سياسية واقتصادية
العمليات المصرية في سيناء ومعاهدة السلام
الجمعة 17 أغسطس 2012 06:03 ص
كتب: بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
فاجأتني بعض وسائل الإعلام العربية والدولية بسؤال وألحَّت عليه، وهو: ألا تعد عمليات مصر العسكرية في سيناء باستخدام معدات وجنود مخالفًا لما قررته معاهدة السلام التي حددت عدد القوات في المنطقة "ب" بأربع فرق من قوات حرس الحدود، بما يلزمها من تجهيزات أرضية وبحرية دون قوات جوية، كما ورد تمامًا في الفقرة الثانية من المادة الأولى من الملحق الأول الخاص بالترتيبات الأمنية في سيناء، كذلك تحدد الفقرة الثالثة من نفس المادة للمنطقة (ج) قوات الشرطة العادية بتسليح الشرطة ولمهام الشرطة بين سكان المنطقة.
وقد طرح السؤال خلال برامج فضائية استمع المشاهدون فيها إلى تقارير المراسلين حول حجم العمليات ونوعية الأسلحة والقوات وكلها تحت إدارة القيادة العامة للقوات المسلحة وليس وزارة الداخلية، ولكن الوقائع طرحت، ومعها هذا السؤال البريء، وهو ما لم يطرحه الإعلام الصهيوني.
ونظرًا لأن السؤال يغري من في قلوبهم مرض بإجابات معينة، فإنني بادرت إلى إيضاح الحقائق الآتية في سياق الإجابة:
الحقيقة الأولى تتعلق بالسؤال: لماذا الإرهاب في سيناء الآن؟ ولماذا هذه العمليات الآن؟ فمن الواضح أن تاريخ الإرهاب لم يكن بمعزل عن التطورات السياسية، وحيث استخدم الإرهاب آداة في صراعات العلاقات الدولية؛ مما أنتج فكرة نسبية الظاهرة الإرهابية، فما تعده تل ابيب إرهابًا يعده غيرهم مقاومة مشروعة، وما كان مقاومة مشروعة في عقود سابقة أصبح في نظر اليوم عملاً إرهابيًّا مجنونًا؛ أي أن النسبية كانت في الزمان والأطراف والمكان، ثم هجمت الظاهرة الدينية فخلطت الأوراق، فلا يزال اغتيال السادات مثلاً محل جدل، بين أنه عمل إرهابي، أو أنه عقوبة له على التحالف مع العدو، ولا يزال كل عمل يضر الصهاينة عملاً إرهابيًّا في نظرها مهما كانت الظروف.
وتطبيقًا لذلك، فإن النظام السابق في مصر قد أطلق يد الصهاينة في سيناء وأغفل مبارك سيناء تمامًا وفعل كل ما ينهي طابعها المصري، واتبع من السياسات ما جعل أهل سيناء غرباء في وطنهم، ونزع عنهم وطنيتهم، وكان ذلك كله لصالح الكيان الصهيوني، فأضاع سيناء الأرض والبشر وإن بقيت سيناء على الورق جزءًا من مصر، وهذا مكن الكيان من تشجيع الإرهاب فيها ضمن نظريته طويلة الأجل للهيمنة على سيناء؛ بحجة أنها خارج نطاق السيطرة المصرية، وأن الكيان هو الأحق بها، وإلا لماذا عمت الفوضى ومظاهر الإرهاب سيناء بعد ثورة يناير؟ ولماذا لم تعلن مصر مبارك شيئًا عن حقيقة الإرهاب الذي ضرب سياحتها من قبل؟!
ومعنى ذلك أن الإرهاب في سيناء له ثلاثة أسباب، وكلها تكونت في سنوات مبارك المريرة: تطرف ديني، وضيق معيشي، وتمييز ضد سكان سيناء، وضعف الدولة المصرية وحضورها الكامل والفاعل والمقنع، وأخيرًا المؤمرة.
الحقيقة الثانية: إن الإرهاب الذي يدعي الكيان الصهيوني أنه يضره، وهو في الحق يستخدمه أداةً لإضعاف مصر وتآكل صلة مصر بسيناء تمهيدُا لاقتطاعها، يفترض أنه يهدد مصر قبل الصهاينة، وهو يرتبط بمظاهر سيادة الدولة على أراضيها، ولذلك لم يقل أحد حتى الآن من دمر أنابيب الغاز أكثر من 15 مرة؟ ولماذا؟ ومن الواضح أن دخول قوات الصهاينة إلى الأراضى المصرية عدة مرات وقتلها الجنود المصريين في سيناء عام 2011 وأدى إلى الهجوم على سفارتها ووجودها الدبلوماسي كله في مصر، بررته تل أبيب بعجز مصر عن صد الإرهاب الذي يهددها من سيناء، بينما قتلت الجنود المصريين وليس الإرهابيين، وفي كل حالات العدوان الصهيوني منذ نشأته في المنطقة وحتى الآن يسوق نظرية الدفاع الشرعي عن النفس، ولنا في تأصيل ذلك دراسات سابقة.
ولكن الكيان الصهيوني يفسر القانون الدولي على هواه، ولم تثر مصر يومًا التزام الكيان في نفس معاهدة السلام الذي يتباكى عليها والذي يحظر على الطرفين دخول أراضي الطرف الآخر إلا من النقاط التي يحددها هذا الطرف ووفق القواعد التي يضعها، بينما استباحت "إسرائيل" كل شيء خاصة في سيناء.
الحقيقة الثالثة: هي أن من حق المجتمع والدولة في مصر اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات عسكرية وأمنية وسياسية وإعلامية لحماية أراضي الدولة وسلامة المجتمع، فلا علاقة مطلقًا بين ما تقوم به مصر وما تقرره معاهدة السلام من تحديد لنوعيات الأسلحة وأعداد الجنود في مناطق سيناء الثلاث.
ذلك أن فلسفة معاهدة السلام فى سيناء تقوم على هدف مشترك وهو منع الاحتكاك العسكرى أو العدوان المتبادل بين مصر وإسرائيل، ولذلك فالمحظور الوحيد الذي وضعته المعاهدة هو تغيير مقادير القوات والأسلحة بشكل دائم وبما يهدف إلى النيل من قيمتها النفسية عند "إسرائيل"، رغم ما في ذلك من جور على السيادة المصرية، وأن يكون هدف التغيير هو الهجوم على "إسرائيل" وهو أمر غير وارد مطلقًا سياسيًّا وعسكريًّا في مصر إلا في حالة العدوان "الإسرائيلي".
ومعنى ذلك أنه لا علاقة مطلقًا لمعاهدة السلام بالعمليات العسكرية المصرية ضد الإرهاب، فالمعاهدة مخصصة لضبط العلاقة بين مصر و"إسرائيل".
أما العمليات العسكرية فمهمتها ضرب الإرهاب دفاعًا عن تراب مصر وتماسك شعبها وأمنها الداخلي الذي وضحت فيه أيدى كثيرة وأخطرها الموساد الصهيوني، فعملية رفح تسيء أصلاً إلى كرامة الجيش والشعب والدولة وليست زيارة باراك ونتانياهو للدباباتين المصريتين المخطوفتين إلا تشفيًا في الجيش الذي هزمهم عام 1973، رغم مرارة عملية رفح، بل إن تعليق بن إليعاز على العملية بأنه صراع بين أجنحة السنة هو جزء من تأجيح "إسرائيل" للصراع الطائفي الذي سوف يحرق المنطقة لصالح "إسرائيل" وهو ثمن الحماقة.
الحقيقة الرابعة: تتعلق بالسؤال: لماذا تبارك "إسرائيل" عمليات الجيش المصري التي نأمل ألا تكون بالتنسيق مع "إسرائيل"، ولم تعترض على إدخال المنطقة (ب) معدات تتجاوز ما ورد في معاهدة السلام.
هناك ثلاثة تفسيرات: الأول أن اعتراض "إسرائيل" يقوم على غير أساس قانوني، ومن شأنه أن يكشف زيف شكواها من الإرهاب الذي تدعمه قطعًا، كما يكشف تورطها في دعمه؛ لأنه لا يعقل أن تدعي "إسرائيل" بحق أن الإرهاب مزدهر في سيناء وفي نفس الوقت تعيق مصر عن مقاومته.
كما تدرك "إسرائيل" أن العمليات انتقام لكرامة القيادة العسكرية وقد وحدت مصر كلها ضد الإرهاب، فلا يعقل أن تعمل "إسرائيل" على توجيه هذه الوحدة خاصة بين الرئيس والمجلس العسكرى ضد "إسرائيل" نفسها، كما تدرك "إسرائيل" أن العملية درس عملي لقدرات الجيش المصري ضد عصابات، سوف تعود مرة أخرى، بعد هدوء العاصفة، وهنا تظهر أهمية وضع استراتيجية تعمير سيناء كعلاج جذري لهذه الظاهرة.
التفسير الثالث هو أن مباركة "إسرائيل" للعمليات ولو شكليًّا يعطي انطباعًا بأن هناك تنسيقًا مع مصر، وأن "إسرائيل" سمحت بدخول الأسلحة طوعًا دون حاجة إلى تعديل الملحق الأول من المعاهدة، حتى تظل موافقتها هي أساس أي عمليات مصرية، وحتى تجهض أية مبررات مصرية لتعديل المعاهدة، رغم أن التعديل يبرره شعور مصر بمحدودية قدرتها السيادية وهي الدولة الوحيدة فى العالم التي لا يستطيع جيشها أن يتحرك بحرية في سيناء التي سطر فيها بطولات لا تزال تثير فزع "إسرائيل".