من سبل تقوية الروابط بين المسلمين وتأليف القلوب وتزكية روح الأخوة والحب بين الناس هو تبادل الهدايا, ولقد ورد عن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "تهادوا تحابوا" (رواه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة), ولقد وضع الفقهاء بعض الضوابط للهدية حتى لا تكون الغاية منها التأثير على الشخص الذى يأخذ الهدية ليحيد عن شرع الله, أو أن تكون الهدية مرهقة لمَن يقدمها, أو أن تتضمن نواحي إسراف وتبذير ومظهرية وترف أو أن تكون في صورة رشوة مقنعة, وهذه الضوابط من الأهمية أن يعرفها أطراف الهدية, حتى تحقق مقاصدها المشروعة ولا تكون سببًا في إفساد الذمم أو تمثل إسرافًا وتبذيرًا للمال.
وسوف نُبيِّن في هذه الدراسة المختصرة الضوابط الشرعية لمضمون الهدية ومقاصدها وبيان أثر عدم الانضباط بهذه الضوابط على سلوكيات الناس وإنفاق المال، وبيان ما يجب أن يلتزم به المسئولون على المال العام والخاص ومَن في حكمهم في تلك الهدايا، ولا سيما التي اعتاد معظم الناس انتهاز مناسبة رأس السنة لتقديمها.
- مفهوم ومقاصد الهدايا في الفقه الإسلامي:
الإسلام دين الأخوة والحب والمودة والتكافل والترابط والسلام, ولتحقيق ذلك, حثَّ الإسلام على تبادل الهدايا بين الناس, على سبيل المثال: بين الخاطب وخطيبته, وبين الزوج وزوجته, وبين الأب وأبنائه, وبين الإنسان وأصدقائه, وبين الأخ وأخيه, فقد قال تبارك وتعالى في هدية الزوج لزوجته: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) (النساء:4), وقال الفقهاء إن العطية أو الهبة يجب أن تكون عن طيبِ خاطر من المعطي وبلا توقع مقابل من الآخذ , فعن ابن معروف وعُدّي الجُهَنِي رضى الله عنه: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه" (رواه أحمد), أي من الضوابط الشرعية للهدية أن تكون عن طيب نفس ولا ينتظر لها عوض, وأن يكون مقصدها مشروعًا, ولقد أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع, فقال: "لا يحل من مال امرئ إلاّ ما أعطي عن طيب نفس" (البخاري), وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بطعام سأل عنه: "أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة, قال للصحابة: كلوا ولم يأكل", وإن قيل هدية: "ضرب بيده صلى الله عليه وسلم فأكل معهم" (أخرجه البخاري عن أبي هريرة).
وخلاصة الرأي الفقهي للهدايا أنها مستحبة بشرط أن تكون طيبة، وأن يكون مقصدها مشروعًا حتى لا تتحول إلى رشوة أو تبديدًا للمال دون منفعة أو إفسادًا للذمم.
- الضوابط الشرعية لهدايا بداية السنة:
لقد اهتمَّ الإسلام بالضوابط الشرعية للمعاملات بين الناس حتى تكون بعيدةً عن الحرام ومواطن الشبهات, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الحلال بين, وإنما الحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام... " (رواه البخاري ومسلم) ويستنبط من هذا الحديث وجوب تجنب المعاملات التي فيها شبهة.
وحتى تكون الهدية بعيدة عن الشبهات يجب أن مراعاة الضوابط الشرعية الآتية:
- أن تكون غاية الغايات من الهدية هي تقوية الحب والمودة, وإزالة غرائز الحقد والبغض والكراهية من الصدور, وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثة الشريف: "تهادوا تحابوا" (رواه الحاكم والبيهقى).
- أن تكون عن طيب نفس من معطيها, ليس فيها إكراه أو غضب وإلاّ تعتبر نوعًا من أنواع أكل أموال الناس بالباطل, وهذا ما حرَّمه الإسلام في قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (النساء: 29), وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يحل من مال امرئ إلاّ ما أعطى عن طيب نفس" (البخاري), وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله" (رواه أحمد).- أن تكون الهدية دون مسألة أو طلب من الآخذ, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها: "مَن أعطاك عطاءً بغير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرضه الله تعالى إليك" (رواه أحمد والبيهقي).
- أن يكون موضوع الهدية ومضمونها حلالاً طيبًا يتفق مع شرع الله عز وجل, فعلى سبيل المثال لا يجوز أن تكون الهدية من زجاجات الخمر أو أدوات الميسر أو التماثيل أو أي شيء يُستخدم في معصية الله, وأساس ذلك قول الله سبحانه وتعالـى: (فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيبًا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون) (النحل: 114).
- أن تكون الهدية من التي يُنتفع بها شرعًا، وأن تقع في مجال الضروريات والحاجيات والتحسينات، ولا يجوز أن تكون في مجال المظهرية والخيلاء, وأساس ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا, ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة" (رواه ابن ماجه).
- عدم الإسراف والتبذير في الهدايا؛ ما يؤدي إلى إرهاق المعطي, أو إرهاق ميزانية البيت أو الشركة أو الدولة, حيث إن الإسراف والتبذير من كبائر الذنوب، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء: 26. 27).
فإذا توافرت الضوابط الشرعية السابقة في هدايا السنة الجديدة صارت حلالاً للعاطي وللآخذ، ويحكم الالتزام بهذه الضوابط القيم الإنسـانية والأخلاقية والسلوكيات السوية المستقيمة وتقاليد المجتمع السامية، وكذلك القوانين الحكومية التي لا تتعارض مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية أما إذا لم يتم الالتزام بها أصبحت حرامًا وسُحتًا لأنها يأخذ حكم الرشوة وأكل أموال الناس بالباطل.
- الضوابط الشرعية لهدايا بداية السنة من المال العام أو ما في حكمه:
للمال العام حرمته في الإسلام, ويجب حمايته والمحافظة عليه وعدم تبديده أو الإسراف فيه أو إنفاقه دون منفعة؛ لأن هذا المال ملك للمسلمين جميعًا, وسوف يسأل الحاكم عنه أمام الله عز وجل يوم القيامة, ولقد أكد ذلك عمر بن الخطاب بقوله: "أن يؤخذ بالحق ويعطى في الحق, ويمنع من الباطل" (الخراج لأبي يوسف), والتاريخ الإسلامي حافل بنماذج توضح حرص المسلمين على مال الدولة, فقد روى أنه بعث بالأخماس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وفيها سيف كسرى ومنطقته وزبرجده, فلما رآه عمر قال: "إن قومًا أدوا هذا لأمناء, فقال له بعض الحاضرين: "إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى, فأدوا إليك الأمانة ولو رتعت رتعوا" (السياسة الشرعية لابن تيمية).
كما روى أن عمر بن عبد العزيز "كان ينظر في شئون المسلمين على ضوء إحدى شموع بيت المسلمين," إذ بمحدثه يسأله عن أحواله, فيقوم عمر بن عبد العزيز ليطفئ الشمعة ويضيء غيرها, فيقول عمر: كنت أضأت شمعة من مال المسلمين وأنا في مصالحهم, أما وقد سألتني عن حالي, فقد أضأت شمعةً من مالي الخاص".
ولذلك فإنه يجب على المسئولين عن المال العام وبصفة خاصة في شركات قطاع الأعمال العام الذين يقومون كل عام بطبع الآلاف من المذكرات والتقويم وينفقون الآلاف على شراء الهدايا من أموال تلك الشركات ومعظمها خاسرة ويوزعونها في بداية السنة الجديدة عليهم أن يلتزموا بالضوابط الشرعية الآتية:
- أن المال الذي بأيديهم ملك لله عز وجل ولجماعة المسلمين، وأن الإسراف والتبذير فيه كبيرة من الكبائر سوف يُسألون عنها يوم الحساب عندما يسأل كل إنسان عن المال من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
- هل هناك منفعة مشروعة من إنفاق الآلاف والملايين من الجنيهات على هدايا السنة الجديدة, وما هي؟ وهل تلك المنفعة أكثر من التضحية؟
- كيف توزع هذه الهدايا, هل لمستحقيها ؟ أم للأصدقاء والأقارب دون أن يعود على الشركة منها أي نفع؟.
- هل ظروف الشركة المالية تسمح بإنفاق تلك الألوف على تلك الهدايا, وهي تقترض من البنوك بفوائد ربوية ومثقلة بالديون؟.
- هل كان رشيدًا غير مسرف أو مبذر في شراء تلك الهدايا؟.
- الهدايا التي تعطى للعمال (الموظفين ومَن في حكمهم) غلول (حرام):
لقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ما يُعطى للعامل وما في حكمه من الموظفين والمديرين والرؤساء والسلاطين..
رام وسُحت؛ لأنه أخذ ذلك بسبب عمله, ألا جلس في بيت أبيه وينظر أُيهدى إليه ذلك؟. ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة- 188), وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "هدايا العمال غلول" (متفق عليه), وقوله صلى الله عليه وسلم: "ومَن استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" (رواه أبو داوود).لذلك يجب على أي عامل (موظف) أن يتعفف عن قبول أي هدية تُقدَّم إليه من أي شخصٍ له عنده مصلحة في عمله؛ لأن هذا من السحت ولا يبارك الله في هذه الهدية سواء قُدمت له قبل أن يؤدي له العمل أو بعده.
- نماذج من هدايا رأس السنة المنهي عنها شرعًا:
هناك نماذج من هدايا رأس السنة المنهي عنها شرعًا؛ لأنها تتضمن شبهات الرشوة والخبائث والفسوق والعصيان.... وما في حكم ذلك، ويضيق المقام لسردها ولكن نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
- الهدايا الخاصة غير العادية المخصصة لأفرادٍ بعينهم بسبب موقعهم الوظيفي في الوحدة الحكومية أو المؤسسة أو الشركة.
- الهدايا التي تُقدَّم لنواب الشعب ونحوهم في مناسبات معينة منها مناسبة رأس السنة لتسهيل أمور معينة.
- الهدايا التي تُقدَّم للبعض في صورة الدعوة لحفلات وسهرات بمناسبة رأس السنة بهدف التقرب إليهم لقضاء مصالح خاصة بسبب وظائفهم.
- الهدايا التي تُقدَّم إلى بعض المسئولين في الدولة من بعض الناس للتهرب من حقوق الوطن المشروعة وينتهزون مناسبة رأس السنة لتقديمها.
- الهدايا التي تُقدَّم للحكام ومَن في حكمهم ممن يتولون وظائف مرموقة في الدولة في صورة تهاني فيها النفاق والرياء منتهزين مناسبة رأس السنة أو غيرها من المناسبات.
وهناك نماذج أخرى يضيق المقام لسردها.
والواجب على ولي الأمر أن يسن من القوانين والقرارات والأوامر لمنع مثل هذه السلوكيات السيئة وغير المشروعة, وأن تكون هناك عقوبات رادعة ضد من تثبت ضده أنه ارتكب هذه الجرائم حتى يُطهِّر المجتمع منهم وممن يعاونوهم على ذلك, كما يجب على الفقهاء والدعاة بيان حرمة مثل هذه السلوكيات المنهي عنها شرعًا.
- خلاصة الحكم الشرعي في هدايا رأس السنة:
- أن تكون المقاصد من الهدايا بين الناس الحب والأخوة والترابط والتراحم ولا تكون قائمةً على مصالح غير مشروعة.
- حرمة هدايا رأس السنة التي بها شُبهات الرشوة والفسوق والخبائث والإسراف والتبذير والترف والمظهرية وكل صور أكل الناس بالباطل.
- لقد وضع الفقهاء مجموعةً من الضوابط الشرعية لهدايا رأس السنة يجب الالتزام بها ديانةً وخلقًا وسلوكًا وآدابًا، وأن عدم الالتزام بها يؤدي إلى الإعتداء على المال العام والخاص, ويُوقع في ارتكاب المعاصي والآثام، كما يسبب الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في المجتمع, وسوف يحاسب المعطي والمعطى له بدون حق يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
- إن الالتزام بشرع الله ليست مسألة سهلة وليست طريقًا مفروشًا بالحرير أو مزروعًا بالورود, ولكن يحتاج إلى مجاهدة النفس الأمَّارة بالسوء, وخشيةَ الله عزَّ وجلَّ في كل الأعمال ومحاسبة النفس قبل أن تحاسب، وهذا كله لا يكون إلاّ لدى المسلم الملتزم الذي عنده قيم إيمانية وأخلاق إسلامية وسلوك مستقيم يعامل المال العام معاملة ماله الخاص.
لو تم الا لتزام في هدايا السنة الجديدة بالضوابط الشرعية في الوحدات الحكومية وفي الشركات والمؤسسات والهيئات ونحو ذلك لتحقق الخير للفرد والأسرة والدولة، ولتوفر المال الكثير لتشغيل العاطلين وتسديد ديون المديونين، وتجنب أن نمد أيدينا إلى غيرنا لنقترض منه بفوائد ربوية.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
--------------
* الأستاذ بـجــــامــعــــة الأزهــــــر- خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية