لا يختلف اثنان على أن أمتنا العربية تعيش فترة عصيبة تزلزل أركانها .

ولا أتصور أنه يوجد من عنده مسحة من وطنية لا يستشعر الخطر ويساوره القلق على مستقبل هذه الأمة .

وأتصور أن مصدر الأزمة الحالية ليس خارجياً بقدر ما هو خلل في البنية السياسية لبلداننا. 

خلل سد كل منافذ التغيير السلمي ، أمام شعوب حاولت أن تغير تلك البنية السياسية المهترئة عبر صناديق الاقتراع – هذا إذا أتيح لها ولو صورياً – فتم تزوير الانتخابات أو القفز على نتائجها .

فكانت النتيجة قيام شعوب بعض الدول بنصف ثورة أطاحت برأس الفساد أملاً في إصلاح الجسد والإبقاء على كيان الدولة ، وتم القفز على نتائج هذه الثورات أيضاً .

إذاً ما العمل ؟

إذا انسدت الشرايين التي يجري فيها الدم ارتفع الضغط وانفجر المخ .

إذا انسدت مجاري المياه فلا بديل عن الطوفان. 

إذاً الطوفان قادم .

وبينما أفكر في الطوفان كبديل وحيد أمام انسداد البدائل السياسية قفز إلى ذهني بديل آخر .

وهو : جورباتشوف .

جورباتشوف من واقع المسئولية كرئيس لدولة عظمى ، وجد أن بلاده في طريقها إلى الغرق بعد سبعين عاماً من تجربة نظام فاشل .

نظام قائم على رؤية واحدة ومنهج واحد وحزب واحد ورئيس ديكتاتور يسوق الناس بالعصا .

عصاه قتل وسجون وكبت ونفي لسيبيريا. 

سبعون عاماً وكل أجهزة الإعلام ، مع كتائب من الكتاب والشعراء والفنانين ، وظيفتهم بيع الوهم للشعب المسكين وتعبيده للديكتاتور وأعوانه .

نظام يحارب الدين وينفق الملايين للتبشير بالرسول الجديد (ماركس) وكتابه (رأس المال) ، والإغداق على المبشرين الجدد في بلادنا وغيرها ، وشراء أجهزة الإعلام والحكومات العميلة بالمال والسلاح والوعود .

والنتيجة : دولة عظمى بمساحتها ومواردها وتاريخها ، وشعب منهك من القهر والذل والفقر ، واقتصاد على وشك الانهيار. 

والحل : البروستورويكا ( الإصلاح)

كانت هذه الكلمة هي كلمة (سمسم) التي فتحت الباب للشعب الحبيس ، فخرج إلي الشوارع يحطم تماثيل لينين وستالين ويمزق صورهم ويزيلها من الجدران. 
موج الحرية يقذف زبد زيف كتيبة المصفقين. 

نهار جديد يبدد ظلمات عهد القهر والكبت ، شمس تشرق لتذيب تماثيل الشمع التي بناها العبيد للطغاة .

وعالم جديد يولد من رحم النظام القديم بدون إراقة نقطة دم واحدة ....

هل ذكرت هذا المثال لأني أبشر به، وأحلم بظهور جورباتشوف عربي ، كمن ينتظر صلاح الدين لتحرير المسجد الأقصى ؟!

لا ، وألف لا. 

أردت فقط ذكر مثال لتغيير حتمي لنظام قمعي غير قابل للاستمرار مهما بلغت سطوته، نظام داس علي كرامة الإنسان وحريته ، وشعب مستكين لم تظهر عليه علامات تغيير وشيك.
والأهم من ذلك نمط وميعاد للتغيير لم يتوقعه أحد. لأقول لنفسي وللقلقين من أمثالي: إن مالك الملك ومدبر الكون ومن يقول للشيء كن فيكون هو المدبر الحكيم .الذي يملك شكل التغيير وميعاده ، ولا نملك نحن - بعد اللجوء إلى الله – سوى العمل بكل جوارحنا واستفراغ ما نملك من فكر وجهد في سبيل صناعة مستقبل حر لأمة حرة كريمة .