أقبل رمضان وتزيَّنت الدنيا لاستقبال هذا الشهر، وسارع المؤمنون إلى تخطيط حياتهم لاغتنامه؛ أملاً في نيل رضوان الله، غير أن كثيرًا من الناس من أصبح يطبِّق حديث رسول الله على غير وجهه، الذي يقول فيه: "يا أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا"، فقد جعل الناس صيام هذا الشهر تطوعًا وقيامه فريضة، نعم.. هذه هي الحقيقة التي يحياها الناس الآن، ينامون طول النهار بحجة أنهم صائمون، ويقومون طول الليل لا يتعبَّدون لله بالطاعة، لكن يعصونه بالسهر أمام التلفاز وعلى المقاهي، ويظلون طول الليل يأكلون، ظانِّين أن هذا هو الصيام، ومن ثم تحوَّلوا إلى أحرار عبيد، مثل الأحرار العبيد الذي يترنَّمون بالحرية الغربية وقد نَسُوا أن الحرية في شرع الله.
وما أكثر ما نتحدث عن الحرية ونترنَّم بذكرها، وننشدها مع أمتنا التائهة, ولكننا حين نسعى لتطبيقها لا نرى لها أثرًا فيما بيننا!.
وما أكثر ما نتحدث عن حرية الفكر وحرية الضمير وحرية الوطن، ولكننا نبحث عن نصيب هذه المعاني من الواقع فلا نجد لها أثرًا!.
أصبحت كلمةً تُكتب، ومعانيَ تُنشَر في حياتنا، ولا وجود لها بين أنفسنا، ولا معنى لها.
أصبحنا عبيدًا أحرارًا.. عبيدًا لأنفسنا والدنيا باطنًا, أحرارًا أمام الناس ظاهرًا.. الكل يظن نفسه حرًّا لكنه في الحقيقة أصبح عبدًا منذ أن خالف تعاليم السماء، وركَن إلى تعاليم الأرض, أصبح في عداد الموتى, هو حي يُرزق لكنه ميتُ القلب والروح؛ كل ذلك لأننا تمرَّدنا على عبوديتنا لله، ورضِينا باستعباد الإنسان لنا فأصبحنا عبيدًا لأهل الغرب والشرق, نأخذ منهم كل حلو ومرٍّ دون أن نميِّز, دسُّوا لنا السم في العسل فتجرَّعناه بطيب نفس؛ لأنهم هم السادة والأحرار.
أصبحنا نتحرر في ملابسنا وتصرفاتنا ومعاملاتنا، ظانِّين أنها الحرية التي ننشدها، وأن الدين والتدين هما مصدرا التخلف والرجعية والاستبداد, وكل ذلك من وصف الغرب لنا.
نعم.. نحن أحرار عبيد عندما سرنا في ركب الدول الغربية، وأخذنا عنهم حريتهم المزعومة.. حياة كلها رياء وطاعة عمياء وقيود حديدية وإدارة ميكانيكية لا رأي لها ولا إرادة.
حياة تصدر بإشارة الغير، وترد بإشارة الغير، فهي تتعرَّض لعنت أعداء الإسلام, فهم دائمًا يُشعروننا بأننا عبيدٌ لهم، لا رأي لنا، ولا كلام يُسمع منا، أصبحوا الآمرين الناهين في ممتلكاتنا.
إن اليوم الذي يتمتع فيه الإنسان بالحرية التامة هو اليوم الذي يصبح فيه قادرًا على استعباد نفسه وتذليلها لأوامر ربها, وليست الحرية هي التحرر من قيود المجتمع وتقاليده كما نرى في شعوبنا الإسلامية.
إن اليوم الذي يتمتَّع فيه الإنسان بالحرية هو اليوم الذي يصبح فيه قادرًا على مواجهة الغرب وأعداء الدين، والوقوف في وجههم دون خوف من قطع معونة، أو رهبة من الإغارة عليه.
إن اليوم الذي يتمتع فيه الإنسان بالحرية هو اليوم الذي يستطيع أن يعود بدينه كما كان عليه السلف الصالح, عندما كان ينادي الحاكم فيهم مخاطبًا زعيم الغرب: "أطلق سراح المرأة وإلا سيَّرت لك جيشًا أوله عندك وآخره عندي"، عندما كان يقول الواحد منهم: "جئت لك بأناس يحرصون على الموت كحرصكم على الحياة"، أناس قال الله فيهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: من الآية 54)، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ.......﴾ (آل عمران).
أناس أحيا الله قلوبهم، وأرهب عدوَّهم، وأنار طريقهم، فسادوا العالم، ونشروا معنى الحرية الحقة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)﴾ (الأنعام).
إذًا لنترك هذه الحرية التي يمنِّينا بها الغرب، ولننْسَها رويدًا؛ ففي البحث عنها عناءٌ لا طائلَ من ورائه, ولنفكر في الحرية التي رسمها لنا الله، ولنكن شجعانًا في مجابهة الحقيقة الراهنة, ولتكن عبوديتنا لله لا لغيره, عندها نسود العالم، وننشر معنى الحرية الحقة.
لقد عدت بذاكرتي لسنوات مرت من عمري، وتذكرت رجلاً رأيته في صبيحة العيد كفيفًا نحيفًا, شارد العين, قلق الفؤاد, يكاد لا يشعر بما حوله من هول ما يحدث له, ترى الدمع ينساب من عينيه ليروي لحيته الشعثاء، إذا نظرت لملابسه تجدها تكشف عن جسد هزيل, لا تكاد تواري من جسده سوى القليل، سألت عنه فقيل لي: هو فلان الغريب الطريد المحروم المهضوم، ينظر إلى الناس يوم العيد فيجدهم يسعون نحو الأهل والعشائر والفرح على وجوههم، والسعادة تملأ قلوبهم، يلبسون أجمل الثياب, فينظر لحاله فيجد نفسه الشريد الحائر، الذي لا دار له ولا عشيرة, فعجبت من ذلك في هذا اليوم، فالناس تودِّع الأسى وهو يستقبله, أسفي لهذا وما أشدَّ أسفي! لقد ظل شريدًا حائرًا لا يعرف ماذا يفعل ولا أين يذهب!!.
فعدت بذاكراتي فوجدت الناس في الماضي كان التشرد ملجأهم، والحيرة شغلهم، والحزن يملأ قلوبهم, ويكاد القلب ينفطر من هول ما يحدث لهم، والوليد يشيب من هول ما يسمع من حوله, حتى جاءهم من أنقذهم ورفع عن كواهلهم هذا الهمَّ، وملأ قلوبهم بشرًا وسعادةً, وجعل الوليد يأمن في منامه, لقد بدل الظلمات نورًا، وجعل الكون كله ضياءً، ما هذا الشيء؟ أهو جاه عريض؟، أو ملك عاضد؟ أو حسناء لعوب؟.. لا لكنه النور الذي أضاء الكون بقدومه, وأحيا القلوب بعد مماتها, وأعز الناس بعد ذلهم, إنه نور الإسلام، نور القرآن الذي بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد كانت بلادنا ألوانًا من المتناقضات, سادات كالبراميل, وآدميون كالخيال, قوم يلتهمون اللحوم والشحوم، وقوم يلتهمون الهموم والغموم, حتى جاء هذا النور، فساوى بين الجميع, وجعل الحب والمودة بين الناس أجمعين, وجعل الغني يعطف على الفقير, والفقير يدعو للغني دون حنق عليه.
فالصوم يعلمنا الحرية الحقة والتي يذلل فيها العبد نفسه لربه، فيعزه وسط جموع البشر، وكما قال عمر بن الخطاب: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، أما إن بعدنا عن ذلك فسنظل الأحرار العبيد.
----------------------