أصبح فرض عين أن نبدأ من الآن الحوار حول رؤيتنا المستقبلية لما بعد انكسار الانقلاب، وطاقة الثوار تتحمل أن تقود حراكًا ثوريًّا شاملاً بجوار إعداد (ملفات إدارة الدولة) ولا شك أن تغييرات جذرية ستلحق بتصوراتنا في إدارة الدولة بعد التجربة اﻷولى، وكمقدمة نبدأ اليوم بمناقشة توصيف المشهد الراهن الذي نتصور أنه كاﻵتي:
أولاً- عسكر: أفصحوا عن حق تاريخي في ملكية البلاد وحكمها مهما تكن الظروف، يخدمهم اقتصاد مستقل، وسيطرة على مؤسسات الدولة، ويرتبطون بمصالح إستراتيجية أمريكيًّا وخليجيًّا وإسرائيليًّا، أدارت صراعها باحتراف بينما كان ثوار يناير هواة أضاعوا فرصة وجود (د. مرسي) برعونة يُلام عليها الجميع، ووجب الاستعداد لجهاد مرير لقصقصة أجنحة السياسة بالجيش ووضعه تحت سيطرة القرار المدني، وهذا يحتاج إلى التوحد على إستراتيجية ملهمة تستفيد بتجارب مناظرة مثل إسبانيا وشيلي وتركيا وغيرهم، لتحقيق الهدف الذي يحتاج لأعوام عديدة.
ثانيًا- قضاء منهار: فَقَد الثقة كميزان للعدالة، لكن لديه نواة للاستقلال يمثلها شباب وشيوخ قضاة الاستقلال، كما أن الميراث القضائي يؤهلنا للنهوض به سريعًا إذا أحسنَّا التخطيط ﻹصلاحه كمؤسسة وأفراد، كما أن الفرصة ستكون مواتية ومقبولة ﻹصلاحات جذرية تاريخية بعد السقوط المدوي لقضاة الانقلاب.
ثالثًا- مؤسسة إعلامية: تابعة للدولة، ولرأس المال الممالئ لسلطة العسكر، ينفرد بالساحة، ويدعمه غياب إعلام منافس يكشف خداعهم ويروج للثورة، لقد سقطوا أيام مبارك وأخذوا فرصتهم للتطهر، أما بعد (السقوط الثاني) فلا مجال للمهادنة، وتجريف الفساد يبدأ بقطع اﻷلسنة المروجة له.
رابعًا- شرطة: ذات مستوى متدنِّ من الكفاءة، تناضل عن وضعها الاجتماعي والاقتصادي، وتخلفها المهني يدفعها إلى التمسك بعقيدة التنكيل بالمواطنين لحفظ قدر من هيبة الدولة!، ولضمان استمرار تمايزها الطبقي، كما أنها تبوء بآثام مواجهة الثوار بالقتل والإصابة والتعذيب على مر ثلاث سنوات أنتجت ثأرًا مع آلاف اﻷسر وكل القوى الثورية، ورغم التنادي بهيكلتها إلا أن الواقع أفصح عن دمار مهول في بنيتها لا يصلح معها الاقتراحات العشوائية، وأكبر تحديات الشرعية سيكون في بناء منظومة جديدة واﻹجابة على سؤال وما العمل مع عناصرها التي تأسست على الفساد؟
خامسًا- اقتصاد منهار: وكان تمكين مبارك لرجال السلطة من ركائز الاقتصاد، والانصياع لشروط المؤسسات المالية الدولية، وانعدام إرادة الاكتفاء والتنمية، أسفر عن تخبط جعل حصيلة سعيهم سالبة، لذا ينبعي وضع تجربة " د. مرسي" على المائدة ثم نقدها، ورسم الرؤية، وحشد المساندة الشعبية لها.
سادسًا- المؤسسة البيروقراطية: وهي طبقة الموظفين غير المنتجة، والتي تعتمد على المقعد الحكومي ﻹدارة منظومة فساد محكمة تُفتدي بالأرواح!، وتدير (اقتصادًا حرامًا موازيًا) يعادل اقتصاد البلاد...! ورغم التهامها للثمرات اﻷولية للتنمية إلا أنها الدرع اﻷولى في مواجهة أي إصلاح أو تنمية، ودورها في تعويق سياسات "د. مرسي" مشهود، ومواجهتها أصبحت قضية أمن قومي، حيث يتوازى ملفها مع ملف مواجهة الفساد.
سابعا- قوى ثورية انسحابية: تكاد تختفي من المشهد بمرور الوقت، وهنت إرادتها عن انتزاع حريتها، كما لو كانت "ثورة يناير" استثناء لا يستطيعون تكراره، مما يؤكد أنها قوى (نشأت مع الثورة) وليست (قوى ثورية) والفارق كبير؛ إذ إن الأخيرة تخترن قيما ثورية مُحرِّكة، بينما الأولى هي إفراز لتجليات الثورة، مما ينبئ أن الموجة الثورية الحالية هي التي ستنتج القوى الثورية التي واجهت أهوال الانقلاب، ووأضح أن فتيات 7 الصبح وفتيان الـ17 عامًا سجنًا سيتقدمون الرموز الثورية هم ومن يقودون الحراك الميداني بجسارة تكافئ وحشية العسكر.
ثامنًا- القوى السياسية: فيما عدا القوى الإسلامية، فإن القوى المدنية تضمحل بشدة وقياداتها التاريخية طاعنة في السن وقد انخرطت مع الانقلاب في عملية سياسية عساها تحقق أحلامها مقابل تنازلها القيمي والفكري انتهازا لفرصة ( 7/3)، ثم بدأ الأمل يخفت مع اندلاع الثورة في وجوههم، ثم انكشاف خديعة العسكر للجميع، والمؤكد أنهم سيدفعون فاتورة نجاح الثورة، إما بالانزواء أو بالخضوع للمساءلة، ولكن المتوقع أن تتشكل قوى حقيقية تفرض نفسها حال نجاح الثورة والشروع في بناء الدولة، ويبدو أن اليسار والناصرية والليبرالية المصرية بشكلها التقليدي لن يكون لها امتداد شبابي، وبالتالي فإن غيابهم المرتقب سيكون نهائيًّا، والمتوقع بروز يسار وليبرالية بمذاق مختلف إذا توافرت قيادات نضالية تلحق بالثورة وتلتصق بالشعب.
تاسعًا- الكنيسة: تحالفت مع الانقلاب وكانت أكبر ظهير شعبي له ولم تعبأ بالمواجهة مع المسلمين، وقبضت ثمنًا سخيًا بمادتين في الدستور تنظم لهم بناء كنائسهم، وتمنحهم كوتة في المجلس التشريعي ثم المناصب الحكومية، وبعد انكسار الانقلاب وعودة الشرعية، سيكون موقفها معقدًا؛ إذ لن تستطيع انتهاج سياسة "التقية" التي تظهر الولاء للحكم بينما تخطط لمشروع هيمنة قبطية، بمعنى أن الكنيسة والحكم الشرعي سيتواجهان حتمًا فإما أن تختار الكنيسة منهجًا تصعيديًّا يستند للظهير الغربي، وإما أن ترضخ للمد الثوري؛ والذي بدوره سيجعل (المواطن المسيحي) مخيرًا بين الولاء لدولة العدل والمساواة، أو الولاء لمشروع كنسي يقسم الوطن طائفيًّا، لذا وجب وضع تصور ﻹعادة الكنيسة إلى (ثكناتها) كقيادة روحية، وتشجيع المسيحيين للانخراط في منظومة الدولة الحديثة بعيدًا عن هيمنة الكنيسة.
عاشرًا- الجامعة: ودورها مشهود في نجاح الثورة بمشيئة الله، وهي مرشحة لتكون أولى المؤسسات التي ستلحقها التغييرات الثورية، فالمخلصون للانقلاب معروفون، والمخلصون للوطن كذلك، ورغم ما يعلمه الجميع من تعشيش الغربان المباركية فيها، ولكن حيوية الطلاب واﻷساتذة الثائرين سيكون ضمانة مؤكدة للتطهير، مما سيعيد للجامعة رونقها سريعًا، ويضعها في دورها التنويري والنهضوي، كما نتوقع أن تكون الجامعة هي قوة المعارضة التصحيحية الأولى، ولكنها ستكون معارضة قيمية مثالية تتفهم قرارات الحكم تأييدًا ورفضًا، وسيمتد دورها السياسي بجوار التنوير حتى تقف الدولة على قدميها، وهذا يستنفرنا لوضع تصور طموح وجسور.
حادى عشر- الأزهر: بسبب انطلاق الثورة الطلابية من ساحته فقد انكشف تمامًا، وباعتباره أكثر من قدم شهداء ومعتقلين للثورة، وﻷن هول المشهد أظهر القيادات على حقيقتها، مما عجل بسقوطها، ثم برزت قيادات شابة، سيكون لها القول الفصل في تطهير الأزهر الذي ناله ما نال القضاء من فساد رغم أن كلا المؤسستين له دور (رسالي) يوجب عليهما دحر الفساد وليس احتضانه.
وأتوقع أن أحلامًا كبيرةً سيتم تحقيقها سريعًا، تلك التي تبدأ بتأسيس نظيف لهيئة كبار العلماء تنتج (شيخ أزهر) يستحق أن يكون (شيخًا للإسلام)، ثم وضع الجامع والجامعة ليكونا رأس الحربة في نشر اﻹسلام والدفاع عنه في أرجاء اﻷرض.
ثاني عشر- الحقوق المرتبطة بالثوار والمضارين: سواء من الشهداء والمصابين والمعتقلين، أو المفصولين والمضطهدين في أعمالهم، أو المطارَدين والملاحَقين من قوى الانقلاب، هذا باﻹضافة لنظرائهم المضارين من منظومة مبارك، كل هذا يستدعي التفكير من الآن في منظومة "العدالة الانتقالية" التي تكلم عنها الجميع، وكاد "د. مرسي" أن يُفَعِّلَها، لذا وجب وضع التصور للمنظومة من قانون وقضاة وإجراءات التقاضي وحقوق المتقاضين، والسقف الزمني لإنجاز دورها ...إلخ، وذلك لإعداد الساحة لمصالحة وطنية حقيقية.
ثالث عشر- المتربصون بالثورة: من منظومة الاستبداد بالداخل، وأمراء النفط، والرفض الأمريكي للاستقلال المصري، هذا الوضع المعقد يحتاج لتفكير واقعي يعرف كيف يقوى مناعة الجبهة الداخلية، ثم تصفير المشكلات مع الأنظمة الخليجية المرتعدة، للتفرع لمسار نضالي طويل مع "أمريكا" وربيبتها الصهيونية، بإستراتيجية لتبادل المصالح دون التفريط في الثوابت، إنها قضية شاقة، وسترتبط في الأغلب بمسار تحجيم العسكر، والنجاح الداخلي سيؤسس للصمود الخارجي، وفرصتنا كبيرة بسبب انشغال أمريكا بأزمتها الاقتصادية الطاحنة والتي قد تجبرها على انتهاج سياسات مُهادِنة على جبهات الصراع.
رابع عشر- النظام السياسي للدولة: وهي اﻵن في حالة تفكك، وما زالت تعاني من ضربة يناير، والعسكر يحاولون استعادتها، لذا فقد وجب وضع خارطة طريق شاملة، وتنفيذها بمجرد عودة الشرعية، لتقريب المسافات بين أبناء الشعب، ووضع تفاصيل النظام السياسي، ابتداء من التعديلات الدستورية وانتهاء بالحل الذي يرضي (الشعب) بخصوص "الرئاسة"، مع تحديد فرقاء مائدة التفاوض، هذه وأمثالها محاور ينبغي التفكير فيها من الآن.
والخلاصة: وجوب إعداد المشروع الوطني المتكامل مستفيدين من التجربة، حتى لا نصطدم بعودة الشرعية وانكسار الانقلاب بلا استعداد لاستحقاقات المسئولية كما حدث في "ثورة يناير".
وأرجو أن يبدأ الحوار، وأرحب بكل الاجتهادات على بريدي لنبدأ مناقشة كل ملف على حدة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
مكملين …
لا رجوع …
-------------
mohamedkamal62@ymail.com