الحمد لله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، القائم على كل نفس بما كسبت والمجازي لها بما عملت، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد..

 

إن من حقائق القرآن الدامغة، ومن سنن الدعوات الواقعة، أن أهل الدعوة والإصلاح وهم يسيرون على طريقها يجاهدون ويصلحون، لا بد لهم أن تقف دون سيرهم العقبات، ويتعرضوا لألوان من الفتن والابتلاءات، وتثار حول دعوتهم الأكاذيب والشبهات، ليس فقط في أيام الاستضعاف والمحن، ولكن يحدث ذلك أيضًا في زمن اليسر والتمكين كما نرى اليوم في مصر؛ لأن الباطل وأتباعه سياستهم واحدة وإن تغيرت المراحل، ومقاصدهم ثابتة وإن تبدلت الأحوال، ألا وهي الكيد الدائم للحق وأهله، والتشويه المستمر للطريق وللسائرين عليه، واختلاق الأكاذيب والشائعات حول الدعوة ومنهجها ورجالها وتاريخها، فهذا هو دأب الباطل، وهذه طبيعة الطريق وتلكم هي معالمه.

 

وفي هذه العلاقة بين أهل الحق وأهل الباطل دائمًا الدروس والعبر لنا على الطريق، ففيها تأكيد لطبيعة طريق الدعوات وما يحدث للسائرين عليها، وفيها أيضًا كشف لحقيقة المعركة بين الحق والباطل، وفيها فضح للمرجفين والمنافقين الذين يدورون في فلك الباطل وحزبه، وفيها اختبار لثبات أهل الحق وثقتهم في الطريق ويقينهم في نصر الله وتأييده للمؤمنين، وفيها أيضًا تمحيص لصفهم وتنقية لجمعهم فيما يتعلق بأخوتهم وثباتهم وثقتهم في منهجهم وقيادتهم.. قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) (البقرة: 214)، ويقول سبحانه: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت) ويقول عز من قائل (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) (محمد: 31)، وفيها أيضًا اختبار لهم في حالهم مع ربهم وقت الرخاء وإقبال الدنيا، وثباتهم أمام فتن المناصب والمسئوليات وعدم تغير نفوسهم وقلوبهم ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٩).. إذًا في كل الأحوال والظروف نقول إن ما يتعرض له المصلحين من هجوم مستمر وتشويه متعمد ممنهج، هي طبيعة نؤمن بها، ومفرزة ليميز الله الخبيث من الطيب.

 

من هنا كان استشعار أصحاب الدعوة معية الله سبحانه، وتحليهم بالصبر والثبات، مع يقينهم في تأييد الله لهم وحفظه لدعوتهم هي زادهم وسلواهم وعدتهم في مواجهه فتن الطريق وعقباته، وها نحن نرى اليوم كما كان بالأمس سيلاً هادرًا من التشكيك في الدعوة وأهلها ومنهجها وطريقها، وكمًّا كبيرًا من السهام التي تريد النيل من الصالحين المصلحين، ولم يخجل هؤلاء ويتعظون أنهم كانوا يومًا أعوانًا وأبواقًا لنظام تجبر وظلم، وبظلمه وفساده هوى وسقط، ولكن زاد حنقهم وتضخم غل قلوبهم على الدعوة وأهلها بعد أن كتب الله لها من فضله قبولاً في نفوس الناس، فقدمهم الشعب ومنحهم ثقته لتحمل أمانة المسئولية، ليصلحوا ما أفسده الفاسدون.

 

ولعل سلوك هؤلاء المرضى (مرضى القلوب والعقول) ممن يدعون الحرية ويرفعون رايات الليبرالية والديمقراطية الزائفة يدل على مدى الغل والحقد فى قلوبهم نحو الإسلام والاسلاميين وفي مقدمتهم الإخوان، والخلل في عقولهم نحو الإسلام ومنهجه العظيم، وكان أحرى بدعاة الحرية المزيفة أن يحترموا اختيار الشعب لرئيسهم المنتخب، ولكنهم ما تحملوا أن يتولى الصالحون الأمر فسارعوا بإخراج ما تضمره نفوسهم من كره وحقد ليس على الإخوان، ولكن على هوية الأمة ودينها العظيم، فكثرت أبواقهم.

 

أما نحن أيها المصلحون فما علينا إلا أن نستعين بربنا الكريم على هؤلاء وغيرهم، وأن نلوذ بحماه، ونستشعر معيته سبحانه وتعالى، وأن نستظل بظل حمايته ورعايته، ومن كان في حمى ربه فلن يضام. وفي هذا يقول تعالى في خطاب المؤمنين: (واصبروا إن الله مع الصابرين) (الأنفال: 46)، وفي خطاب رسوله: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيينا) (الطور: 48)، ومن كان بمعية الله مصحوبًا وبعين الله ملحوظًا فلا يخشى أحدًا، ويستمد قوةً بها يتحمل المتاعب ويصبر على المكاره.

 

وإذا العناية لاحظتك عيونها     نم فالمخاوف كلهن أمان

واصطد بها العنقاء فهي حبائل     واقتد بها الجوزاء فهي عنان

 وأن نصبر على مكرهم وسوء طويتهم وخبت مقاصدهم ، ونوقن مع الصبر والثبات والعمل ان الله مع الصابرين ، وأن ذلك من عزم الأمور (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) آل عمران 186  .

 

الإمام الشهيد حسن البنا يصف الحالة

وفي هذا المقام لا نجد أبلغ من توصيف الإمام حسن البنا لهذه الحالة في رسالته القيمة (بين الأمس واليوم)، وتحت عنوان (عقبات في طريقنا)، يذكر رضوان الله عليه ما يلي:
"وسيتذّرع الغاصبون بكل طرق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين علي قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)﴾ (التوبة) ثم يستكمل كلامه رضي الله عنه فيقول: ولكنَّ الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين".

 

الصبر عدتنا.. وفي الاستعانة قوتنا

الصبر كما نعلم جميعًا فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ويوطن نفسه عليها في كل أعماله وآماله، فيتحمل المكاره دون ضجر وينتظر النتائج مهما بعدت ويواجه الأعباء مهما ثقلت، بقلب لا تعلق به ريبة، وعقل لا تطيش به كربة، فيظل دائمًا موفور الثقة، ثابتًا على طريقه لا يرتاع لغيمة تظهر في الأفق، ولا يلتفت لمشكك يريد أن يشغله عن هدفه ومقصوده، أو ينشغل بمعوق يريد أن يصرفه لينحرف عن طريقه، بل يظل موقنًا أن هذه كله عوارض طبيعية على الطريق، وأن فرج الله قريب، وأن بوادر الصفو لا بد آتية، وأن من الحكمة انتظارها في يقين وعمل.

 

ومع عدة الصبر نحتاج لعدة الاستعانة بالله فهو المستعان وعليه التكلان، ولأن العبادة من متطلبات الاستعانة (إياك نعبد وإياك نستعين) فعلينا المزيد من طاعة الله في هذه المرحلة، والإقبال على الله بقلوبنا، والتذلل إليه بقوته وضعفنا، فنستمد منه سبحانه زاد المسير إليه، وعندئذ وعلى طريق العبادة والاستعانة نقوى على القيادة، ويفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.

 

وصايا مهمة.. وأمل قادم

1-  الثقة واليقين في نصر وتأييد الله لهذه الدعوة، وحفظها من كيد الكائدين.

2-  اليقين بوعد الله الذي فيه حفظ لأوليائه والدفاع عنهم (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (الحج: 38).

 

3-  الإيمان الكامل بأن الحق قادم وأن الباطل زاهق، وأن الحق يحمل قوته فيه، وأن الباطل يحمل ضعفه فيه، وأن الحق أبلج وأن الباطل لجلج، وأن ارتفاع صوت الباطل وترعرع شجرته لا يعني قوته ودوامه؛ لأن الحق بقوته سيجتث جذورها "سئل الحق يومًا: أين كنت حين علا صوت الباطل وترعرعت شجرته، قال الحق: كنت في باطن الأرض أجتث جذورها" (وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

 

4-  اليقين بأن حملات التشويه والتضليل الإعلامي والتشكيك في الدعوة والدعاة لن تنال منهم إلا ما كتب ربنا وقدر، وأن التاريخ يؤكد أن حملات الكيد للدعوة والدعاة- مع ثبات أهل الحق وصلتهم بربهم- لن تحقق مآربها وستعود على أصحابها بالحسرة والندامة والخسران.. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (الأنفال: 36) وفي قصة إسلام الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي أصدق دليل.

 

وفي الختام نسأل الله أن يحفظ دعوتنا، وأن يبارك أخوتنا، وأن يوفق قادتنا، وأن يجمع على الحق كلمتنا، ولنعلم علم اليقين أن هذه الدعوة هي دعوة الله عز وجل يحفظها ويرعاها ويحميها، ولن يطفئ نور الله بشر.. (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) (الصف: 8)

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين