"جاءني مرة أحد الأشخاص من قناة (الجزيرة) الفضائية، وطلب مني أن أتكلم في أحد البرامج، فقلت له: ما اسم البرنامج؟ فقال لي: الجريمة السياسية، فقلت له: كيف تطلب مني أن أتكلم في برنامج عنوانه خطأ، وكان يريدني أن أتحدث عن قضية الفنية العسكرية، فقلت له: إن أي كلام سأقوله خطأً أو صحيحًا سيكون كلامًا خاطئًا لأن البرنامج اسمه الجريمة، والناس للأسف تهوى الظهور، ومن يتعرض للإشعاع الإعلامي يدمن ويتسمم، ويكون لديه استعداد لأن يقول أي شيء مهما كان الثمن".

 

تلك كلمات أدلى بها الشيخ الفاضل والمربي الداعية: (رفاعي سرور) - حفظه الله ورعاه- لمحاوره حيث كان يتحدَّث له عن بعض الإشكاليات التي تواجه بعض الدعاة والعلماء من خلال الظهور في وسائل الإعلام.

 

فينة بعد أخرى، نلحظ أنَّ وسائل الإعلام تقتنص تلك الفرص الذهبيَّة الثمينة، حين يقوم بعض الرموز العلميَّة سواء أكان شيخًا أو عالمًا أو مفكرًا إسلاميًّا بالظهور في وسائل الإعلام ويدلي برأيه عبر مقابلة صحفية سريعة، أو إثر حديث له على هامش ندوة أو مؤتمر يقابله أحد الإعلاميين أو الصحفيين فيسأل ذلك الرمز بعض الأسئلة، فيقوم ذلك الإعلامي والصحفي بنشر هذه المقابلة، ثمَّ تنشط وسائل الإعلام لنشر ما قاله ذلك الشيخ من: (فرقعة فقهيَّة غريبة) أو (رأي فقهي شاذ) أو زيغة من حكيم، أو زلَّة من عالم، أو فتيا لشيخ لم تفهم على الوجه الصحيح فتنشر مبتورة دون مراعاة سياقها العام والتام لشرح هذه الفكرة.

 

وكثيرًا ما تفاجئنا وسائل الإعلام بشيء من هذا القبيل، فهذا دكتور يفتي بجواز رضاع المرأة الموظفة لزميلها في العمل حتَّى لا يكون جلوسهما في العمل نفسه خلوة محرَّمة؛ بشرط توثيق ذلك الإرضاع رسميًّا، أو ذلك الذي أفتى بجواز أن تضرب المرأة زوجها حين تتأذَّى منه، ويتابعه آخر فيقول بجواز ضرب المرأة لزوجها فضلاً عن تعلم أنواع ومهارات الكاراتيه والتايكوندو للدفاع عن نفسها، وهذا الذي يفتي بجواز التبرك ببول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأنَّ بوله طاهر وهو أول العارفين بأنَّه لا يوجد أثر لبوله صلى الله عليه وسلم فلا ندري ما فائدة مثل هذه الفتيا، وآخر يفتي بجواز سباحة الفتيات مع الشباب في الحصص الدراسيَّة الرياضيَّة بحجَّة الضرورة شرط ألا ينظر ذلك الشاب لتلك الفتاة ولو كانت لابسة لباسًا عاريًا.

 

بالطبع كثير ممَّن له إسهامات في مثل هذه الفتاوى الشاذة أو الغريبة، لديهم عدَّة شطحات في مجال الآراء التي تخرج عنهم مرَّة بعد أخرى، وهم الذين نجد أنَّ وسائل الإعلام تصدِّرهم وتحاول أن تخرجهم كثيرًا عبر أثيرها لكي يظهروا بمظهر الشيخ أو الداعية أو المفتي، وقلَّ أن نجد وسائل الإعلام- إلاَّ ما رحم الله- تستضيف الثقات العدول وأهل التوازن في فقههم ورأيهم الشرعي.

 

وإني بهذا السياق لا أعمِّم هذا الكلام على جميع العلماء أو الدعاة الفضلاء أو المفكرين الأثبات، فهنالك طائفة بعينها تحتاج لنوع من التذكير في هذا الموضوع لغريب ما يصدر عنها من آراء شاذة أو فتاوى غريبة.

 

ولن أطيلَ في نقل بعض الفتاوى الشاذة أو الغريبة التي تخرج من بعض الأشياخ أو الدعاة، ولن أناقش هنا مَن هو العالم الذي يؤخذ بقوله؟ ومَن هو الشيخ الذي ينبغي أن نأخذ عنه ديننا وشرعنا؟ أو عن فقهاء التساهل والمتساقطين تحت ضغط الواقع.

 

فكلَّ هذا يحتاج لنقاش شرعي، وإن كنت قد كتبت مقالاً سابقًا بعنوان: (انظروا عمَّن تأخذون دينكم)، أوضحت فيه صفات العلماء الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم العلم، وقد نشر في عدَّة مواقع على الشبكة العنكبوتيَّة (1).

 

بودي في هذا المقال أن أناقش قضية حسَّاسة أرى أنَّ من مقتضيات فقه العصر الوقوف عندها، وأنَّ واجب الوقت الحديث عنها، وذلك لأهميَّتها؛ فإنَّ حديث ذلك الرمز سواء أكان شيخًا أو داعيةً أو مفتيًا ينبغي أن يسترعي في حديثه عدَّة مهمَّات، لكي لا تزل قدم بعد ثبوتها، وحتَّى يكون الحديث لدى وسائل الإعلام مدروسًا خصوصًا إن كان طلبًا لحوار صحفي فلا يكون عبر موافقة مباشرة دون معرفة ما الأسئلة التي ستقال، والاستفسارات التي ستلقى على مرأى ومسمع ذلك الرمز، أو على الأقل أن يكون لدى هذا الرمز إجابات مسبقة ومعروفة ومعهودة عنه في بعض القضايا التي يحب أن يثيرها بعض الإعلاميين لكشف رأيه عنها، وقد يكون لديه رأي معين، أو مسألة يدرسها ولكنَّه لم ينته من دراستها، أو لم تتحرَّر لديه، أو أن يكون بعض تلك القضايا ليس من الحكمة أن تُثار وتقال عبر وسائل الإعلام فيكون الجواب عن ذلك على الأقل: الله أعلم، أو بدون تعليق، ليحمي نفسه من إثارة زوبعة إعلامية كبرى قد تُذاع في كبرى المحطات الفضائيَّة، أو تنشر على أضخم الصحائف المحليَّة، وقد لا يشعر أنَّ رأيه ذاك أو فتواه تلك قد كان لها ذلك الزخم الإعلامي الذي لم يكن يحسب له حسابًا واحدًا فضلاً عن ألف حساب!!

 

خطورة ابتلاع الـ (طعم) الإعلامي

لأهل العلم والدعوة في دين الإسلام مزيَّة عن غيرهم ودرجة عالية ومرتبة سامقة، ويكفي أنَّ الله عزَّ وجل قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9) ويقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28) وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (فصلت: من الآية 33) وبقوله صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه غير أنَّه لا ينقص من أجورهم شيئًا" إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على منزلة العلم وفضل الدعوة إلى الله.

 

لكنَّ المشكلة الكبيرة أنَّ بعض أهل العلم والدعوة قلَّما يكون لديهم خارطة واضحة في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وعن كيفية الجواب على سؤال ذلك الإعلامي الذي قد يكون همَّه الوصول إلى التشويش أو التشويه لأهل العلم والفضل، فحين يعثر على بغيته تجده ينشر ذلك الرأي عبر وسائل الإعلام، لكي يحصل بذلك التندر بأقوالهم، والتحدث عنهم، وتشويه صورتهم وقد تكون هذه الفتوى مبتورة أو ذلك الرأي ناقصًا أو يكون هو بعينه رأي ذلك الشيخ أو الداعية ولكنَّها تعد زلة أو زيغة من حكيم وما أشبه ذلك.

 

مع أنَّه في الواقع يجدر بمَن يعمل في هذه الوسائل الإعلاميَّة أن يتقي الله عزَّ وجل في نقله، ويحذر من إلقاء التهمة على ذلك الرمز العلمي إلاَّ بعد التأكد والتريث، فضلاً عن دراسة نشر ما نُسٍبَ لذلك الرمز، وما أحسن كلام الإمام ابن حجر العسقلاني حين قال: "إنَّ الذي يتصدَّى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال: يلزمه التحري في النقل فلا يجزم إلاَّ بما يتحقَّقه، ولا يكتفي بالقول الشائع ولا سيَّما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح" (2).

 

نعم! قد تحصل مزالق فقهيَّة أو زلاَّت من بعض المنتسبين للعلم والدعوة، ولا شك أنَّ كل بني آدم خطَّاء، وأنَّ العالم أو الداعية يجوز عليه الخطأ كما يجوز على غيره، وأنَّ العلماء أو الدعاة ليسوا معصومين من الوقوع في الخطأ أو الرأي، لكنّي لا أستغرب أو أتعجب أن تكون هنالك خطة مبرمجة لتشويه الرموز العلمية والدينية في بلدان المسلمين، (وليس ذلك تأثرًا بما قد يظنُّه الظان بنظرية المؤامرة)؛ وذلك أنَّنا نلاحظ من بعض الوسائل الإعلاميَّة التركيز في أخبارها على بعض السقطات والزلاَّت التي تخرج من بعض العلماء والدعاة، فحين يعلم ذلك الصحفي أو الإعلامي أو يتنامى إليه قول غريب يقول به ذلك الشيخ أو العالم لكي يهرع إليه طالبًا منه مقابلة صحفية عبر صحيفة أو فضائيَّة ليستفتيه في بعض الآراء أو يأخذ رأيه في بعض المسائل المهمة، ويكون المقصد هو الولوج لتلك المسألة ليقول الشيخ أو الداعية قولته، فيطير بها ذلك الإعلامي مشيعًا لها في وسائل الإعلام، ويتم المراد من تشويه الرموز الإسلامية واحدًا بعد الآخر.

 

من اليقين أنَّ هنالك بعض الرموز العلميَّة الذين وعوا أهميَّة وسائل الإعلام وضرورتها لجميع الناس، بيد أنَّهم قبل اتصال أيَّة جهة إعلامية بهم يطلبون منها التريث قبل الموافقة المباشرة، ويتحروا عنها وعن الذي سيحاوره أو يطلب منه اللقاء، ويدرس ذلك الرمز منهجيَّة البرنامج ولو بحلقتين أو ثلاث حلقات سابقة، لكي تكون لديه دربة ودراية بالمحيط الإعلامي الذي سيرتاده، حتى لا توقعه المطبَّات الإعلاميَّة بحرج بالغ، ويكون لديها ما تريد، والرسالة التي كان يسعى هذا الرمز العلمي لتوصيلها تضيع بين سؤالات المذيع، بل هنالك بعض الفضلاء من أهل العلم والفكر يقومون بأخذ دورات مهنيَّة في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام سواء في دروس أو محاضرات أو تصريحات أو لقاءات وما شاكل!.

 

ومن جميل ما يذكر في هذا المجال تفطُّن أحد الدعاة المعاصرين قبل وقوعه في ما لا تحمد عقباه إذ إنَّ إحدى القنوات الفضائيَّة طلبته لكي يكون ضيفًا فيها، ولم يخبروه بطبيعة البرنامج بل قالوا إنَّ هنالك حوارًا مع فضيلته عبر البث المباشر فحين همَّ الشيخ بالدخول إلى الإستوديو وجده مليئًا بالفتيات المتبرجات الجميلات، فرفض الشيخ الدخول لمكان إقامة البرنامج، وقال لمحاوره والله يا أخي لا أحب الفذلكة بأن أكذب عليك وأقول إني آمن الفتنة على نفسي وأنا في هذا الاستوديو فأنا أعرف نفسي وقد قال محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، فاسمح لي أن أعتذر منك في عدم الدخول. فقال له المذيع: يا شيخ نحن على الهواء مباشرة فأجاب الشيخ ذلك المذيع قائلاً له: (إن شاء الله تكون الحلقة مَيَّة مش هواء مستحيل أدخل)، فقال له المذيع الشيخ فلان وعلان يدخل ولا يرى في الأمر بأسًا، فقال له الشيخ: لن أدخل وما لي بذلك الشيخ وأنا رجل ضعيف، ثمَّ إني أرى أنَّ ذلك لا يليق مني وأنا الذي يعظ الناس، فمثلي وأنا جالس أمام هؤلاء النساء المتبرجات كشخص كانت أمامه فتاة ترقص وهو ينظر لها ويقول استغفر الله، استغفر الله...!!

 

كان هذا موقف الشيخ محمد حسَّان مع إحدى القنوات الفضائيَّة، وفي الحقيقة أنَّ موقف من الشيخ هذا، سيجعل القناة تتعرَّف على فكره ومنهجه ويكون لديها خلفيَّة في التعامل مع المشايخ فيما بعد قبل أن يطلبوا منهم أيَّة مشاركة إعلاميَّة، فهنالك حدود يستحيل أن يتعدَّاها الشيخ ولو كان ذلك كما يقال لمصلحة الدعوة، فهذه الحدود هي حدود الله من ولجها أثم، ومن ابتعد عنها كان على منهج قويم.

 

عالجوا أنفسكم قبل معالجة الناس

أذكر نفسي وإخواني من أهل العلم والفكر والدعوة وأنا تلميذ محب لهم ومتطفل على موائدهم، أذكرهم بهذه النصيحة التي ائتمنا عليها الشارع الحكيم بنصح أئمة المسلمين، بأن يجدِّد أهل العلم والدعوة محاسبتهم لأنفسهم في صلاح النيَّة، ومداومة تذكر الإخلاص لله ربِّ العالمين فالنوايا مطايا، مع ملازمة دعاء الله والتوجه إليه بقلب صادق ودعاء المضطر أن يهديهم سواء السبيل، وأن يربط على قلوبهم ويثبت أفئدتهم، ويكفيهم شر كل ذي شر.

 

ومن الضروري بمكان أن يضع ذلك الرمز العلمي في مخيِّلته عدَّة نقاط سائلاً نفسه: ماذا أريد من خروجي الإعلامي، هل لحب الثناء من الناس ومحمدتهم، أو حبَّ الظهور الذي يقصم الظهور، أو لحب الرياسة التي سمَّاها العلماء (الشهوة الخفيَّة)، أو النجوميَّة والشهرة التي تكون في كثير منها محرقة لا مشرقة، فيبدأ الشيخ أو ذلك الرمز واعظًا صادقًا، ثم ينتهي إلى نجم فضائي يدردش مع النساء السافرات المتبرجات، ويمازح الشقراوات الحسان، ويجلس معهنَّ جنبًا إلى جنب بحجَّة مصلحة الدعوة، ويضيع الدين والورع والتقوى ويسقط حجاب الهيبة الذي يضعه الله تعالى لهم بسبب تصرفاتهم التي لا تُرضي الله عزَّ وجل.

 

لقد شعر الإمام ابن المبارك أنَّ أحد القضاة الذي كان يعرفه، بميوله للدنيا وأهلها، فأرسل له رسالة شعرية قائلاً:

يا جاعل العلم له بازيًا يصطاد أموال المساكين

احتلت للدنيا ولذًّاتها بحلية تذهب بالدين

فصرت مجنونًا بها بعدما كنت دواء للمجانين

أين رواياتك في سردها عن ابن عون وابن سيرين؟

إن قلت أُكرهت فماذا كذا زلَّ حمار العلم في الطين

وهذه الأبيات تنم في الحقيقة عن عمقٍ فكري، ونظر مستقبلي من الإمام ابن المبارك، وتتناسب طردًا مع ما يقوم به بعض الدعاة والعلماء الذين وللأسف صاروا يتطايرون لوسائل الإعلام أيًّا كانت كما تتطاير الفراش على الضوء اللاهب وقد يذهب هذا الفراش لحتفه ظانًّا أنَّ عند هذا الضوء سبيل نجاة أو مصلحة له، فيكون محرقة له.

 

حتى لا يكون في حديث أهل العلم فتنة

إنَّ الحديث لوسائل الإعلام سواء أكان هذا الحديث عبر برنامج (فتوى) أو برنامج (حوار) أو مؤتمر أو ندوة، ينبغي أن يأخذ ذلك المتحدث في اعتباره عدَّة أمور، لكي يكون حصيفًا ذكيًّا، ولكي لا يستغل أي شخص يرغب بترويج شيء ما إلى أذهان الناس من خلال الفضائيَّات، وقد يستغفل بعضهم أولو العلم بسبب قلَّة خبرتهم في التعامل مع وسائل الإعلام، فيقول الشيخ كلمة أو رأيًا فقهيًّا لم يدقق في صحته، ثمَّ حين يشتهر هذا الرأي عنه، يقوم ذلك الشيخ بذكر رأيه مرَّة أخرى بكتابة بيان أو فتوى، أو أن يتراجع ذلك الشيخ أمام الناس- وتراجعه حسن جميل إن كان تراجعًا صحيحًا-، وكأنَّه لا تحق المراجعات إلا للشيوخ والعلماء والدعاة وهي التي تنشر، وأمَّا غيرهم فهم على ثبات دائم وقول مطَّرد منذ أن خرجوا من بطون أمَّهاتهم وإلى الآن!

 

ومصدر الخلل أنَّ ذلك الشيخ أو الرمز لم يتحرَّ الصواب والصحَّة وبحث المسألة بشكلها الصحيح قبل أن يعرض رأيه وهو مقتنع به.

 

ولعل من أهمَّ هذه القضايا الحسَّاسة والتي من المهم أن تقال، ما يلي ذكره:

1- ليس كل ما يعلم يقال سواء على ملأ الناس وحضورهم، أو في وسائل الإعلام، وقد كانت هذه سنَّة لأهل العلم والفضل، وعند مسلم في مقدمة صحيحه أنَّ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعقلون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"، ولهذا بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: (باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألاَّ يفهموا).

 

فليتق الله أولئك المتحدثون في كل وقت وزمن وحال ومكان بكل ما لديهم، فإنَّ مما يعلمه الناس جميع الناس أنَّه: "ليس كل ما يُعلم يقال، ولا كل ما يقال حضر أهله، ولا كل ما حضر أهله حان وقته"، وإنَّ كتمان شيء من الدين لمصلحة الدين ولكيلا يكون ذريعة لأهل الفساد أمر ممدوح ومصلحة يتغيَّوها منذ زمن، وقد ذكر الإمام ابن حجر أنَّه: (ممن كره التحدث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي" (3).

 

2- عدم الحديث إلا في مجال التخصص، فإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، وإنَّ من أسباب البلاء والداء الذي ما له دواء إلا التخصص والتعلم أو السكوت والصمت، أن يظن الظانُّ أنَّه حين قرأ شيئًا من كتب العلم فإنَّ لديه مندوحة لكي يتكلم في مسائل العلم والدين ظانًّا نفسه أنَّه فقيه نحرير، وما علم أنَّ ذلك عقم في الفهم، وأنَّ زمن الموسوعيَّة قد ولَّى وانتهى، وأنَّه لو وجد شيء من ذلك فهو نادر جدًّا، ومن المعلوم أنَّه ليس كل من تخصَّص في فن من العلوم أنَّه قادر على الحديث والتكلم في مسائل أخرى، وإذا كان هذا لم يحصل للعلماء السابقين الذين كانوا قريبين من عهد النبوة، وكان العلم في عصرهم منتشرًا بأصوله العلمية ومنضبطة بشكل متقن، وكانت الشواغل لديهم قليلة، ومع هذا نجد أنَّ الإمام الشافعي وهو من هو في علم الفقه والحديث بل قيل إنَّه أول من ألف في علم مصطلح الحديث في كتابه: (الرسالة) وهو الذي لديه كتاب (الأم)، وكتاب اختلاف الحديث، ومع هذا يقول للإمام أحمد بن حنبل: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني؛ كوفيًّا كان أو بصريًّا أو شاميًّا حتَّى أذهب إليه إذا كان صحيحًا" (4) فيثبت الإمام الشافعي العلم في الحديث لأحد طلابه وهو الإمام المحدث أحمد بن حنبل رحمة الله عليهم، وهذا الإمام أحمد بن حنبل حين سُئل عن مسألة من مسائل الغريب- أي: غريب الحديث والألفاظ قليلة الاستعمال في اللغة- فقال رحمه الله: "سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن" (5)، وكانت مرجع الفتيا في مسائل الغريب في عصر الإمام أحمد لعدة علماء أجلاء متخصصين في هذه الفن ومنهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم؛ حيث كان إليه المرجع في هذا الباب ولديه كتابه المعروف: (غريب الحديث)، ومع هذا فلا يفوتني أن أقول بأنَّ الإمام أحمد الذي عزا المرجع في السؤال عن غريب الحديث لأهل التخصص أنَّه لم يكن ضعيفًا في هذا المجال بل كانت لديه قراءات كبيرة جدًّا، وقد قال: كتبت في اللغة أكثر ممَّا كتب أبو عبيد القاسم بن سلاَّم!!

 

فالمقصد أنَّ الإمام أحمد مع علو كعبه وباعه في علم اللغة، فقد عزا ذلك للإمام أبي عبيد القاسم بن سلاَّم لكي يعتاد الناس على التلقي عن المتخصصين، وأما أنصاف المتخصصين، فإنَّ البلاء كبير جدًّا منهم، وقد نقل الإمام ابن تيمية رحمة الله عليه مقولة جميلة فقال: (وقيل: إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان- ثمَّ قال رحمة الله كلمة جوهرية- لا سيما إذا خاض في مسألة لم يسبق إليها عالم ولا معه فيها نقل عن أحد، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين) (6).

 

3- الفطانة والتيقظ، والانتباه من سؤالات الناس وحيلهم والتفافهم ودورانهم على المتحدث لكي يبلغوا إلى حيث يريدون من رأيه، وقد نبَّه الإمام النووي رحمه الله تعالى إلى ضرورة التيقظ والفطانة للمفتي (7)، وتبعه على ذلك الإمام ابن عابدين حيث قال: (وهذا شرط في زماننا، فلا بدَّ أن يكون المفتي متيقظًا يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإنَّ لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير، فغفلة المفتي يلزم منها ضرر كبير في الدين، وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق كما هو شائع في هذا الزمان) (8) فما البال بزماننا هذا، والذي يتعلم فيه الناس وخصوصًا الإعلاميين طريقة الالتفاف على المحاوَر وسؤاله بعدَّة طرق حتى يصلوا إلى مبتغاهم وغايتهم، وهذا بالطبع ليس في كل الإعلاميين أو الصحفيين ولكنَّنا نقصد طائفة بعينها أخذت على نفسها شيئًا من هذا القبيل.

 

4- مراقبة الله في كلِّ قولة ورأي يتحدث به المتحدث، وحينما يتأمل المتكلم قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق) وقوله:﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 36) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: من الآية 1) فإنَّه يرتدع عن قول أي شيء قد يستخدمه أهل الفجور للنيل من الدين وأهله، بل يتحرَّى ذكر القول الحق، وقد ذكر الإمام ابن رجب الحنبلي عن الفقيه القاضي زين الدين أبو حفص عمر بن سعد الله الحراني، الذي أثنى عليه الإمام الذهبي فقال: "عالم ذكي، خير وقور" حيث ذكر ابن رجب أنَّه حدَّثه أحد العلماء عن هذا الرجل أنَّه قال: "لم أقض قضيَّة إلا وقد أعددت لها الجواب بين يدي الله" (9).

 

5- فقه المآلات، فهنالك بعض الأقوال والآراء يكون مآلها وبالاً وشنارًا، لأنَ المرء المتحدث والمتصدر للكلام لدى وسائل الإعلام حقيق به أن يعرف توجهات الناس، وميولاتهم واختياراتهم، وميل غالبهم إلى الهوى، وما ترتضيه الأنفس، وقد صدق الإمام ابن تيمية رحمة الله عليه حين قال: "وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانَّةً أنها تفعله طاعةً لله" (10) فالناس في طبعهم لديهم ميل إلى خلاف الحق، فما البال بمَن يريدون اقتناص بعض المقولات التي تهواها الأنفس وتشتهيها لكي يطيروا بها أمام الملأ إذاعةً وإشاعةً، وقصدهم في ذلك ليس الحق والصواب بل نشر الآراء الباطلة بحجَّة: "حطها برقبة عالم واطلع منها سالم" كما يقول الشاميون أو المصريون، أو: "اجعل بينك وبين النار مطوَّع" كما يقوله أهل الخليج، وقد سمعتُ هذا شخصيًّا من بعض الناس!.

 

6- الحذر من العجلةِ والتسرع، وإذا كان من طبعِ الإنسان العجلة كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 11)، وقد جاء الأمر من الشارع الحكيم بالتؤدة والرفق فقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف"، كما في صحيح الإمام مسلم، "ليعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" وقال صلى الله عليه وسلم: "التأني من الله، والعجلة من الشيطان" (11) فخليق بأهل العلم والدعوة أن يكونوا على مستوى رفيع من التأني في الحديث واستصدر القرار والحكم على المسألة والأعيان والأشخاص، فإنَّ قولهم ليس كقول غيرهم، فهو قول مرصود وخصوصًا فيما نتحدث به حين يكون الحديث والمقال في وسائل الإعلام، وإني في كثير من الأحيان أستمع إلى بعض الفتاوى أو الحوارات التي يكون فيها مطارحة للرأي أو تقليب للفكر، فقلَّما استمع لأحد يقول كما قال عبد الله بن الزبير: "إنَّ هذا الأمر ما لنا فيه قول"، فإنَّ هذه الحالة يندر وجودها كما يندر وجود لبن الطير في البريَّة!.

 

لهذا أجد الإمام الجليل أبو الوليد الباجي يقول معلقًا: "قول عبد الله بن الزبير، إقرار منه بالحق وتوقف عن الفتوى فيما لم يظهر له صوابه، وإن كان من أهل العلم، وهذا مما يجب أن يلزمه كلّ ذي دين أن يقول إذا سُئل عمَّا لا يعلم: لا أعلم!" (12)، ورحم الله الإمام مالك حيث قال عنه تلميذه ابن وهب- رحمه الله- لو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح! فلا خجلَ ولا عيبَ أن يقول مَن لا يعلم عن شيء: "الله أعلم".

 

7- الاعتراف بالحق حال وقوع الخطأ، فمن صفة صاحب الدين والاستقامة، أنَّه رجَّاع للحق والصواب حينما يثبت عليه أنَّه قال بخلافه، وخصوصًا في حال حديثه أمام ملأ من الناس أمام الفضائيات أو في شتَّى وسائل الإعلام، ولا يوجد في ذلك عيب أن يرى الناس أنَّ ذلك المتحدث الذي قال في درسه أو في حوارٍ معه أو في برنامجه أنَّه أخطأ وقال بخلاف الصواب، ولا زلت أكنَّ للشيخ الفاضل محمد حسَّان- حفظه الله- الفضل والحب وهو من الرموز العلمية السلفية الفاضلة، حين تحدَّث عبر قناة "الناس" معتذرًا عمَّا بدر منه من خطأ وقع له في بعض أشرطته السابقة حيث قال: (وأنا أدين الله على مسمع الدنيا أنَّه لم يشارك صحابي واحد من أصحاب رسول الله في دم عثمان رضي الله عنه، وأقول بملء فمي وأستغفر الله جلَّ وعلا بأنّني ذكرت قديمًا في بعض الأشرطة خطأً أنََّ من بين المشاركين في قتل عثمان عمرو بن الحمق، ثمَّ بعد ذلك لمَّا بحثت في الكتب ونقّبت بعدما ذكَّرني بعض إخواني من أهل الفضل جزاهم الله عني خيرًا ونقَّبت في الكتب وعدت إلى الإصابة وغيرها فلم أجد إطلاقًا إلا شخصية واحدة ألا وهي عمرو بن الحمق الخزاعي وهو صحابي جليل رضي الله عنه، لذا فحين ذكرت عمرو بن الحمق تصورت أنَّه من التابعين أو من بعد الصحابة من هؤلاء المنافقين الذين شاركوا في قتل عثمان فلمَّا لم أجد إلاَّ عمرو بن الحمق الخزاعي، عدت إلى رواية الطبراني وإلى غيرها فوجدت أنَّ الرواية لا تثبت ولا تصح بحال من الأحوال، وعمرو بن الحمق الخزاعي صحابي جليل أسأل الله أن يغفر لي زللي، ولا أستحي إطلاقًا أن أعلنه وأن أبينه، فالأمر دين....)، وهذا المقطع المرئي منشور في عدَّة مواقع على الإنترنت، فجزاه الله خيرًا جزيلاً حين بيِّن خطأه أمام الناس، مع أنَّه لم يقل به في فضائية بل في بعض أشرطته ولكن مبالغة في ذكر الحق وإعلانه أمام الناس قال به عبر فضائية قناة "الناس" المشهورة ليقطع دابر كل فتنة، وأي قائل يريد أن يذكره بسوء من بعض دعاة الجرح والتعديل!

 

8- فقه الواقع ومعرفة المجتمع، فهنالك أقوال وآراء وفتاوى تناسب مجتمعًا دون مجتمع آخر، وما دام أنَّ العادة محكَّمة، وأنَّ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا كما يقول الأصوليون، فإنَّ عرف كل بلد وعاداتهم تختلف من ذاك البلد إلى البلد الآخر، لهذا كان لزامًا على المتحدث أن يراعي هذه القضيَّة، ولعلَّ من خير ما يذكر في هذا المجال أنَّ الإمام القرافي ذكر بأنَّ المفتي: "لا يحل له أن يفتي أحدًا بالطلاق حتَّى يعلم أنَّه من أهل بلد ذلك العرف الذي رُتِّبت الفتيا عليه" (13) وحتَّى الإمام الشاطبي رحمه الله يقول: (العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا، سواء كانت شرعية في أصلها، أو غير شرعية) (14)

 

9- التحدث باللغة العربية الفصيحة، وذلك لأنَّ لكل بلد لهجته وطبيعته في الخطاب والحديث، وإذا لم يدرك المتحدث هذه الحالة، فإنَه وأثناء حديثه قد يجر في بعض حديثه أو بعض كلماته لبسًا أمام الناس، ولا زلت أذكر أنَّه جاءني شباب من الخليج وقالوا لي إنَّ الشيخ الفلاني يفتي بجواز الاجتماع والحديث والضحك مع النساء، فقلت لهم: لا شكَّ أنَّ هذا باطل إن صحَّ ذلك عنه، وسألتهم أن يعطوني الشريط فأرسلوه لي، وكان ذلك المتحدث من مصر، وحين استمعت لحديثه: (كان يخاطب من أمامه فيقول لهم: أخوتنا) باللهجة المصرية، ويقول لهم (لما تجلس تهزر مع أخْواتك وتمزح معهم)، وكان يقصد بأولئك (الأخوات) يعني إخوانك الرجال.

 

فتاوى التنازل تحت ضغط الواقع

هنالك من منتسبي العلم والدعوة من لديهم في الحقيقة: (شهوة الكلام) فتراهم يرطنون ويتحدثون في عدد من الفضائيات والقنوات، لكنَّهم لا يدركون أنَّ هنالك مشكلة إشعاعيَّة إعلاميَّة قد تعترضهم!

 

وأقول كلمة: (قد) لأنَّ هذا ليس على وجه الإطلاق ولكن يحصل شيء منه، حين يكون بعض المتحدثين قد تنازلوا تحت ضغط الواقع وسطواته، فتجدهم يتحدثون أحيانًا بما يرضي الجماهير أو يكون مناسبًا لما يرونه هم، وهذه معضلة حقيقية تضاف إلى غيرها، ولقد كان سلف هذه الأمَّة كالإمام أبي حازم سلمة بن دينار يقول: "أدركت أهل الدنيا تبعًا لأهل العلم حيث كانوا، ثم حال الزمان فصار أهل العلم تبعًا لأهل الدنيا حيث كانوا، فدخل البلاء على الفريقين جميعًا"، وإذا كان هذا في زمانه فماذا نقول في زماننا؟!

 

ومن الغريب أن نجد بعض أهل العلم والمشيخة، يشنون حملة على بعض الحركات والتوجهات الإسلاميَّة، مدَّة بعد أخرى نجده ينتقد بعض الممارسات من بعض التوجهات الإسلاميَّة، والمكان الذي ينتقدهم فيه هو أول من يحتاج لنقد واضح بسبب التوجه العلماني المفرط لهذه القناة، ويأخذ هؤلاء الإعلاميون بقول ذلك الشيخ العالم في نقده لتلك التوجهات الإسلامية، ويظنون أنفسهم مبرئين عن كل تهمة، ويستغلون ما قاله ذلك الشيخ في تلكم التوجهات والتحركات الإسلاميَّة، وكأنَّه في الحقيقة يلبي مطالب الإعلام وضغوط الواقع المعاصر، ولكن أن يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويبين بعض المشاكل الواقعة في الفضائيات من الفساد الاعتقادي، والخراب الخلقي، فقلمَّا نجد منهم هذا الأمر، أثناء حديثهم في تلك القناة.

 

بل صرنا نجد آراء غريبة تطرح عبر الفضائيات كمن يرى أنَّ الحياة المعاصرة لا تستغني عن الفوائد الربوية حيث غدت ضرورة اقتصاديَّة، ولهذا يجوز أخذها، ومن يفتي بجواز أن يستلحق من وجد لقيطًا ويضمه إلى نسبه ويصبح بذلك ابنًا له تترتَّب عليه حقوق البنوَّة، ومن يرى جواز التضحيَّة بالدجاج بديلاً عن الغنم والبقر والإبل حين يكون المرء فقيرًا، ومثل هذه الآراء والفتاوى التي يضحك العقلاء منها ومن تخريجاتها العجيبة، ولا عجب في ذلك فقد قيل:

على أنَّها الأيام قد صرن كلها *** عجائب حتى ليس فيها عجائب

وقد يكون كثير من هؤلاء قد أفتوا بذلك بسبب ضغط الواقع، وإملاء الجماهير، أو من باب (فقه التيسير)- وهو باب عظيم من أبواب فقه الفقه!- فيدخلوا من هذا الباب إلى التساهل والتلاعب بدين الله وأحكامه، ثمَّ يتلقف الإعلام هذه الفتاوى ويروجها بشكل واسع وطويل، بل قد تذاع في نشرات الأخبار!

 

وفي المقابل قد تكون هنالك فتاوى أضخم وأكبر أثرًا وتأثيرًا، وصادرة من علماء ربانيين يعرفون الشرع ويدركون الواقع، ولا تسلط عليها الأضواء، وذلك لأنَّها لا تلبي مطالب الإعلاميين الذين يستثيرهم عنصر الإثارة والتشويق لترويج السلعة الإعلامية فبدلاً من أن يكون إعلامًا بالشيء يكون إعلانًا عنه يراد منه ما يراد!

 

أبت السلاحف أن تطول القمما!

هنالك من بعض الإعلاميين أو الصحفيين من يحاول استشارة بعض أهل العلم والفكر الكبار، ويروج رأيًّا لهم عبر وسيلة إعلامية، وقد يقصد بها التندر بأولئك الفضلاء، أو محاولة الاستثارة لكي يقوم أحد الكبار فيقف لذلك الصغير الوضيع في العلم، ويناقشه، ويكون معه الصواب، ولكنَّ ذلك الكاتب أو الإعلامي لا يقصد وراء ذلك إلاَّ أنَّه صار على مرتبة من العلم أضيفت إليه، حين يقوم ذلك العالم أو الشيخ منتدبًا نفسه للرد عليه، وينال ما يريده بأنَّ الدكتور الكبير أو العالم النحرير قد ردَّ علي، وقد يكتب ردًّا إضافيًّا على ذلك العالم، من قبيل النقاش فيعلو صوته، ويشتهر اسمه، بعد أن كان وضيعًا من خلال مقالة أو مناقشة!

 

وإنَّنا في هذا المجال نذكِّر أنَّه كان في عصر من عصور الدولة الإسلامية شاعر معروف إلاَّ أنَّ شهرته لم تكن كما كان لدى غيره، فلقد هجا بشار بن برد جريرًا طمعًا في أن يرد عليه جرير ويدخل بشَّار حلبة الصراع مع الفحول الثلاثة: (جرير والفرزدق والأخطل) فيشتهر مثلهم لكن جريرًا لم يأبه له ولم يرد عليه لأنَّه وجده دون هذه المنزلة فبكى بشار فقيل له: ما يبكيك يا أبا معاذ؟ فقال: عدم هجاء جرير لي فإنه لو هجاني لصيرني أشعر الناس!!

 

وهذا درس أرى أنَّ من المناسب الاستفادة منه في الحقيقة، فأسلوب: (التطنيش) لبعض هواة الفرقعات الفكرية، والمجازفات الفضائيَّة، أسلوب مهم في التنكيل ببعض الصغار وقصَّار الفكر والعلم والنظر، وإنَّ الالتفات لهم غير أنَّه مضيعة للوقت، فإنَّ فيه نوعًا من تنزل المرء مع من لا يستحق ذلك، فما البال إن كان مثل هؤلاء لا يريد من ذلك إلاَّ الشهرة والرفعة في عيون الناس، فعلامة ردهم ومهاتراتهم مع كبار أهل العلم هو علامة فشلهم وعطبهم، وقد أحسن من قال:

وإذا استوت للنمل أجنحة *** حتَّى يطير فقد دنا عطبه

ولقد قال شعبة بن الحجَّاج: أتاني الأعمش وأنا أحدِّث قومًا فقال: (ويحك تعلق اللؤلؤ في أعناق الخنازير) فسأل الإمام أحمد: ما معنى قوله؟ فقال الإمام أحمد: (أي: لا ينبغي أن يحدِّث من لا يستأهل) (15) لهذا قال الشافعي (16):

أأنثر درًّا بين سارحة النعم *** أأنظم منثورًا لراعية الغنم

ومن منح الجهَّال علمًا أضاعه *** ومن منع المستوجبين فما ظلم

وفي الصحيحين أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنَّ الموسم يجمع الرعاع والغوغاء، فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه، فقدمنا المدينة، فقبل عمر مشورة ابن عباس فلم يتكلم حتى قدم المدينة.

 

ونجد أنَّ الإمام ابن الجوزي يعلق على ذلك بقوله: "وفي هذا تنبيه على ألاَّ يودع العلم عند غير أهله، ولا يحدث لقليل الفهم ما لا يتحمَّله فهمه، والرعاع السفلة، والغوغاء ونحو ذلك" (17).

 

وأخيرً:

فإنَّ على المشايخ وأهل الفضل والفكر حين يريدون الحديث لأيَّة وسيلة إعلاميَّة أن يكون لديهم إدراك وسابق معرفة مع من يتحدثون وإلى من، وخبرة بطبائع الوسائل الإعلامية، وأن يجروا بحثًا في طبيعة المحاور أو السائل الصحفي لكي يعلموا حقيقة حواراتهم، فإنَّ كانت لكشف الحقيقة وإفادة الناس فحيَّ هلا، وإلاَّ فليحذروا منهم ويعلموا غيرهم بأولئك الذين يتسلقون على أكتافهم، فإنَّه لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل، ولقد قال القاضي الجرجاني:

يقولون لي فيك انقباض وإنَّما *** رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم *** ومن أكرمته عزَّ النفس أكرما

ولم أقض حقَّ العلم إن كنت كلَّما *** بدا طمع صيَّرته لي سلَّما

ولو أنَّ أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظَّموه في النفوس لعظِّما

ولكن أهانوه فهانوا ودنَّسوا *** محيَّاه بالأطماع حتَّى تجهَّما

وأمَّا من كان همَّه الخروج بأية وسيلة إعلاميَّة والمهم أن يتحدث ويرخِّص في فتاويه ويتساهل في رأيه، ولو كان لديه علم أو شيء من فهم، فحسبهم الله تعالي يوم القيامة، فإنَّهم قد أهانوا علمهم وأهانوا أنفسهم، ويخشى عليهم من غضب الله ومقته، وقد أحسن الشاعر حين قال:

لا شيء أخسر صفقة من عالم *** لعبت به الدنيا مع الجهَّال

وأحسن منه وأجمل ما قاله الله عزَّ وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)﴾ (الأعراف) ومن الله الحول والطول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

-------------------

* الحواشي:

 (1) المقال منشور على هذا الرابط: http://www.saaid.net/Doat/khabab/12.htm

 (2) إنصاف أهل السنة ص75، وأحال على ذيل التبر المسبوك للسخاوي ص4

 (3) فتح الباري: (1/304) 

 (4) مناقب الشافعي للحافظ البيهقي: (1/528) 

 (5) علل الحديث ومعرفة الرجال للمروذي: (413).

 (6 ) كتاب الاستغاثة في الرد على البكري: (411).

 (7) المجموع للنووي: (1/40) 

 (8) حاشية ابن عابدين: (4/301) 

 (9) ذيل طبقان الحنابلة لابن رجب الحنبلي: (4/365) 

 (10) مجموع الفتاوى: (28/207) 

 (11) أخرجه الترمذي بقوله: (الأناة من الله) برقم: (1935) وقال حديث غريب، وقال ابن القيم: إسناده جيد، كما في كتابه إعلام الموقعين: (2/120)، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2677).

 (12) المنتقي: (4/84) 

 (13) يراجع كلام الإمام القرافي في كتابه الفروق: (3/162) 

(14) الموافقات للشاطبي: (2/682).

(15) الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي: (ا/118).

(16) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي: (23).

(17) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب: (1/58).

------------

** باحث وداعية فلسطيني- Khabab1403@hotmail.com