- المحاكمات العسكرية للإخوان أهم التحديات أمام اللجنة العربية لحقوق الإنسان

- تلقينا وعدًا بالإفراج عن سامي الحاج مصوِّر قناة (الجزيرة) في مارس القادم

- 2007 عام الذكريات المحزنة في الوطن العربي.. وغياب الحرية أبرز القسمات

 

حاوره في باريس- أنور مالك

الدكتور هيثم مناع مفكِّر عربي وباحث وكاتب، من أبرز الحقوقيين العرب، وقد سجَّل له التاريخ مواقف كثيرة على المستوى الفكري، من خلال مؤلفات عديدة تزخر بها المكتبة العربية، أو على مستوى اللجنة العربية لحقوق الإنسان، والتي يعدُّ من ركائزها.

 

(إخوان أون لاين) التقاه في العاصمة الفرنسية باريس، وكان هذا الحوار، وكشف لأول مرة خبر تلقِّي اللجنة المساندة لمصور (الجزيرة)- المعتقل بجوانتانامو- وعدًا بالإفراج عنه.

 

* ها قد ودعنا سنة 2007 بجراحها ودموعها وأفراحها، ما هي الذكريات التي لا تزال راسخةً في أذهانكم عن هذه السنة؟

** كانت سنةً قاسيةً، عمل متواصل دون أية فسحة راحة، ملفات تتراكم وانتهاكات تُعرض على عدد من المتطوعين للردِّ عليها، فقدان عدد من الأصدقاء من رموز المعارضة الديمقراطية العربية، أصدقاء ما زالوا وراء القضبان، معارك ناجحة وأخرى لم نحقق نتيجةً فيها بعد، عارف دليلة يدخل عامه السادس في السجن، ميشيل كيلو ما زال معتقلاً، سلطان أبا زيد في مقبرة على بُعد 1300 كم من مسقط رأسه، وهذا حال الفنان صخر فرزات..

 

صور كثيرة مؤلمة في غزة والضفة الغربية والعراق وأفغانستان وباكستان، لحظة ألم في جريمة اغتيال بونظير بوتو، ثم لحظة ألم ثانية عندما أخبرني صديق بعد منتصف الليل بفحوى وصيِّتها، صباح اليوم عادت بي الذاكرة إلى اللحظة التي رأيت فيها فداء الحوراني أول مرة قبل 35 عامًا ثم لحظة التقيتها في بيت هيثم المالح عند زيارة الوطن اليتيمة في 2003 أنا بحاجة إلى خلوة مع الذات يا عزيزي مساء اليوم، لن أحتفل بعام جديد، أودُّ التواصل مع الغائب والحاضر من الصحب وحيدًا في سكينة الليل.

 

* هذا في الوجدان.. فماذا في الميزان؟
 
 الصورة غير متاحة

الحقوقيان د . مناع ود. أنيس قاسم منعهما الأمن من حضور جلسات العسكرية

** رغم وجود 12 ألف فلسطيني في السجون الصهيونية صمت عالمي رهيب على جرائم الكيان الصهيوني، وتواطؤ عربي رسمي، ونوع من الاعتياد على الوجع الفلسطيني عند الناس، صور العراق لم تعُد تزعج كثيرًا، وأرقاء القلب يغيرون القناة عند الصور العنيفة، في فرنسا هَبّة يمينية متطرفة يشارك فيها أهم طلائع اللوبي الصهيوني، اليوم تنتج الصهيونية بؤس الفلسفة وبؤس المواقف، في تونس شهدنا إضرابات جوع ذكَّرتنا بهامش النضال عند صديق الغرب، في الجزائر عاد العنف الأعمى ليضرب الأبرياء بوحشية ودناءة، تسمح للجنرالات بشدِّ الحزام على الحريات باسم مناهضة الإرهاب، في المغرب تستمر مسرحية مساحيق التجميل على الوجه القبيح للمخزن دون وضع الأصبع على انتهاكات يومية في الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية، في ليبيا توبة العقيد أعادته وخيمته لحظيرة "الشرعية الدولية"، في مصر العنف المجاني يدخل طرفًا أساسيًّا لعلاقة السلطة بالمجتمع، مع ما يترتب على ذلك من تصعيد لكمون الحقد والقطيعة بين الدولة والمجتمع، الحكومة السودانية تستمر في مواجهتها لمأساة دارفور والمنظمات الدارفورية ضائعة بين التدويل والانشقاقات، اليمن يسير في طرق مغلقة وأفق مسدودة من فوق، الخليج يتخبَّط بين مطالب الإدارة الأمريكية وضرورات الأمن الإقليمي، لبنان مشلول بارتباطات طبقته السياسية بالخارج، العراق يواصل الاحتراق، سوريا تموت ببطء على أيدي أجهزة مخابراتها والأردن يعزِّز السجون السرية، الصورة قاتمة، نحن نصارع اليأس ونرفض الاستسلام له في ظروف منتجة لليأس.

 

* سنة أخرى في عمر جوانتانامو بالرغم من دوركم البارز كحقوقيين لإغلاق هذا السجن العار، فما هو برنامجكم خلال السنة الجديدة في هذا الإطار؟ وما تتوقعون لذلك؟

** الحملة الدولية مستمرة، لقد نجحنا في إطلاق سراح كل العاملين في الحقل الخيري هذا العام، وكسب مؤسسات هامة جدًّا بين حكومية وعدد كبير من النواب الأوروبيين، اليوم يوجد عدة دول قبلت بمعتقلين من جوانتانامو يفرج عنهم ويوجد خطر على حريتهم وحياتهم في بلدانهم، قائمة 23 شخصًا مطلقي السراح من هؤلاء أصبحت تقريبًا منجزة، من الدول التي قبلت مشكورةً اليونان وليتوانيا وألبانيا، وننتظر ردًّا من أيرلندا، وقد رفضت البلدان الإسكندنافية المساعدة، يوجد ندوة هامة في الخرطوم لمنظمة العون المدني العالمي في 26 من يناير وأخرى في نواكشوط في 16 فبراير وثالثة في بروكسل في 22 فبراير ينظمها التنسيق العالمي من أجل سامي الحاج، والمنظمات المناضلة لإغلاق جوانتانامو، وسنتابع على الطرف الآخر من الأطلسي إن لم يغلق السجن.

 

 الصورة غير متاحة

نجل سامي الحاج يطالب بإطلاق سراح والده

* وماذا عن قضية مصوّر "الجزيرة" سامي الحاج؟

** سامي الحاج في عنقك وعنق كل عامل بالصحافة، سامي رهينة، لدينا اليوم وعدٌ بالإفراج عنه قبل نهاية شهر مارس، إذا لم يتحقق هذا الوعد، مؤسسات أوروبية رسمية ستشاركنا في نشاط احتجاجي كبير في جنيف وواشنطن، نحن لا نريد تحديَ أحدٍ، السلطات الأمريكية متيقِّنة من براءة سامي بكل المعاني، إذن حريته جزءٌ لا يتجزَّأ من احترام وزارتي العدل والدفاع الأمريكيتَين لدستور بلدهم ومصداقيتهم عندما يتحدثون عن معتقل رأي في أي منطقة في العالم، أتمنَّى أن أرى سامي قريبًا جدًّا وبصحة جيدة.

 

* تنتقدون دور الحكومات العربية في قضية جوانتانامو، فكيف ترون الطريقة الواجب اتخاذها حيال ذلك من طرف أنظمة تربطها مصالح علنية وسرية مع الإدارة الأمريكية؟

** لينظر الحكام العرب كيف دافعت الحكومة الفرنسية عن رعاياها في قضية "آرش دو زويه"، فقد دافعت عن متورِّطين في قضية احتيال وتزوير وأعادتهم لأراضيها، نحن نقول بصراحة لكل الحكومات العربية: هناك قرابة 26 ملفًّا فيها معطيات تورّط أو تخطيط أو مشاركة في منظمة تتبنَّى العنف، والباقي حالات تخمين وتهم بدون أسس قانونية أو أدلة مقنعة، هذا الباقي وصل عدده إلى 800 في يوم ما، اليوم يمثُل حوالي 250 شخصًا بعضهم قرَّرت لجنةُ تحديد صفة المعتقلين أن معظمهم ليس عدوًّا مقاتلاً، فأي الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها؟ دول مثل الجزائر وليبيا وسوريا تتصرف وكأنها غير معنية، دول مثل تونس تعتقل العائد وتصيح هل من مزيد من السنوات في السجن؟ بلدان مثل اليمن تتخبط في موقفها وطريقة تعاملها، أنا لا أطالبهم بأخذ دروس من فرنسا وبريطانيا، أقول لهم تعلَّموا من المملكة العربية السعودية.

 

* أسقطت المحكمة العسكرية في مصر تهم الإرهاب في قضية الإخوان، فهل ترون ذلك تطورًا إيجابيًّا أم أنه مجرد ديكور لقضية حُسمت مسبقًا؟

 الصورة غير متاحة

د. مناع وإلى جواره الحقوقية الجزائرية حسيبة صحراوي

** مصير المحكمة العسكرية اليوم متوقف على تصعيد الحملة العربية والدولية تضامنًا مع المعتقلين؛ لأن الأوراق الداخلية والملفات تعرفها السلطة منذ نهاية 2006 بشكل كامل، ما لم تتوقعه هو أن يتضامن مهندسون وأطباء ونواب ونشطاء حقوق إنسان ومناضلون مناهضون للعولمة مع المعتقلين، واعتبارهم لهذه المحاكمة بالونَ اختبار سيتعمَّم على الجميع في حال مروره على الإخوان، نحن في اللجنة العربية لحقوق الإنسان نعتبر هذا الملف تحديًا مباشرًا للمدافعين عن حقوق الإنسان: هل لنا صوت وصدى، أم نحن غثاء كغثاء السيل؟ الجواب ليس فقط يوم الحكم، ولكن في القضية بكل أبعادها.

 

* نشرت اللجنة العربية تقريرًا عن التعذيب في سجون الجزائر وأشار إلى وجود السجون السرية في الجزائر، ألا ترون أن نضالكم ضد جوانتانامو جاء على حساب ما يمكن تسميته "مشتقات جوانتانامو" في البلدان العربية وحتى الإسلامية؟

** أنا المفوّض الوحيد من اللجنة العربية بمتابعة ملف جوانتانامو؛ الأمر الذي لم يمنعني من متابعة ملفات عدة دول عربية، زيادة انتهاكات حقوق الإنسان تجعلنا في حالة تقصير كامل، أريد أن أسرَّ لك بأنني لم آخذ إجازةً منذ 11 سبتمبر 2001 ثم لِمَ لا تطرح السؤال بشكل مختلف: لماذا دافعنا عن العرب الأفغان والعرب البوسنويّين والعرب المهددين بالإبعاد من أوروبا؟ للأسف لأن منظمات حقوقية أوروبية لم تقم بما عليها ولأن ما يسمَّى بالحرب على الإرهاب قد أعاد التعذيب والإبعاد القسري وغياب الصفة القانونية للأشخاص إلى قلب أوروبا وشمال أمريكا.

 

 الصورة غير متاحة

الفلسطينيون يعيشون على المساعدات الإنسانية بسبب الحصار

* يعاني الفلسطينيون معاناةً استثنائيةً وخاصةً في السجون، ألا ترون أن المنظمات الحقوقية أهملت بعض الشيء الشأن الفلسطيني في ظل اهتمام بالغ بضحايا الحرب على الإرهاب؟!

** في نهاية 2001 قلتُ في مقابلة تلفزيونية إن الحرب على الإرهاب تعني عناق محافظ نيويورك وشارون على حساب الحق الفلسطيني، أنا متأكد من أن هذه الحرب الكارثة قد أعطت "إسرائيل" آخر ورقة توت لم تحلم بها بعد أن تعرَّى الكيان الصهيوني من كل الثياب المزركشة التي أهداه إياها الغرب ومجموعات الضغط الموالية له، من هنا نظرنا بازدراء لعرب الهرولة وراء أنابوليس بعد كل ما قدم "لإسرائيل" من الإدارة الأمريكية الحالية، الاستيطان كجريمة ضد الإنسانية ازدهر بعد أوسلو وأينع بعد الحرب على الإرهاب، جدار الفصل العنصري والحصار الخانق على الشعب الفلسطيني وتحويل فلسطين المحتلة لسجن "إسرائيلي" كبير من نتائج الحرب على الإرهاب، أظن أن البشرية لن تتمكن من كتابة التاريخ المعاصر بروح عالمية إن لم تفك ارتباطها مع جرائم دولة "إسرائيل".

 

* هل أنتم متفائلون بتحقيق ما لم يتحقق في 2007؟

** نحن محكومون بالأمل يا صديقي، التشاؤم لا يهزُّ فينا عزيمة العمل من أجل التغيير.