إن هذا البيت الحرام ليس كغيره من البيوت وإن كان من حجارة متشابهة إنه بيت الله الحرام، وهذا الجبل ليس كغيره من الجبال، وإن كان من نفس مكونات الجبال. لقد خصهما الله بأسرار وفيوضات وتأثير وتجليات كما خص سبحانه القرآن كلامه العظيم بأسرار وإعجاز وتأثير، وإن كان من ألفاظ وحروف مثل التي نتكلم بها، وهذا فضل  منه ورحمة بنا وتيسير ، فإننا لا نقوى على تحمل كلام الله على حقيقته مباشرة: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } كما أننا لا نستطيع تحمل تجلي الله: { فلما تجلى ربه للحبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً } فيسر الله لنا زيارته و القرب منه ومناجاته والنيل من فيوضاته بزيارة بيته الحرام الذى تجلى عليه، وخصه بفيوضات وأنوار تنعكس علينا بالقدر الذى نتحمله .

وعلى قدر تهيؤ القلوب التى تخشى ربها على قدر استقبالها لهذه الأنوار و الفيوضات الربانية كما هو الحال مع كتاب الله: { الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين  يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله }. فيا أخي عش رحلة الحج من خلال هذه النظرة الربانية كرحلة حياة للقلوب والأرواح ، لا من خلال النظرة الجسدية الحسية فينشغل القلب بالله والقلب منه التزود من فضله وإحسانه ورحمته فيتحقق لك الحج المبرور و الزاد الموفور و الذنب المغفور وتعود طاهراً نقياً كيوم ولدتك أمك .

- وبهذه النظرة تعرف سر تلك المشاعر والأحاسيس الغامرة التى هى مزيج من أحاسيس الخشية و المهابة و الفرح والسعادة عند وقوع بصرك على الكعبة المشرفة لأول مرة .

- و الطواف بالكعبة وهو تحية هذا المسجد تبدأ باستلام الحجر الأسود وتقبيله إذا تيسر لك ذلك متمثلاً الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الاستلام وهذا التقبيل مصطحباً نية العهد مع الله على التزام صراطه المستقيم والقيام بواجبات الإسلام من جهاد وتضحية، ونصرة لدينه في عزم صادق على الوفاء بالعهد وإتمام البيع واستشعاره خطورة النكث في العهد وما يترتب عليه من غضب الله وعذابه، وفي إتمام هذا العهد بهذه الصورة زاد على طريق الدعوة .

- الطواف حول البيت صلاة في صورة خطوات ودورات ودعوات فأده كأدائك للصلاة في خشوع وحضور قلب وأدب ورفق بإخوانك أثناء الطواف، واستشعر اطلاع الله عليك وأنت تؤدى هذه العبادة حول بيته الحرام، واعلم أن قلبك هو موضع نظر الله إليك فأخله من كل شيء إلا الله وحب الله، الإخلاص لله حينئذٍ تسمو الروح، وكأنها هي التي تطوف حول البيت، وليست الأقدام، ولتكثر من ذكر الله والدعاء لك ولإخوانك ولدعوتك .

- وعند الملتزم بعد الطواف استشعر التصاقك بالبيت والرغبة الشديدة فى القرب من الله وبتعلقك بأستار الكعبة، استشعر الفقر و الحاجة إلى الله وإلى مغفرته ورضوانه، وبوقوفك على أعتاب الكعبة استشعر وقوف العبد الفقير على باب الغني الكريم، وليطلع الله منك على صدق الإقبال عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء فيه، والندم والتوبة النصوح، والشعور أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه مع الشعور بالحب والخضوع ولذة القرب والطاعة وفي هذا مزيج من المشاعر الطيبة السامية، أكثر الدعاء واسكب العبرات وجدد العزم والعهد مع الله وكأنك لا تريد أن تترك أعتاب بابه إلا لتتيح الفرصة لغيرك من ضيوف الرحمن .

- وعند مقام إبراهيم تصلى ركعتين وتتذكر الصلة الروحية الممتدة عبر الأجيال بيننا وبين سيدنا إبراهيم عليه السلام واستجابة الله لدعواته بأن بعث فينا محمداً صلى الله عليه وسلم رحم للعالمين .

- وماء زمزم ليس كغيره من الماء فقد خصه الله كذلك بخير كثير ولنتذكر عند شربنا منه السيدة هاجر أم إسماعيل وكم قاسا من العطش قبل ظهور زمزم ، فلنروض أنفسنا على تحمل المشاق فى سبيل الله فى ميادين الجهاد

- و السعي بين الصفا والمروة أيضاً من شعائر الحج و العمرة، فهو عبادة وليس مجرد سير هذه الأشواط، وإذا صاحبها شعور بالتعب والمشقة فلنتذكر السيدة هاجر وسعيها بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء لوليدها الذى أشرف على الهلاك، فما أجدرنا أن نتحمل مشاق السفر والجهاد في سبيل الله تعبداً وتقرباً إلى الله زكاة لصحتنا وشغلاً لأبداننا بطاعة الله .

- فى أيام إقامتك بمكة وفي رحاب البيت الحرام، ما أروع وأجمل أن تنتهز الفرصة وتؤدى جميع الصلوات والكعبة المشرفة أمام ناظريك .

وفي هدوء الليل تنتحي جانباً في رحاب الكعبة وتتهجد لله وتناجيه وتخبت له، وتخشع، وتطرق باب الكريم بركعات وسجدات ودعوات ودمعات من خشيته، وفي هذا الجو الرباني لا تنس أن تسأل الله أن يعز جنده، وينصر دينه، ويهزم أعداء الإسلام في كل مكان .

وفي مكة حين تسير في شعابها وبين أرجائها وتزور غار حراء وغار ثور ، عش ذكريات أيام الدعوة الأولى وما تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم و المسلمون الأول، من إعنات وتعذيب وإيذاء بسبب عقيدة التوحيد، وتذكر صبرهم وثباتهم وإصرارهم على تبليغ الدعوة . وتذكر دار الأرقم بن أبي الأرقم التى ربى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأبطال الذى اندكت على أيديهم كل الضلالات وحصونها من عبدة الأصنام وعبدة النار ، والروم و اليهود، واستشعر أنك تسير على أرض سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

- إن فى اجتماع الحجاج من كل أقطار العالم فرصة سانحة لتقوية الروابط بين المسلمين وتعارفهم وتعرفهم على أحوال بعضهم البعض، وتبادل المشاعر والآمال والآلام ليكونوا حقاً كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، وليتدارسوا أهم القضايا التى يعيشها العالم الإسلامى والأقليات الإسلامية ، وكيد الأعداء وكل ما يهم المسلمين وحبذا لو تبادلوا المراسلات بعد الحج لتدوم الصلة وتعرف الأحوال وليتمثل الحجاج شعار وحدة الأمة الإسلامية: { وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } .

- وعلى عرفات الله هذا الجبل الذى خصه الله دون الجبال بهذا الخير، وهذا الفضل وهذه الفيوضات و الرحمات تتنزل على ضيوف الرحمن وقد اجتمعوا جميعاً فوق هذا الجبل، في زيّ الإحرام المبسط، يجأرون إلى الله بالدعاء بصورة تذكرهم بيوم الحشر، إنه مشهد عظيم ويوم عظيم، وقد روى مسلم وغيره عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفه وأنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء ؟ ) .

ومن الخير الذى أفاضه الله على هذا اليوم أن جعل صيامه لغير الحجاج يكفر سنة قبله وسنة بعده فعن أبى قتادة رضى الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة: ( قال: يكفِّر السنة الماضية و الباقية ) رواه مسلم .

وعند الإفاضة من عرفات تجيش المشاعر عند وداع هذا الجبل الحبيب، وهذا اليوم المبارك، وهذا الموقف العظيم، وتتعلق القلوب برجاء القبول  .

وفي رمي الجمار معنى الانقياد للأمر وتحقيق العبودية بالامتثال، وإن لم يكن للعقل حظ في هذا الفعل، ولتذكر تعرض إبليس لسيدنا إبراهيم عليه السلام ليثنيه عن طاعة أمر الله وعدم استجابة الخليل لهذه الوسوسة، فما أجدرك أيها الحاج أن تتجسم أمامك خطورة نزغات الشيطان ووسوسته، وضرورة مقاومته، وأنت ترمى الجمرات دحراً لهذا الشيطان الرجيم .

- وفي ذبح الهدي وتوزيعه على المحتاجين من المسلمين قربة لله، ومرضاة له، ورجاء فى أن يعتقك الله من النار ، وفي ذلك أيضاً تحقيق معنى العطف على الفقراء وإطعامهم من أفضل الهدى: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع و المعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون } .

- وفي طواف الوداع الإحساس بفراق أعز الأماكن وأحبها إلى قلبك، وكلك رجاء في قبول الله هذا الحج ورجاء في العودة فيما يقبل من العمر .

- وفي الرحلة الى المدينة تذكر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم و المسافات التى قطعها وهو يطارد واستقبال أهل المدينة وبدئه ببناء المسجد وعش هذه الذكريات العطرة ، وما فيها من إنجازات كبيرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وصحابته والغزوات والفتوحات وتطهير الجزيرة من الشرك والأصنام ومن اليهود بعد حنثهم العهود كما هي عادتهم التي قررها القرآن .

- وفي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، تذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رواه البخاري :( مابين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي ) فعش هذه السعادة الروحية التى هى أقرب إلى سعادة أهل الجنة برضوان الله - واستشعر الصلة الروحية بينك وبين الرسول الحبيب وأنه حريص علينا وبالمؤمنين رءوف رحيم  عزيز عليه إعناتنا ، سلِّم عليه، وصلِّ عليه، وادع الله أن يجازيه عنا خير ماجازى نبياً عن أمته، وكذلك الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وعمر بن الحطاب أمير المؤمنين ، وادع الله أن يحشرنا مع هؤلاء النفر الكرام .

- وزر المشاهد في المدينة والأحداث التى جرت عليها والتى غيرت وجه التاريخ، وزر البقيع الذى يطوى أبطالاً أطهاراً، وزر أُحد هذا الجبل الذى دارت عنده غزوة أُحد، وتذكر ما فيها من عبر ودروس .

وهكذا عش تلك الفترة من السيرة العطرة بذكرياتها الطيبة التى تمنحك الزاد والعظة والعبرة التي أنت في أشد الحاجة إليها، وأنت تسير على طريق الدعوة .

منقول بتصرف من كتاب – زاد على الطريق – للأستاذ مصطفى مشهور – رحمه الله