صارت الهجرة فرضًا وما زالت فريضة على المسلمين كما ذكر رسولنا- صلى الله عليه وسلم-
(لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) وقوله صلى الله عليه وسلم (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وانتهت الهجرة المكانية وبقيت الهجرة المعنوية، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة؛ حيث مجتمع الكفار والمشركين من جهة وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى إلى المدينة؛ حيث مجتمع الأوس والخزرج واليهود وظهرت بعد ذلك فئة المنافقين، والكل يعرف ما كانت عليه جاهلية الكفار والمشركين وقد أبوا ولم يقبلوا هدى الله سبحانه وتعالى ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم وقاموا بتعذيب وقتل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك نعرف جميعًا مجتمع المدينة ودور اليهود بين الأوس والخزرج والعداوة التي كانت مسيطرة على مجتمع يثرب قبل الهجرة.
ويتزامن حلول العام الهجري 1434 وذكرى هجرة رسولنا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ومصرنا الحبيبة تجتاز فترة دقيقة من حياتها يتم فيها وضع دستور ما بعد ثورة 25 يناير بعد أن من الله عليها بخلع الحاكم الفاسد ومن علينا برئيس منتخب من الشعب يتقى الله فينا ولا نزكيه على الله.
واقعنا الآن
ونعيش الآن- نحن الإخوان المسلمين- وباقي التيارات والجماعات الإسلامية والأحزاب المصرية والتيارات الفكرية ومكونات المجتمع المصري في تباين واضح في الرؤى والمواقف، وكثر الحديث عن الأسباب الخفية وراء هذا التباين الواضح في الرؤى والمواقف والكل يدعى أنه يسعى لتحقيق أهداف الثورة والثأر لدماء الشهداء. والقضية خرجت عن كونها اجتهادًا بشريًّا معرضًا للخطأ والصواب للوصول بسفينة الوطن إلى بر الأمان ولكنها تحولت إلى قضية تدافع. والتدافع سنة من سنن الله في الكون والله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: الآية: 251) وتدافع القضية فئات ثلاث:
الأولى: فئة تفهم أن الإسلام اعتقاد صحيح سليم بعيد عن الشرك، وطاعة واتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تبديل ولا ابتداع وبدون زيادة عليه أو نقص منه، ويتبع ذلك كله ويتصل به أخلاق وعبادات ومعاملات وأحكام، ويتكون من هذا المجموع كله نظام يشمل الحياة كلها في جميع أنحائها وجوانبها. ومن هنا كان الكلام عن دستور الإسلام أو سياسة الإسلام أو اقتصاد الإسلام أو غير ذلك، وكذلك يكون الإسلام كلأً لا يتجزأ فهو عقيدة قبل أن يكون نظامًا وأخلاقًا قبل أن يكون تشريعًا وقانونًا.
الثانية: فئة ترفض ذلك جملة وتفصيلاً وفي القلب منهم طبعًا غير المسلمين واليساريون ومن يطلق عليهم "العلمانيون" الذين ينشدون دولة بلا هوية ولا مرجعية إسلامية "
الدين لله والوطن للجميع " "لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة " " ودع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
الثالثة: فئة يبدو أن البعض منها ليس لديه معرفة جيدة بالإسلام وتاريخه فراح عن قصد أو غير قصد باتهامه بالعنصرية والتمييز ويردد مقولات الفئة الثانية وقد غلبت عليهم مصالحهم الدنيوية فأين كانت مصلحتهم فثم القصد والغاية.
كيف وصلنا لهذا الواقع
مجتمعنا المصري تعرض وما زال يتعرض لجهود مستمرة ومتواصلة ممن كرهوا ما أنزل الله، تعمل على تغيير حقيقة حضارته في عقائدها وأخلاقها وعلومها وأدبها ولغتها وتشريعها وتاريخها وحياتها الاجتماعية وذلك من خلال تغيير أساليب التعليم وإفساد طرق التربية، ونجحت هذه الجهود لحد ما في إيجاد أجيال من المسلمين منقطعة الصلة بدينها، قليلة الفهم لكتاب ربها وسنة نبيها- صلى الله عليه وسلم- ومن هذه الأجيال اختار الغرب طوائف ممن صنعهم على عينه وأرضعهم من ثقافته وفكره فقدمهم وأبرزهم وجعل منهم الحكام والقادة والمفكرين والموجهين، وبذلك تمكن عن طريقهم من أن يحل قيمه وأخلاقه ولغته مكان قيم وأخلاق الإسلام، وهكذا أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، كما حدثنا بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
كيف نغير هذا الواقع
المجتمع المصري بل المجتمعات العربية والإسلامية في أشد الحاجة إلى فئة تكون قدوة لغيرها في إحداث تغيير حقيقي في نفوسها حتى يغير الله ما بها، وإن من إعجاز هذا الدين أن تظل شعلة الإيمان كامنة في قلوب المسلمين مهما خبت وخمدت في الظاهر، حتى إذا جاء من ينفخ فيها ويزيل الرماد عنها استجاب له المؤمنون وقام لنصرته وتأييده الصالحون. وفي النهاية كلنا مصريون نكتوي الآن بنار هذا التباين وصدق الله (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: الآية 11).
فالأمر يحتاج من الجميع وقفة محاسبة "وحاسبوا أنفسكم قبل إن تحاسبوا "حتى نتغير إلى الأصلح فالواقع مر وربما يكون أمر منه الذي يلوح في الأفق إلا إذا بدأ الجميع في تغيير حقيقي يشمل جوانب حياتنا جميعها ومقياسنا في ذلك المجتمع الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة لبنة لبنة أو فردًا فردًا واستغرق ذلك ثلاثة عشر عاما من بعثته صلى الله عليه وسلم وهم الذين هاجروا مع رسولهم صلى الله عليه وسلم واستقبلهم الأنصار بحب وترحاب وبني صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار دولة الإسلام وهل كانت هجرته لغاية غير ذلك وهي إقامة الدولة الإسلامية.
والأسس التي قامت عليها هذه الدولة ثلاثة أسس: المسجد والمجتمع المسلم الذي قام على المؤاخاة والحب والإيثار والعقد بين المجتمع المسلم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب من اليهود فكان المسلمون واليهود أمة واحدة لليهود ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وكان هذا العقد خلال الحكم الإسلامي أفضل تحقيق للمواطنة خلال التاريخ القديم والحديث، مجتمع يأمن جميع أفراده على معتقداتهم وعباداتهم والقيادة في هذا المجتمع للإسلام فإنه يعلو ولا يعلى عليه بزعامة رئيس الدولة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أسقطنا ذلك على واقعنا الآن فهناك عدة أسئلة:
أولاً: هل أقمنا فيما بيننا مجتمعًا قلبه معلق بالمساجد غلبت فيه المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، متمثلين في ذلك مجتمع المهاجرين والأنصار الذين قامت بجهادهم الدولة الإسلامية؟ وهل تمت بيننا المؤاخاة كما كانت بين المهاجرين والأنصار وأدناها سلامة الصدر وأعلاها الإيثار.
ثانيًا: هل تعاملنا مع غير المسلمين كما تعامل الرسول مع يهود المدينة فنسالم من يسالمنا ونعادي من يعادينا؟
ثالثًا: هل تربي فينا الفرد المسلم، سليم العقيدة، صحيح العبادة، متين الخلق، مثقف الفكر، نافعًا لغيره، منظمًا في شئونه، قادرًا على الكسب، محافظًا على وقته...؟
رابعًا: هل أقمنا الأسرة المسلمة لبنة المجتمع المسلم، الأسرة التي قام فيها الرجل بالقوامة الحقة التي تقيه وأهله نارًا وقودها الناس والحجارة، الأسرة التي قدمت للمجتمع أمثال علي بن أبي طالب من الشباب وأسماء بنت أبي بكر من النساء، هل ربينا أمثال مصعب بن عمير سفير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة والأمثلة كثيرة مثل بلال وياسر وصهيب وعلى الرأس من هؤلاء الصديق صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار والذي خلف الرسول في قيادة الدولة بعد موته صلى الله عليه وسلم والذي قاتل من امتنع عن دفع الزكاة وقال قولته "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" وقال "أينقص الدين وأنا حي"، هل تربي فينا من يصدق فعله تلاوته للآية الكريمة: "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" فيكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهويته إسلامية بحق ويكون حراكه ونشاطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أساس من الدين الذي قال الله فيه "إن الدين عند الله الإسلام" وقوله صلى الله عليه وسلم "الدين المعاملة".
خامسًا: هل نتغافر فيما بيننا ويحسن الأخ الظن بأخيه وهل يستر أحدنا عيوب أخيه؟ هل يقدم الأخ منا النصيحة لأخيه في أكمل وجه ويقبلها منه على أية وجه؟ هل يرضى الأخ منا أن يفرط في انتمائه لدعوته التي بايع الله عليها بعد أن اختارها دون الدعوات الأخرى وتعبد الله من خلالها ويضرب عرض الحائط بتاريخه السابق والزمن الجميل الذي عاشه بين إخوانه متمثلاً في ذلك قوة الإيمان والوحدة قبل قوة الساعد والسلاح، والسلاح الآن يمكن أن يكون من خلال التنافس الحزبي.
إن أخطر ما ارتبط بهذا الجو الذي لم نعيشه في عهود الاستبداد والقهر والسجون والمعتقلات وعهود المحاكمات العسكرية للمدنيين هذا التنازع الذي نهينا عنه شرعًا؛ لأنه يؤدي إلى الفشل "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..".
إننا مطالبون جميعًا أن نتمثل قول الله سبحانه وتعالى فيمن قامت على جهادهم وجهودهم الدولة الإسلامية الأولي ووصفهم الله في قرآنه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ.....) (التوبة: من الآية 100)، موقف السابقين قد عرفناه، أما موقف الذين اتبعوهم بإحسان ونسأل الله أن نكون منهم وندعو كل مسلم أن يتخذ نفس الموقف وهم يقاومون إقصاء الإسلام عن الحياة بحماسة ووضوح متمثلين في ذلك قول رسولهم صلى الله عليه وسلم لقريش وعظمائها وساداتها: "يا ابن أخي إن كنت تريد لما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد سيادة سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا"، فجاء الرد الحاسم:
والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه"، لقد وجدوا في أنفسهم زهدًا في المال وزهدًا في المنصب وزهدًا في الجاه؛ لأنهم يريدون أكثر من المال والجاه والمنصب، إنهم يريدون عقيدة تنتشر وفكرة تسود ومجتمعًا ربانيًّا يتكون، وإسلامًا يقوم على وجه الأرض، يعلم الناس ما لم يتعلموه من هذا الإسلام العظيم، إنهم يريدون وجه ربهم ذي الجلال والإكرام، إنهم استحضروا في أرواحهم القول الثقيل الذي خاطب الله به رسوله- صلى الله عليه وسلم- في أول الدعوة( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ 1 قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (الزمل: الآيتان:1-2). وهذا الثقل في القول ليس في ذات القول فلقد يسر الله القرآن للذكر ولكن الثقل في التبعة، في المهمة، في الواجب، في المشقة التي يحملها هذا القول الثقيل وهم يعلمون أن الطريق شاقة وليست مفروشة بالزهور والورود، بل هي مليئة بالأشواك والمكاره فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)(العنكبوت: الآية:2). "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ" (البقرة:214) فلنجعل فعلاً قلوبنا محلاً لنزول نصر الله حتى ندرك أن النصر الرخيص لا يبقى والنصر السهل لا يعيش ولأن الدعوة الهينة يتبناها كل ضعيف أما الدعوة الصعبة فلا يتبناها إلا الأقوياء ولا يقدر عليها إلا الأشداء.
الدولة الإسلامية:
لقد أقام الإسلام أول دولة مدنية على ظهر الأرض وليس فيه وسيط بين العبد وربه ولا يملك أحد أن يمنح أحدًا صكًا بالغفران أو الحرمان. والأحزاب والجامعات التي جاءت بعد عهد الراشدين كانت كلها سياسية ولكن نظام المجتمع على مدى أربعة عشر قرنًا ظل يحتكم إلى الإسلام في عباداته ومعاملاته في ميلاده وموته في بيعه وشرائه في حروبه وسلامه في صحوة ونومه وسيظل بإذن الله نظام المجتمع إسلاميًّا إلى يوم الدين.
إننا نريد نظامًا حرًا يحفظ كرامة الإنسان المصري ويعبر عن إرادة جموع المواطنين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم وعقائدهم ويخضع فيع الجميع للقانون الذي يضعه نواب الشعب الحقيقيون.
إن منهج الإسلام الذي نلتزم به يعتبر أن سياسية الناس بالعدل والحق والرحمة جزء من رسالة الإسلام، وإن إقامة شريعة الإسلام فريضة من فرائضه ولكن الحاكم في نظر الإسلام بشر من البشر ليست له على الناس سلطة دينية بمقتضى حق إلهي وأن ترجع شرعة الحكم في مجتمع المسلمين إلى القيام على رضا الناس وإلى إفساحه للشعوب؛ ليكون لها في الشئون العامة رأي ومشاركة في تقرير الأمور، وأن يستحدثوا بعد ذلك من النظم والأساليب في تحقيق هذا ما يتفق وأحوالهم وما لا بد أن يتغير ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأحوال الناس، وإذا كان للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي الذي يضع زمام الأمور في يد أغلبية الناس دون أن يحيف بحق الأقليات على اختلافها في أن يكون لها رأي ومواقف مخالف، وأن يكون لها حق مشروع في الدفاع عن هذا الرأي والدعوة إلى ذلك الموقف ومن هنا فإن المعارضة السياسية المنظمة تعتبر عاصمًا لاستبداد الغالبية وطغيانها وتكون كذلك جزءًا من البناء السياسي وليست خروجًا عليه أو تهديدًا لاستقراره ووحدته.
أيها الأحباب، يا من انحازوا للحق وتدافعوا مع دعاة الباطل، ثقوا في نصر الله فليس بعد هذا الظلام الذي حل بنا جميعا إلا بزوغ نور الحق والقيم ومبادئ حضارتنا الإسلامية التي أرساها رسولنا وخاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولينصرن الله من ينصره، والله أسأل أن يجبر كسرنا ويغفر لنا تقصيرنا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
---------------------
الخامس والعشرون من ذي الحجة 1433هجرية
الموافق العاشر من نوفمبر 2012ميلادية