كان الكبار في عهد المخلوع ينظرون إلى أوباما نظرتهم إلى المنقذ الأكبر القدير على تحقيق ما يريدون ويريد هو بمشيئته الفردية، وكأنهم يجهلون أن هناك قانونًا يحكمه، ومؤسسات دستورية تملك أن توقفه عند حده.
قلت في نفسي: لا عجب فنحن في عصر الدونية والخلل والهوان، واستهانة الحكام بشعوبهم، حتى نجحوا في تفريغهم من قيمها، وعزتها وقدرتها.
فإذا ما قلنا: يا كبار الحاضر الضائع التائه المنكسر: تمثلوا الأعزة الشامخين من حكامنا المسلمين من السلف الصالح؛ تصدى لنا حملة القماقم، الآكلون على كل مائدة، واتهمونا بالرجعية والظلامية، والتخلف. وصاح كبير منهم "إن هؤلاء يريدون أن يعيدوا الشعب إلى ظلام العصور الوسطى".
وامتدت هذه الروح الخبيثة إلى المناهج التعليمية، التي خلت من وقائع العزة والثبات والشموخ في سلفنا الصالح أيام أن كان الخليفة المسلم يتصدى للأكاسرة والقياصرة.
ومن الروايات التي نقلت إلينا بلسان أحد المسلمين الصادقين: "دخلتُ القسطنطينية تاجرًا في عهد عمر بن عبد العزيز، فأخذت أطوف في بعض سككها حتى انتهى بي المطاف إلى فناء واسع، رأيت فيه رجلاً أعمى، يدير الرحى وهو يقرأ القرآن، فعجبت في نفسي، في القسطنطينية رجل أعمى يتكلم العربية، ويدير الرحى، ويقرأ القرآن!! إنه لنبأ!!، فدنوت منه وسلمت عليه بالعربية، فرد السلام، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ ما نبؤك؟ فقال: أسير من المسلمين أسرني هذا الرومي، وعاد بي إلى بلده، ففقأ عينيَّ، وجعلني هكذا أدير الرحى، حتى يأتي أمر الله. فسألته عن اسمه وبلده وقبيلته ونسبه، وما كان لي من عمل حين عدت قبل أن طرقت باب أمير المؤمنين، وأخبرته الخبر، فاحتقن وجهه، واحتدم غضبًا، ودعا بدواة، وكتب إلى ملك الروم: "قد بلغني من الآن كذا وكذا، وإنكم بذلك قد نقضتم ما بيننا وبينكم من عهد: أن تسلموا كل أسير من المسلمين. فوالله الذى لا إله إلا هو لئن لم ترسل إليّ بهذا الأسير لأبعثن إليك بجنود يكون أولها عندك، وآخرها عندي.. ودعا برسول فسلمه الكتاب، وأمره ألا يضيع وقتًا في غير ضرورة حتى يصل، ودخل الرسول على ملك الروم، وسلمه الكتاب، فاصفر وجهه، وأقسم أنه ما علم من أمر هذا الأسير شيئًا. وقال: لا نكلف الرجل الصالح عناء الحرب، ولكننا نبعث إليه بأسيره معززًا مكرمًا. وقد كان".
وفي بيان بليغ آسر (23 أبريل 1948)، يكتب الإمام الشهيد حسن البنا رابطا هذه الواقعة بنكبة فلسطين بالكلمات المتوهجة الآتية:
"أيها العرب والمسلمون، لم تعد المسألة مسألة أسير، ولا أسيرة، ولكنها أصبحت أكبر وأضخم، وأجل وأعظم، إنها قضية الحياة والشرف والكرامة والوجود لشعب بأسره، احتضنته الأمة العربية كلها، وتظاهرت على نصرته جهود العالم الإسلامي في أقطار الأرض، ثم هي قضية مستقبل الأرض المباركة والمسجد الأقصى، ثالث الحرمين وأولى القبلتين.
فاذكروا فظائع اليهود الوحشية في قرية دير ياسين، وقرية ناصر الدين، وقرية أبو زريق.. وقرية ساريس، ثم اذكروا حيفا إحدى عواصم فلسطين الثلاث، واذكروا ما بعدها إن ظللتم قاعدين، ثم انظروا ما أنتم فاعلون؟ ولا يكن حظكم من الانتصار لهذه المواطن الذبيحة أن تصيحوا "واعمراه.. وامعتصماه.
**********
ولنستحضر أمام نواظرنا هارون الرشيد وهو يخاطب نقفور هرقل الروم بالكلمات الآتية: "بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك، والجواب ما تراه دون أن تسمعه يا بن الكافرة والسلام".
ولا ننسى موقف المعتصم عندما انطلق لقتال الروم الذين أسروا مسلمة بريئة، فصاحت "وا معتصماه" فجاءها الجواب العملي من الخليفة المسلم: "لبيك لبيك أمة الله".
ويطول بنا المسار لو رحنا نستعرض مواقف العزة والشموخ في المسلم الذي لم يكن حاكمًا ولا قائدًا، ويقال إن أحد علماء اللغة سال بدويًّّا قحًّا : اتقول استخذيت، أم تقول استخذأت ؟ فقال : لا أقولهما . سأله لماذا؟ فأجاب : لأن العرب لا تعرف الاستخذاء.
وإذا نظرنا إلى واقعنا الحاضر وجدنا أن العرب لا يعرفون إلا الاستخذاء.
------------------