تمهَّل قبل أن تجيب!

هل الورع اعتزال الناس؟ أو الانطوائية؟ أو الابتعاد عن الدنيا؟.. أم ماذا؟!

 

تعال نصحب الإمام ابن تيمية، وهو يعرّف الورع، يقول: "الورع عما تُخاف عاقبته، وهو ما يُعلم تحريمه، وما يُشَك في تحريمه، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله، في الأشياء المشكوك فيها، أو فعل ما يُشك في وجوبه".. انتهى كلام ابن تيمية.

 

ولعلك تقول: ما ارتباط هذا التعريف بعصرنا؟ أريد خطابًا لهذا العصر، وليس عصر ابن تيمية، ومن أجل ذلك قلت لك تمهَّل، فالعلم ثابت، والذي تتغيَّر تطبيقات العلم في الواقع، وعلى سلوكيات الحياة المتغيرة. 

 

 في هذا التعريف خمسة أمور:

(الورع) هو (الترك)، ولكن.. ترك ماذا؟

1- عما تُخاف عاقبته:

إذن المقبل على أي عمل؛ لا بد أن يتحمل نتيجته، ويعلم ما الأمور التي تترتب على فعله، سواء كانت آثارًا أو نتائج أو أهدافًا تتحقق أو مصائب أو كوارث، سلبًا أو إيجابًا، والخوف هنا بمعناه الإيجابي الانفعال الذي يدفعك إلى التعامل الإيجابي مع النتائج، فلو أن هناك مصيبةً من وراء الفعل، هل تفعلها أم تخاف من فعلها، فتتوقف أو تبحث عن البديل؟

 

2- وهو ما يُعلم تحريمه:

الحلال بيِّن وواضحٌ، وكذلك الحرام، والورع لا يكون إلا على علم ومعرفة وبصيرة، والعلم بتحريم الشيء يجعلك تتورَّع عن فعله، أو أن تقترب منه.

 

3- ومما يُشَك في تحريمه:

وهذا قريب من الممنوع، فهو في موضع شك: أفعل أو لا أفعل!! هناك اختلاف حول هذه القضية!! ماذا أفعل؟ الإجابة تقول: تورَّع، ابتعِد عن الشكِّ باليقين، ولا تدخل في دائرة الشبهة.

 

4- وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله:

الورع هنا عن شيء إن تركته لا يؤدي إلى مفسدة، لو أنك وازنت بينها وبين فعله لا تجد مِن تركه غضاضةً ولا تتأثر بتركه، أو تتأثر حياتك، كذلك إن فعلته لا يزيد جديدًا، ولذلك فتركه لا يحدث ضررًا أكبر من أن تفعله!.

 

5- في الأشياء المشكوك فيها أو بفعل ما يُشَك في وجوبه:

حتى لا يكون الورع حبرًا على ورق، وإنما هو السلوك العملي في الحياة، المحدَّد وليس على الإطلاق، فلا بد أن يكون في الأشياء التي تشك فيها بين الأمر والنهي، أو الفعل والترك، أو بين الحل والحرمة، أو في فعل مشكوك في وجوبه؛ لأنه ببساطة الورع عن الأمر الواجب جناية وجريمة.. فهل يصح أن نقول: فلان تورَّع عن الصلاة، أو ما شابه ذلك!!.

 

لقد فهم الإمام ابن القيم كلام أستاذه، فأجمل معنى الورع في سطر واحد، أراه مفهومًا في عصرنا تمامًا، يفهمه السياسي والتربوي والاجتماعي والقيادي، والغني والفقير، والصغير والكبير، والشاب والشيخ، والرجل والمرأة، فيقول: "ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة"، ولا تعليق.

 

رحلة قصيرة حول الورع

* في كتاب الله:

هل الورع مذكورٌ في كتاب الله أو أنه سلوك يفهم من كتاب الله؟!

(أ) يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)﴾ (المؤمنون).. هذه الآية استدلَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)﴾ (المؤمنون)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 172)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشغث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأني يستجاب لذلك" (رواه مسلم)، وواضح من الآية الكريمة أن أكل الطيبات- وهو الحلال- سبب للعمل الصالح، وطريق لقبول الله لهذا العمل، وهذا أمرٌ يتساوى فيه حال الأنبياء مع الناس جميعًا؛ وذلك لأهميته في الحياة.

(ب) يقول تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)﴾ (المدثر).. قال المفسرون: أي نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب، ولذلك يقولون: هذا ارتدى ثوب الإخلاص أو ثوب الصلاح أو ثوب التقوى، كذلك نقول ثوب الورع، فكما قال أحد العارفين: عملك ثوب لك، ويقول الشاعر:

وإني بحمد الله لا ثوب غادر     لبستُ ولا من غدرة أتقنَّع

 

من خلال الآيات نرى بوضوح أن الورع في القرآن الكريم جاء على هذا المعنى: "تطهير القلب من الدنس، كما يطهر الماء دنس الثوب".

 

* في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:

لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم معنى الورع في عبارة واحدة، فقال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (صحيح الجامع الصغير).

 

وفي حياتنا، هذه العبارة مع قصرها، تحوى كل معاني الحياة، فهي ترك ما لا يعنيك من:
 الكلام والنظر والاستماع والبطش والفكر والمشي وسائر الحركات الإنسانية الظاهرة والباطنة.

 

ومعنى ذلك في الواقع:

تركك لكل شبهة= ورع

تركك لما لا يعنيك= ورع

تركك الأشياء الزائدة= ورع

خروجك من كل شبهة= ورع

وقوفك عند حد العلم= ورع

تورعك عن كل ما سوى الله= ورع

مراعاتك لله في الخلوة= ورع

أخذ الحلال الصرف= ورع

لا تتحرك إلا إلى الله= ورع

لا يدخل في قلبك سواه= ورع

 

* وهذه جولة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1- روى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا أبا هريرة كن ورعًا تكن أعبد الناس" (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، وتعلمها أبو هريرة، فقال: "جلساء الله غدًا أهل الورع والزهد".

 

2- عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع" (رواه الطبراني).. تعلمها الصحابة فقالوا: "ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط"؛ لأن خلط العمل الصالح بالسيئ يقطع الصلة بالله.

 

3- عن النعمان بن البشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلال بيْن والحرام بيْن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" (متفق عليه).. تعلمها الصالحون، قيل: رجع ابن المبارك من العراق إلى الشام بسبب قلم استعاره، فلم يعده إلى صاحبه.

 

4- عن عطية السعدي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" (حسن رواه الترمذي)، تعلمها الصحابة رضوان الله عليهم فقالوا: كنا ندع سبعين بابًا من الحلال مخافة أن نقع في الحرام.

 

5- عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الإثم؟ قال: "إذا حاك في نفسك شيء فدعه" (رواه أحمد).

 

6- وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" (متفق عليه).

 

7- عن الحسن بن على رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (رواه الترمذي).

 

8- عن النواس بن سمعان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس" (رواه مسلم).

 

9- روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان: خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يرد به جهل الجاهل" (رواه البزار).

 

10- عن جابر رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة في طعمة".

----------

* gamalmady@yahoo.com