بقلم: الأستاذ مصطفى مشهور
إن الدعاة إلى الله اليوم والسالكين طريق الدعوة يجدون في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير زاد على الطريق وذلك لأسباب كثيرة منها :
أن طريق الدعوة الذى نسير عليه هي نفس الطريق التى سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من قبل، ولأننا نعيش مرحلة كبيرة الشبه بالمرحلة الأولى للدعوة... فالإسلام عاد غريباً والجاهلية عادت تهدد مجتمعاتنا، والداعية إلى الله يضيق عليهم ويضطهدون ويعذبون، وأعداء الله يكيدون ويتربصون ، وهذا يؤكد ضرورة تزودنا من السيرة بكل ما فيها من مواقف وأحداث، خاصة وأن الرائد و القائد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير قدوة لنا كما قرر الله عز وجل :{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمنك كان يرجو الله و اليوم الآخر وذكر الله كثيراً } .
كما أن السائر معه على طريق الدعوة هم الصحابة رضوان الله عليهم الذين قامت على كواهلهم الدولة الإسلامية الأولى، وهم كالمصابيح بأيهم اقتدينا واهتدينا .
ولذلك فإن السيرة تمثل فترة زاهرة وزاخرة بكل معانى الخير ، فهى فترة تنزُّل فيوضات الله ورحماته وأنواره للبشرية كلها عن طريق نزول الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك كله فالسيرة تمثل التطبيق الأول والصحيح للإسلام في حياة الناس .
كل ذلك يحتم علينا دراسة السيرة دراسة عمل واقتداء وتعرف دقيقي لكل ما تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من مواقف وأحداث وكيف كان سلوكهم وتصرفهم إزاءها لنأخذ القدوة و العبرة و الزاد .
وغنيّ عن البيان أن القدوة العملية لها تأثيرها الفعال في النفوس أكثر من الموعظة المجردة وفي هذا خير زاد على الطريق .
ولن نستطيع أن نحيط بكل ما في السيرة من عظات وعبر ودروس ولكن سنعرض بعضها على سبيل المثال، ونؤكد على ضرورة دراسة السيرة ولا نقول قراءة السيرة .
إن من أول وأهم ما يتزود به من السيرة ونحتاجه على طريق الدعوة الإعداد النفسى و الزاد الروحى فذلك خير عون للقيام بمتطلبات الدعوة و التغلب على العقبات و الصعاب و التحرز من المنعطفات والإنحراف ، ونرى ذلك فى إلهام الله لرسوله قبل البعثة بالتحنث فى الغار الأيام والليالي الطوال ، كما يتمثل في توجيه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بقيام الليل: { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً } فالتقرب إلى الله وإحسان الصلة به خير زاد على الطريق .كلما قرأنا ما تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنوف الإيذاء وصبره وتحمله مع حرصه على هداية قومه أخذنا بالزاد والقوة للسير بالدعوة واحتمال كل أذى، كما أن في استشهاد ياسر وسمية تحت التعذيب وثبات بلال زاداً ووقوداً للأجيال على مرِّ الأزمان و العصور ، وتثبيتاً لهم على الحق .
انظر يا أخى إلى الأثر العميق الذى يحدثه في نفوسنا ذلك الموقف العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقولته الخالدة عندما عرض عليه المُلْكَ و الجاه و السيادة فقال: ( والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) فيها تحدٍّ للباطل واستخفاف بكل أعراض الدنيا .
رسول الله صلى الله عليه وسلم اتهم بالكذب و السحر و الجنون فصبر، ولم يغضب لذلك ولكن الواقع العملى أثبت زيف هذه الاتهامات وقديماً اتهم موسى عليه السلام بالفساد وادعى فرعون أنه هو الذى يهدي إلى سبيل الرشاد .
واتهم الدعاة إلى الله هذه الأيام بالإرهاب والتستر وراء الدين وغير ذلك رغم أن هذه الاتهامات ثبت من قبل بصورة قاطعة زيفها وبطلانها فليصبروا ولا يهنوا ولا يستكينوا .
انظر يا أخي إلى تحمل المسلمين الأول الجوع والحرمان فترة المقاطعة في شعب أبي طالب ثلاث سنوات حتى أكلوا ورق الشجر ولم يتخلوا عن عقيدتهم وآثروا دعوة الله على كل متاع الدنيا .
كل داع إلى الله يجد زاداً هائلاً في قصة ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وقطع المسافات الطوال لتبليغ الدعوة وما لاقاه من إعراض وإيذاء وبعد ذلك يقول: ( رب اهد قومي فإنهم لايعلمون ) .
وهذا الدعاء الذى يشكو فيه إلى الله ضعف قوته وقلة حيلته وهوانه على الناس وما يحويه من معان كبيرة وعميقة من لجوء إلى الله وخروج من حوله وقوته إلى حول الله وقوته وألا يخشى إلا غضب الله عليه: ( إن لم يكن بك علىَّ غضب فلا أبالي ) الى آخر هذه المعانى الدافعة إلى الخير وإلى الاستمرار في تبليغ الدعوة رغم كل الإيذاء .
وفي موقف السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير زاد وقدوة لكل أخت مسلمة؛ كى تكون عوناً لزوجها على طريق الدعوة تؤازره وتطمئنه لا تثبطه ولا تخذله .
ومن يقرأ أحاديث الإسراء والمعراج في السيرة يخرج منه بزاد وعبرة ودروس كثيرة تزيد الذين آمنوا إيماناً، وما أشد حاجة المسلمين اليوم إلى إحساسهم بمنزلة المسجد الأقصى وما حوله وما يجب علينا نحو تحرير هذه الأماكن المقدسة من أيدي الصهاينة المغتصبين .
وحادث الهجرة كله دروس وعبر لا نستطيع حصرها هنا؛ فلكل فرد اشترك أو شارك فيها مواقف ونماذج رائعة لجانب أو أكثر من جوانب الخير يقتدي به الدعاة إلى الله؛ فاطمئنان الرسول وثقته في ربه وحرص أبي بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدائية علىّ ورباطة جأش عبد الله بن أبي بكر وأسماء وقيامهما بدورهما وسط هذا الجو الصاخب وكتمانهما الأمر .
ووعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سراقة سوارى كسرى وما فيه من ثقة بنصر الله، ثم هذا الحب الدافق والشوق الكبير عند أهل المدينة الواضح من ترقبهم حضوره واحتفائهم به وغير ذلك من المعانى ذات الأثر النفسى الكبير كل ذلك يحتاجه الداعي وهو على الطريق .
وخذ العبرة يا أخى من اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد في كل مكان يقيم فيه لنعرف أهمية رسالة المسجد ودوره في بناء الدولة الإسلامية؛ لكي نعمل على إعادة هذا الدور الهام للمسجد وألا يقتصر على أداء الصلوات فيه .وثمة درس نحتاجه اليوم وهو موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من اليهود وموقفهم منه ومن دعوته؛ فقد حَرَص أول مقامه بالمدينة أن يقيم بينه وبينهم علائق سلمية، وأن يؤمنهم على دينهم وأموالهم وكتب لهم كتاباً، ولكنهم قوم غدر فما لبثوا غير قليل حتى تآمروا على قتله، وكان ذلك سبباً في غزوة بني النضير، ثم نقضوا عهده في أشد المواقف حرجاً يوم الأحزاب؛ مما كان سبباً في غزوة بني قريظة، ثم تجمعوا من كل جانب يهيئون السلاح ويبيتون الدسائس؛ لينقضوا في غدر وخسة على المدينة والمؤمنين مما كان سبباً في غزوة خيبر؛ فهؤلاء قوم لا يصدق لهم وعد، ولا يستقيم لهم عهد فلنأخذ الدرس ولا ننخدع بغير ذلك .
تزود يا أخي من غزوة تبوك، وانظر ما يفعله الإيمان الصادق في نفوس المؤمنين من إثارة عزائمهم للقتال واندفاع أيديهم في بذل المال، ومن استعذابهم المر والعناء والتعب الشديد في سبيل الله ومرضاته .
خذ الزاد من موقف هؤلاء النفر الذين جاءوا للجهاد فردهم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يجد ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً على حرمانهم شرف الجهاد وفرصة الاستشهاد في سبيل الله تعالى، في حين أن طبيعة الإنسان أن يفرح لنجاته من الأخطار وابتعاده عن الحروب؛ ولكنه الإيمان الصادق، يصحح الموازين؛ فيجعل كل موت في سبيل الله شهادة وكل أذى في دعوة الحق شرفا،ً وكل بلاء بسبب الإصلاح خلوداً .
ما أحوج من يسلك طريق الدعوة إلى الزاد الذى يحصل عليه عندما يقرأ فى السيرة عن مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وما صاحبها من صور الحب والإيثار التى عبر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .
وفي الغزوات زاد فنرى صوراً من الإقدام والجهاد والإنفاق والاستشهاد في سبيل الله ... ونرى في غزوة بدر كيف نصر الله الفئة القليلة المؤمنة على الكثرة الباغية الكافرة، ونرى في غزوة الفتح تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم عند النصر وعدم الغرور أو التعالى، وفي غزوة أحد وحنين دروس وعبر كثيرة حول أسباب الهزيمة وضرورة التزام الأوامر والتعليمات، وفي غزوة تبوك دروس وعبر كثيرة فالخروج للجهاد رغم الحر والجهد وعدم الاستجابة لتثبيط المنافقين الذين قالوا لا تنفروا في الحر، ثم في قصة الثلاثة الذين خلِّفوا دروس وعبر كثيرة لأصحاب الدعوات.
وفي السيرة نجد حب المسلمين الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والحرص على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، ونرى حسن استجابة المؤمنين لكل أمر أو نهي في القرآن أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تردد كما حدث عند تحريم الخمر، وعند نزول آية الحجاب للنساء .
وللأخت المسلمة زاد كبير من خلال السيرة، وعلى سبيل المثال موقف نسيبة أم عمارة الأنصارية رضى الله عنها في غزوة أحد حينما جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقع، وتكاثر عليه المشركون يريدون قتله؛ فثبت وثبت معه نفر من المؤمنين منهم أبو دجانة رضى الله عنه تترس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحميه من نبال المشركين فكان النبل يقع على ظهره ومنهم نسيبة أم عمارة تركت سقاية الجرحى وأخذت تقاتل بالسيف وترمى بالنبال دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال في حقها: ( ماالتفت يميناً أو شمالاً يوم أحد إلا رأيتها تقاتل دونى وقد جرحت يومئذٍ اثنى عشر جرحاً ) .
وللشباب المسلم أن يأخذ الزاد والثقة حينما يقرأ عن بعث أسامة بن زيد رضى الله عنه وكيف يفسح الإسلام المجال لكفاءات الشباب وعبقرياتهم وتمكينهم من قيادة الأمر حين يكونون صالحين لذلك ، وفى تأمير أسامة على مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ـ رضي الله عنهم ـ درس وزاد ودليل على مدى التهذيب النفسى و الخلقى الذى وصلوا إليه بفضل هداية الله وتربية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاده لهم .
ولكى تستفيد فائدة كبيرة من قراءتك للسيرة يا أخي اقرأها وكـأنك تعيش أحداثها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته .
وفي مقابل ذلك وأنت على طريق الدعوة هذه الأيام عليك أن تواجه الأحداث والمواقف متخذاً الموقف الذي يقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته لو كانوا بين أظهرنا يقودونا على الطريق
مم كتاب "زاد على الطريق" لفضيلة الأستاذ مصطفى مشهور – رحمه الله –