نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرا لمراسلها أندرو إنجلاند عن عاصمة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بعنوان "عاصمة جديدة في الصحراء المصرية: نموذج السيسي العسكري للإقتصاد".

وقال فيه إن زيادة دور الجيش في القطاع الخاص يخيف المستثمرين الأجانب ويجعلهم مترددين كما يقول النقاد. وأضاف أن السيسي لا يتردد عن الوعود الكبيرة في تعهداته لإحياء أكبر دولة عربية ولكنه قدم في مارس خطابا جريئا حتى بالمعايير المصرية. ففي حديث له بمناسبة عسكرية قال إن افتتاح “العاصمة الإدارية الجديدة” التي تغطي مساحة تعدل مساحة جزيرة سنغافورة تمثل "ولادة دولة جديدة".

ويقول إنجلاند إن كلام السيسي سيكون محل امتحان وبشكل قريب. ففي بداية شهر آغسطس سيبدأ عمال الخدمة المدنية برحلة طولها 45 كيلومترا إلى العاصمة الجديدة من مباني الوزارات الحالية في القاهرة. ويقوم عمال الإنشاءات بوضع الرتوش الأخيرة على مباني القطاع الحكومي الذي كلف 3 مليارات دولار، والتي يخطط أن يعمل فيه 55.000 موظف في 30 وزارة ضخمة. وفي النهاية تهدف الخطط التطويرية الخاصة إلى جانب مشاريع الجيش أن يتوفر في المدينة سكن لـ6.5 مليون نسمة بالمدينة الجديدة.

وعندما أعلن عن المشروع قبل ستة أعوام توقع أن يكلف 45 مليار دولار، وهو يجسد رؤية السيسي في التنمية وكيفية عمله، ففي المقدمة والمركز والأمام الجيش وبني على قاعدة فرعونية. ويؤكد السيسي أنه يمثل “ولادة جمهورية جديدة” ولكن المتشككين يرون فيه مشروعا لإرضاء الذات والكبرياء في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أولويات عاجلة أخرى ولا تستطيع تحمل كلفة هذا المشروع.

واعتبر الكاتب أن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة هو أحد أهم المشاريع التي تولاها الجيش منذ تولي قائد الجيش السابق السلطة في انقلاب عام 2013. وكانت عملية البناء والعقارات والطاقة جزءا من استراتيجية إحياء الإقتصاد المصري الساكن وسببا في زيادة الناتج القومي العام بنسبة 5% قبل انتشار كوفيد-19.

وفي الوقت الذي يطبل فيه أنصار النظام للإنجازات فإن النقاد يتساءلون إن كان ما يقال هو مجرد سراب أم حقيقة. وفي مركز القلق هو الدور المتزايد للجيش في الدولة والاقتصاد، و”تطفيش” القطاع الخاص وتخويف الاستثمار الأجنبي. وقال اقتصادي مصري: "الخوف الحقيقي لدى الناس هو أنك تبدأ بمشروع ثم يأتي الجيش ويقوم بنفس المشروع في المكان المجاور ويقوض عملك".

لكن السيسي وأنصاره لا يعتذرون أو يخجلون من استخدام الجيش في كل ملامح الحياة المصرية لأنه المؤسسة الوحيدة التي يثق فيها السيسي.

وقال مصرفي مصري إن الجيش تعامل مع مجالات لم يتعامل معها من قبل وحقق نتائج. و"كونهم يستطيعون عمل أي شيء في أي وقت بمنطقتك منع الناس من الاستثمار ولكن السوق أكبر من كيان واحد". وبعد 8 سنوات من سيطرة السيسي على الحكم فهناك مخاوف من عدم قدرة القطاع الخاص على مواجهة قوة الجيش الإقتصادية أو وقفها.

ويقول الإقتصاديون إن نشاطات الجيش لا تقوم بخلق فرص عمل أو مواجهة البطالة المستشرية بين الشباب والفقر بين سكان يصل تعدادهم 100 مليون نسمة. وتراجعت نسبة التوظيف من 44.2% عام 2010 إلى 35% في العام الماضي، حتى مع دخول سوق العمل سنويا حوالي 800.000 سنويا متخرجا من الجامعات، وهذه هي أرقام مؤسسة التعاون المالي التابعة للبنك الدولي. كما ستزيد الضغوط الديموجرافية والإجتماعية مع معدل خصوبة 3.5 طفل لكل إمرأة مصرية، مما يعني أن عدد السكان سيزيد بمعدل 20 مليون نسمة في العقد المقبل.

وقال أكاديمي مصري: “لدينا نمو بنسبة 5% لكن نسبة 2.5% تأتي من قطاع المعادن والذي يوفر المال ولكنه لا يخلق فرص عمل وهي الشيء الوحيد الكفيل بإنقاذنا”. أما النسبة الثانية 2.5% فهي في قطاع العقارات وهي توظيف وهمي لأن التوظيف سيتوقف عندما لا تقوم بالإتشاءات. وفي الوقت الذي يقول فيه البنك الدولي أن القطاع الخاص ارتفع بشكل طفيف عام 2019 إلا أن المعدل لا يزال منخفضا مقارنة مع دول مثل الأردن والفلبين.

وحتى أنصار السيسي يتهامسون فيما بينهم ويعبرون عن شكوكهم وسط إجبار أصحاب القطاع الخاص على الرضا بالوضع أو التنافس مع الجيش الذي يعتمد على المجندين ومعفى من ضريبة الدخل أو العقارات ويملك معظم الأراضي المصرية ومرجعيته الوحيدة هي السيسي.

وقال مصرفي استثماري مصري إن هناك الكثير من المشاكل البنيوية التي تعوق نمو القطاع الخاص من الفساد إلى المحظورات وعدم توفر الدعم اللوجيستي. وقال "هناك منافسة من الدولة – الجيش والحكومة في كل قطاع” و”لك أن تذكر ما تشاء".

ويشير الكاتب إلى أن قطاع الأعمال رحب بالنظام الجديد للسيسي ورأوا أنه سيساعدهم، كما أثنى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على الإجراءات الجريئة التي قام في المجال المالي والنقدي وخفض فاتورة رواتب الدولة وزيادة ضريبة القيمة المضافة لتأمين قرض 12 مليار دولار.

ولكن السيسي لم يرد على ترحيب رجال الأعمال بالمثل، ففي لقاء عقده مع قادة رجال الأعمال بداية حكمه أخبرهم أنهم تنفعوا من نظام حسني مبارك وعليهم التبرع للدولة بـ 100 مليار جنيه مصري، وذلك حسب رجل أعمال مصري تبرع. ويقول محللون إن السيسي دخل الحكم غير واثق بالقطاع الخاص والفساد والمحسوبية في عهد مبارك، كما خشي من سطوة القطاع الخاص ونمو طبقة رجال الأعمال التي أدت إلى تغذية عناصر الانتفاضة عام 2011 والتي قادت لرحيل مبارك.

وظل الجيش أساس النظام منذ انقلاب جمال عبد الناصر على الملكية في 1952 إلا أن مصالحه التجارية توسعت بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد عام 1979، حيث أعيد تعريف دوره، مع أن نشاطاته التجارية بقيت في الظل.

ويقول المحللون إن مصر تحولت في عهد السيسي من دولة بوليسية إلى دولة يسيطر عليها الجيش، مشيرين إلى أن مبارك أحاط نفسه بعد وصوله إلى السلطة بمستشارين عسكريين قبل أن يبدأ بالتقرب من قطاع رجال الأعمال ويقوم بـ"لبرلة "الاقتصاد.

وكان الجنرالات في عهد مبارك موجودين في الوزارات ولكنهم كانوا في الخلف. أما اليوم فمن يقرر ختم الورقة الصغيرة هو جنرال.

ووصلت مخالب الجيش إلى كل قطاعات الحياة المصرية من الصيد والطعام والمشروبات والفولاذ والطاقة والإسمنت، ولم ينج الإعلام فقد سيطرت كيانات تابعة للأمن على صحف وشبكات تلفزيونية وشركات إنتاج. ولا يمكن تحديد حجم دور الجيش في الاقتصاد المصري بسبب غياب الشفافية، مشيرا إلى تصريحات  مصطفى مدبولي العام الماضي الذي قال إن الحكومة انجزت مشاريع بقيمة 4.5 مليار جنيه مصري. لكن قائد هيئة الهندسة في الجيش إيهاب الفار قال إن الجيش أنفق 1.1 مليار جنيه مصري على 20.000 مشروع بناها الجيش.

وفي تصريحات السيسي للصحيفة عام 2016 قال فيها إن تجارة الجيش هي التأكيد على الاكتفاء الذاتي للبلد لا التنافس مع القطاع الخاص. وفي مصر هناك 60 شركة مرتبطة بالجيش تعمل في 19 صناعة من 24 صناعة حسب مؤسسة معايير تصنيف الصناعة العالمية. ويسيطر جهاز مشروعات الخدمة الوطنية على 32 شركة أي ثلث ما تم إنشاؤه بعد 2015.

ويقدر يزيد صايغ، الزميل البارز في مركز كارنيجي أن الكيانات المرتبطة بالجيش حققت عام 2019 على ريع ما بين 6- 7 مليار دولار. ولكنه يقول إن تدخل الجيش في كل قطاعات الاقتصاد هو المهم، فالأسئلة الحقيقية هي عن التأثير الأساسي على المالية العامة والقطاع الخاص وعلى حجم الإستثمارات الأجنبية.

ويرى أن الدخل مهم وسيدافع الجيش عن حصته مهما كان الثمن، ولكن دوره هو المهم في الوقت الحالي. وكمثال على هذا هو قطاع الإسمنت، حيث أنشأ الجيش عام 2018 مصنعا جديدا بكلفة 1.1 مليار دولا مما أضاف 12 مليون طن للناتج السنوي، ولكنه فعل هذا في وقت تراجع فيه الطلب على الإسمنت وكانت فيه مصانعه تعمل بمستويات متدنية. وأصبح له حصة 24% من الصناعة مما أدى ببعض المنتجين للإغلاق أو بيع مصانعهم لكن أي مستثمر سيتردد بشراء حصة في قطاع يعاني من فائض في العرض.

وكان دخول الجيش صناعة الإسمنت بناء على افتراض أن الطلب سيزيد. وهي فرضية تتناسب مع ما يراه مايكل وحيد حنا، من مجموعة الأزمات الدولية "نزعة" أن "الجيش ينجز كل شيء".  ويعتقد أن سبب تدخل الجيش نابع من أن السيسي الذي يقود أكبر نظام قمعي لا قاعدة مؤسساتية له في المجتمع و"ليس لديهم أي نوع من البنى الحزبية، وهو جزء من السبب وراء اعتمادهم على الجيش والقطاع العام" و"الخطة هي شل النظام الذي يقوده المدنيون".

وينقل الكاتب عن أيمن سليمان، مدير الصندوق السيادي المصري قوله إن الدولة مهتمة بالقطاع الخاص الضروري لعجلة الإستثمار. وقال إن الصندوق يشرف على خصخصة 2 من 10 شركات يملكها الجيش كما أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مستعد للتخلي عن الوطنية التي تدير 200 محطة خدمة وشركة صافي لتعليب المياه والأغذية.

وتعاني مصر ولسنوات من مشكلة موازنة حساباتها وعجز في الميزانية. وتشكل رواتب القطاعات الحكومي والفوائد على الحسابات الأجنبية نسبة 110% من الدخل العام، حسب جولدمان ساكس.

واضطرت القاهرة بسبب إغلاق القطاع السياحي الناجم عن كوفيد- 19 وسحب المستثمرون 13 مليار دولار من ديونها وأسواق الأسهم، للعودة مرة ثانية إلى صندوق النقد الدولي العام الماضي وطلب 7 مليارات دولار. وضمنت أكثر من 7 مليارات على شكل قروض مما زاد الدين المصري للصندوق إلى 19 مليار دولار وهو ثاني أكبر مبلغ بعد الأرجنتين. وفي الوقت الذي يقول فيه المحللون الاقتصاديون إن مصر أظهرت صمودا في وقت الوباء لكن نسبة الدين- إلى الناتج المحلي العام ستزيد حسب المتوقع إلى 93% في السنة المالية 2020/2021.

ويأمل رجال الأعمال أن تكون الحكومة قد تعلمت من كارثة الإسمنت، لكن حنا يقول إنه من الصعب تخيل قيام السيسي بفك دور الجيش نظرا للمصالح المشتركة. وأضاف أن السيسي لديه أعداء داخل المؤسسة نفسها، فقد طهر الكثيرين وفضل المخابرات العسكرية وعليه الإعتماد على المحسوبية والسخاء داخل المؤسسة العسكرية. ولن يقوم بافتعال معركة لأن رؤيته لا تقوده إلى هذا ومن أجل حماية نفسه.