خُطُـوط مُسْتَقِـرة
عندما انحسرت موجة المد الإسلامي العالية عن هذه الأرض؛ وحينما استردت الجاهلية زمام القيادة، التي كان الإسلام قد انتزعها منها؛ وعندما عاد الشيطان ينفض غبار المعركة عن كاهله، وينهض من عثرته، ويهتف لحزبه الذي عاد يتسلم الزمامَ!.
عندما حدث هذا كله لم ترتد حياة البشرية تماماً إلى أوضاعها المتخلفة في الجاهلية الأولى... لقد كان الإسلام هناك - حتى وهو يتراجع عن مكان الصدارة في الأرض - وكانت هنالك من ورائه خطوط عريضة، ومبادئ ضخمة، قد استقرت في حياة البشرية، وصارت مألوفة للناس، وزالت عنها الغرابة التي استقبلوها بها يوم جاءهم بها الإسلام أول مرة.
هذه الخطوط العريضة، وهذه المبادئ الضخمة هي التي سنحاول الإشارة إلى نماذج قليلة منها في هذا الفصل على سبيل الاجمال.
* *
إنسانية واحدة :
من العصبية القبلية، بل عصبية العشيرة، بل عصبية البيت، التي كانت تسود الجزيرة العربية... ومن عصبية البلد، وعصبية الوطن، وعصبية اللون؛ وعصبية الجنس.. التي كانت تسود وجه الأرض كله ...
من هذه العصبيات الصغيرة التي لم تكن البشرية تتصور غيرها في ذلك الزمان، جاء الإسلام ليقول للناس: إن هناك إنسانية واحدة، ترجع إلى أصل واحد، وتتجه إلى إله واحد. وإن اختلاف الأجناس والألوان، واختلاف الرقعة والمكان، واختلاف العشائر والآباء... كل أولئك لم يكن، ليتفرق الناس ويختصموا، ويتحوصلوا وينعزلوا. ولكن ليتعارفوا ويتآلفوا؛ وتتوزع بينهم وظائف الخلافة في الأرض؛ ويرجعوا بعد ذلك إلى الله الذي ذرأهم في الأرض واستخلفهم فيها. وقال لهم الله سبحانه في القرآن الكريم:
" يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير" (الحجرات:13)
" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً "... (النساء:1)
" ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين".. (الروم: 22)
ولم تكن هذه مبادئ نظرية؛ ولكنها كانت أوضاعاً عملية.. لقد انساح الإسلام في رقعة من الأرض فسيحة؛ تكاد تضم جميع الأجناس وجميع الألوان... وذابت كلها في النظام الإسلامي. ولم تقف وراثة لون، ولا وراثة جنس، ولا وراثة طبقة، ولا وراثة بيت، دون أن يعيش الجميع إخواناً؛ ودون أن يبلغ كل فرد منهم ما تؤهله له استعداداته الشخصية. وما تكفله له صفته الإنسانية.
واستقر هذا الخط العريض في الأرض؛ بعد أن كان غريباً فيها أشد الغرابة، ومستنكراً فيها كل الاستنكار.. وحتى بعد انحسار المد الإسلامي لم تستطع البشرية ان تتنكر له كل التنكر؛ ولم تعد تستغربه كل الاستغراب…
حقيقة: أنها لم تستطع أن تتمثله كما تمثلته الجماعة المسلمة؛ ولم يستقر فيها استقراره في المجتمع الإسلامي.
وحقيقة: إن عصبيات شتى صغيرة ما تزال تعيش، عصبيات الأرض والوطن. وعصبيات الجنس والقوم. وعصبيات اللون واللسان.
وحقيقة: إن الملونين في أمريكا وجنوب إفريقيا يؤلفون مشكلة حادة بارزة، كما يؤلفون مشكلة ناعمة مستترة في أوربا كلها!.
ولكن فكرة الإنسانية الواحدة ما تزال خطاً عريضاً في هتافات البشرية اليوم؛ وما يزال هذا الخط الذي خطه الإسلام هو أصل التفكير البشري - من الناحية النظرية- وما تزال تلك العصبيات الصغيرة تبزغ وتختفي؛ لأنها ليست أصيلة ولا قويمة!.
لقد انحسر المد الإسلامي الأول، الذي استمد من رصيد الفطرة وحده ما خط به هذا الخط العريض... ولكنه ترك للمد التالي رصيد الفطرة ورصيده الذاتي. لتستمد منه الجولة القادمة. والبشرية أكثر إدراكاً، وأكثر استعداداً، وقد زالت عنها دهشة المفاجأة بهذا الخط الجديد!!.
* *
إنسانية كريمة:
وجاء الإسلام والكرامة الإنسانية وقف على طبقات معينة، وعلى بيوت خاصة، وعلى مقامات معروفة.. أما الغثاء. غثاء الجماهير. فهو غثاء! لا وزن له ولا قيمة، ولا كرامة! غثاء!!!.
وقال الإسلام كلمته المدوية: إن كرامة الانسان مستمدة من "إنسانيته" ذاتها لا من أي عرض آخر كالجنس، أو اللون، او الطبقة، او الثروة، أو المنصب ... إلى آخر هذه الأعراض العارضة الزائلة... والحقوق الأصيلة للإنسان مستمدة إذن من تلك الانسانية. التي ترجع إلى أصل واحد كما أسلفنا.
وقال لهم الله في القرآن الكريم:
" ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ". (الإسراء: 70)
" وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة " (البقرة: 30)
" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ". (البقرة:34)
" وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه " (الجاثية: 13)
وعلم الناس منذئذ: أن الإنسان - بجنسه - كريم على الله، وأن كرامته ذاتية أصيلة؛ لا تتبع جنسه، ولا لونه، ولا بلده، ولا قومه، ولا عشيرته، ولا بيته. ولا عرضاً من هذه الأعراض الزائلة الرخيصة . انما تتبع كونه انساناً من هذا الجنس الذي أفاض عليه ربه التكريم.
ولم تكن هذه مبادئ نظرية، إنما كانت واقعاً عملياً، تمثل في حياة الجماعة المسلمة، وانساحت به في أرجاء الأرض، فعلمته للناس، وأقرته في أوضاع حياتهم كذلك. وعلمت جمهور الناس... ذلك الغثاء... أنه كريم، وأن له حقوقاً، هي حقوق الإنسان، وأن له أن يحاسب حكامه وأمراءه، وأن عليه ألا يقبل الذل والضيم والمهانة، وعلمت الحكام والأمراء ألا تكون لهم حقوق زائدة على حقوق الجماهير من الناس، وأنه ليس لهم أن يهينوا كرامة أحد ممن ليس بحاكم ولا أمير.
وكان هذا ميلاداً جديداً "للإنسان"... ميلاداً أعظم من الميلاد الحسي... فما الإنسان إذا لم تكن له حقوق الإنسان وكرامة الإنسان؟ وإذا لم تكن الحقوق متعلقة بوجوده ذاته وبحقيقته التي لا تتخلف عنه في حال من الأحوال؟
بدأ أبو بكر - رضي الله عنه - عهده بقوله:
" لقد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني. وإن أسأت فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فان عصيته فلا طاعة لي عليكم "...
وخطب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فقال يعلم الناس حقوقهم تجاه الأمراء: " يا أيها الناس. إني والله ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا من اموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم. فمن فعل به شيء من ذلك فليرفعه الى. فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه..." فوثب عمرو بن العاص فقال:
" يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيته، فأدب بعض رعيته. إنك لتقص منه؟".
قال عمر: أي والذي نفس عمر بيده. إذا لأقصن منه. وكيف لا أقص منه. وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص من نفسه. ألا لا تضربوا الناس فتذلوهم. ولا تجمروهم ( ) فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم"
وكتب عثمان - رضي الله عنه- إلى جميع الأمصار كتاباً قال فيه:
إني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم وقد سلطت الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يرفع علىَّ شيء ولا على احد من عمالي إلا أعطيته. وليس لي ولا لعمالي حق قبل الرعية لا متروك لهم. وقد رفع إلى اهل المدينة أن أقواماً يشتمون ويضربون. فمن ادعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم، يأخذ حقه حيث كان، مني او من عمالي. أو تصدقوا، ان الله يجزي المتصدقين".
والمهم - كما أسلفنا- أن هذه لم تكن مجرد مبادئ نظرية؛ أو مجرد كلمات تقال. فقد طبقت تطبيقاً واقعياً؛ وسرت في أوساط الشعوب حتى اتخذت قاعدة للأوضاع العملية.
وحادثة ابن القبطي الذي سابق ابن عمرو بن العاص، فاتح مصر وواليها فسبقه فضربه ابن عمرو، فشكا أبوه إلى عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- فأقصه منه في موسم الحج وعلى ملأ من الناس... حادثة معروفة.
وقد اعتاد الكتاب أن يقفوا فيها عند عدل عمر.. ولكن الحادثة أوسع دلالة على ذلك التيار التحرري الذي أطلقه الإسلام في ضمائر الناس وفي حياتهم. فمصر إذ ذاك بلد مفتوح، حديث عهد بالفتح وبالاسلام. وهذا القبطي لم يزل على دينه، فرداً من جماهير البلد المفتوح. وعمرو بن العاص هو فاتح هذا الإقليم، وأول أمير من قِبل الإسلام... وحكام هذا الإقليم قبل الفتح الإسلامي هم الرومان: أصحاب السياط التي تجلد ظهور شعوب المستعمرات! ولعل ذلك القبطي كان ما يزال ظهره يحمل آثار سياط الرومان!.
ولكن المد التحرري الذي أطلقه الإسلام في أنحاء الأرض، أنسى ذلك القبطي سياط الرومان وذلها، وأطلقه إنساناً حراً كريماً؛ يغضب لأن يضرب ابن الأمير ابنه، بعد اشتراكهما في سباق، وهذه أخرى، ثم تحمله هذه الغضبة لكرامة ابنه الجريحة على أن يركب من مصر إلى المدينة، لا طيارة ولا سيارة ولا باخرة ولا قطاراً، ولكن جملاً ، يخب به ويضع الأشهر الطوال، كل ذلك ليشكو إلى الخليفة... الخليفة الذي حرره يوم فتح بلده تحت راية الإسلام! والذي علمه الكرامة بعد أن نسيها تحت وقع سياط الرومان!.
وهكذا ينبغي أن نفهم، وأن ندرك عمق المد الإسلامي التحرري فليست المسألة فقط أن عمر عادل؛ وأن عدله لا تتطاول إليه الأعناق في جميع الأزمان ولكن المسألة بعد ذلك أن عدل عمر - المستمد من الإسلام ومنهجه ونظامه- قد انطلق في الأرض تياراً جارفاً محرراً مكرماً للإنسان... بصفته "الإنسان"...
هذا المستوى الرفيع لم ترتفع إليه الإنسانية قط. هذا صحيح... ولكن هذا الخط العريض الذي خطه الإسلام، في كرامة الانسان وحريته وحقوقه تجاه حكامه وأمرائه، قد ترك في حياة البشرية آثاراً لا شك فيها، وبعض هذه الآثار هو الذي يدفع بالبشرية اليوم إلى إعلان "حقوق الانسان"..
وحقيقة ان هذا الإعلان لم يأخذ طريقه الواقعي في حياة البشرية. وحقيقة أن "الانسان" ما يزال يلقى المهانة والإذلال والتعذيب والحرمان في شتى انحاء الأرض. وحقيقة أن بعض المذاهب تجعل مقام الإنسان دون مقام الآلة وتقتل حرية الانسان وكرامته وخصائصه العليا في سبيل وفرة الانتاج ومضاعفة الدخل، والتفوق في الأسواق!.
كل هذا صحيح. ولكن هذا الخط ما يزال قائماً في مدارك البشرية وتصوراتها. ولم يعد غريباً عليها كما كان يوم جاءها الإسلام. وهي اليوم أقدر على إدراكه وتصوره، حينما تخاطب به في الجولة القادمة بإذن الله.
* * * من كتاب "هذا الدين" للشهيد سيد قطب رحمه الله. *