الرئاسة المزعومة لسلطة وهمية تابعة للاحتلال وفاقدة لكل ما يمت للوطنية بصلة، فإنه ومن خلال باقي المناصب التي اغتصبها سيبقى متحكمًا فيما يريد التحكم به، ولنتذكر أنه استأثر لنفسه بالمناصب التالية:
* رئيس دولة فلسطين (الوهمية).
* رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية (اللا وطنية).
* القائد العام لحركة فتح (برفع الأيادي لمنصب لا وجود له).
* القائد العام للقوات المسلحة الفلسطينية (التابعة لدايتون وتحت وصاية الاحتلال).
* رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (فاقدة الشرعية).
وما يهم هنا هو المنصب الأخير، الذي روج ويروج أركان أوسلو له باعتبار المنظمة هي مرجعية السلطة، والمخولة بإدارة ملف المفاوضات، وهذا ما يعني عبّاس تحديدًا، أي أنه حتى لو ترك موقع الرئاسة الذي يغتصبه منذ شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، فسيبقى على ادعائه بأنه يمثل الشعب الفلسطيني من خلال رئاسته للجنة فاقدة للشرعية والنصاب والقانونية، لمنظمة لا تمثل بشكلها الحالي أحدًا.
ولا نستبعد أن يقوم عباس بمناورة أخرى لتفريغ سلطته من نفسها، وتسليم المنظمة زمام الأمور بحجة عدم إمكانية إجراء انتخابات، وتحت مسمى الفراغ الدستوري والقانوني، ليبقى هو إلى أبد الآبدين من يدير الأمور. وحتى لو افترضنا أن ما سبق غير صحيح، وأن عبّاس سيترك مناصبه التي استمات في تجميعها رغم انتقاده لسلفه على فعل ذات الشيء، وبأنه سيمارس هوايته المفضلة في السفر والتنقل خارج فلسطين حتى في ظل أعتى الظروف، فإن إراحة الشعب من شخص مثل عبّاس أمر لا يكفي، لأن المشكلة هي في نهج وتيار منحرف باع نفسه وضميره لصالح الاحتلال، ولن يعجز الاحتلال ومن يتبعه في ايجاد شخص أسوأ من عبّاس- إن وجد- ونعتقد أنهم يصطفون لهذا المنصب من داخل وخارج حركة فتح. بقي عبّاس أو رحل غير مأسوف عليه، استقال أو اقيل، أراح أو استراح، لن يغير ذلك من الأمر في شيء، اللهم إلا كونه أكثر الناس حتى اللحظة على الأقل استعدادًا للتفريط والتنازل، وبالتأكيد هناك متسع في مزابل التاريخ، والذي يغير في الأمر هو رفع المصيبة المسماة سلطة وطنية عن كاهل شعبنا، واستعادة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من براثن مختطفيها، وإعادة القضية لمكانها الطبيعي ضمن معادلة احتلال ومقاومة للاحتلال. ضجة وضجيج، قيل وقال، تحليلات هنا وهناك، وكما يقول المثل: الجنازة حامية و.....
لا نامت أعين الجبناء.
-------------
* كاتب فلسطيني- DrHamami@Hotmail.com