- عاطف البنا: الفصل بين السلطات يضمن تحقيق العدالة
- صبحي صالح: التعيين والجمع بين سلطتي الاتهام والتحقيق خطأ
- وليد الشافعي: يجب أن يكون المنصب بالانتخاب لمدة 4 سنوات فقط
تحقيق: صفية هلال
منصب النائب العام ينظر إليه المجتمع على أنه الحصن الذي يلجأ إليه جموع المصريين طلبًا للحماية والحصول على حقوقهم، كما أنه المحرك الرئيسي للدعاوى القضائية بجميع أنواعها.
وفي الفترة الأخيرة تعالت الأصوات التي تطالب النائب العام بإقالة نفسه من منصبه؛ وذلك بعد أن فتحت الكثير من الملفات بعد ثورة يناير، وتبين حجم الفساد التي تحويه هذه الملفات، وعلى رأسها قضايا أحمد عز الخاصة بالفساد والاحتكار والعدوان على المال العام، والتي لم يتم فتح التحقيق فيها إلا بعد الثورة، على الرغم من كثرة عدد البلاغات التي قدمت ضده قبلها، ومحمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان السابق والذي حُفظت التحقيقات في قضيته قبل الثورة وفتحت من جديد بعد الثورة والمتعلقة بتورطه مع مجدي راسخ "والد زوجة علاء مبارك"، في إهدار قرابة 34 مليون جنيه من خزينة الدولة، في القضية المعروفة إعلاميًّا بـ"سويدك"؛ لتثبت بذلك أن التحقيقات كانت تجري على هوى المسئولين وليس بما تمليه العدالة.
بالإضافة إلى العديد من ملفات الفساد التي ماتت قبل الثورة بسبب بطء التحقيقات أو ربما إغلاق الملفات نهائيًّا مثل القرارات بمنع نواب القروض من السفر بعد أن هرب أغلبهم بالفعل خارج البلاد بعد استيلائهم على المليارات، وكذلك مالك عبارة السلام 98 الذي غادر مصر بعد وقوع الحادث بفترة وجيزة، وتأخر رفع الحصانة عنه لتأتي هذه القرارات متأخرة كما وصفها المراقبون، أضف إلى ذلك قرارات الحفظ في بعض القضايا، والتي شكلت صدمة للجميع مثل حفظ التحقيق في قضية عمر أفندي.
وبعد قيام الثورة وسقوط رأس الفساد تحولت أنظار الجميع إلى النائب العام وتعلقت به الآمال في القضاء على الفساد واسترجاع لأموال المنهوبة إلا أنه إلى الآن ما زالت هناك عشرات الآلاف من البلاغات المقدمة إلى النائب العام كما يرى المراقبون، وذلك كالبلاغ الذي تقدم به المقدم السابق في الرقابة الإدارية معتصم فتحي؛ وذلك بتاريخ 2 مارس 2011م، والذي يتهم فيه نائب رئيس الجمهورية السابق عمر سليمان وأسرته بالتورط في قضايا فساد بالاشتراك مع وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان، بالإضافة إلى البلاغات المقدمة ضد أحمد شفيق المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، كما يذكر المراقبون أنه مقدم ضده 42 بلاغًا بعضها خاص بالفساد وإهدار المال العام أثناء توليه وزارة الطيران.
ويعود تاريخ منصب النائب العام في مصر إلى سنة 1881م ميلادية، وبالتحديد في التاسع والعشرين في نوفمبر؛ حيث تم تعيين أول نائب عام وهو إسماعيل يسري باشا، وكان ذلك قبل إنشاء المحاكم، وعند إنشائها تم تعيينه رئيسًا لمحكمة استئناف مصر، وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر تعاقب على هذا المنصب عدد من النواب العموميين الأجانب؛ حيث كان ثاني نائب عام لمصر هو السير بنسون ماكسويل في مارس 1883م، وجاء بعده إيموند وست ليقضي عامًا آخر، ويحل محله نائب عام فرنسي هو المسيو لوجول الذي قضى في هذا المنصب ست سنوات كاملةً انتهت في أبريل 1895م ليحل محله نائب مصري هو إسماعيل صبري باشا الذي لم يستمر سوى أقل من عامين؛ ليعود ثانيةً الإنجليزي المستر كوربت بك الذي استمرَّ في موقعه أحد عشر عامًا متواصلة، ليأتي بعد ذلك عبد الخالق ثروت باشا في نوفمبر 1908م، ومن وقتها لم يتول أي أجنبي آخر هذا المنصب.
وحدث صراع تاريخي معروف حول تبعية منصب النائب العام هل هي للسلطة التنفيذية أم القضائية، توصل في النهاية كما يرى فقهاء القانون إلى أن وضع النيابة العامة وعلى رأسها النائب العام يعد جزءًا من السلطة القضائية، ومن ثَمَّ يصبح النائب العام تابع لوزير العدل من الناحية الإدارية المحضة، أما من الناحية القضائية فهو يتمتع بالاستقلال التام.
(إخوان أون لاين) يناقش منصب النائب العام بعد الثورة، وكيفية إصلاح ما أفسده المخلوع في سطور التحقيق التالي:
حصانة قضائية
![]() |
|
د. عاطف البنا |
الفقيه الدستوري الكبير الدكتور عاطف البنا يرى أنه ليس لأي سلطة في البلاد تشريعية كانت أو تنفيذية أن تعزل النائب العام من منصبه؛ لأن رجال النيابة لهم حصانة قضائية، ومساءلتهم لا تكون إلا أمام القضاء، فالنائب العام هو الحفيظ على مصلحة الجماعة، والنيابة تتولى الدعوى العمومية وتحرك الدعوى الجنائية لتقديم الجاني للمحاكمة، والحكم في النهاية يكون للقضاء.
ويؤكد أن عدم فهم الناس لوظيفة وأهمية منصب النائب والنيابة العامة بشكل عام يجعل بعضهم يشكك في عملهم، ويطالب بعزل النائب العام، مشيرًا إلى أن النيابة العامة تحكم بالدلائل والتي هي شبهات قوية، أما المحكمة فلا تحكم إلا بالدليل القاطع وعدم تحقق اليقين في الأدلة لدى المحكمة يقود إلى البراءة، وهذا ما يجعل القضاء يتأخر في كثير من الأحيان في إصدار الأحكام على المتهمين.
ويقول: "ليست كل أهداف القضاء هي السرعة فقط، ففوق السرعة يجب أن تكون العدالة والوصول للحقيقة التي لا شك فيها"، مؤكدًا أن السرعة مطلوبة في قضايا الرأي العام؛ لأن العدالة البطيئة نوع من الظلم بشرط أن لا تؤدي السرعة إلى فقدان العدل".
ويتوقع د. عاطف البنا أن يحتوي الدستور القادم بنودًا تؤكد على استقلال القضاء وتوفير الحصانة لرجاله وهي ليست امتيازات للقاضي وإنما هي ضمانات للعدالة، مشددًا على أهمية النظر بعناية إلى قانون السلطة القضائية وتعديل الكثير من نصوصه، موضحًا أن أول هذه النصوص هو التدخل الذي يجيزه القانون لوزير العدل في عمل القاضي، وكذلك تبعية جهاز التفتيش القضائي لوزارة العدل، مطالبًا بأن يكون تابعًا للمجلس الأعلى للقضاء.
ويشدد على ضرورة إبعاد وزير العدل عن اختيار رؤساء المحاكم الابتدائية في كل محافظة، بالإضافة إلى أن القانون الحالي يسمح للوزير أن يطلب إحالة أي عضو للمحاكمة التأديبية، وهذا ما قد يخترق حصانة القاضي، ويمنح الوزير صلاحيات على القضاة تضر العدالة، مؤكدًا أهمية اقتصار دور الوزير على الجانب الإداري، وأن تصبح كل هذه الأمور سالفة الذكر من اختصاصات القضاء، مشيرًا إلى أن هذا ما ننشده في قانون السلطة القضائية بعد كتابة الدستور الجديد.
ويعرف النائب صبحي صالح عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب منصب النائب العام بأنه أعلى سلطة في النيابة العامة، وهو يمثل الدعوى العمومية أي أنه نائب عن عموم المجتمع ومدافعًا عن حقه، ولذلك يمثل سلطة الاتهام، فعندما يعتدي أي مواطن على الحق العام تخاصمه النيابة، ويتولى هذه المخاصمة النائب العام أو أحد وكلائه الذين يطلق عليهم وكيل النيابة، مؤكدًا أن النيابة العامة شعبة أصيلة من السلطة القضائية.
![]() |
|
صبحي صالح |
ويقول: إن النائب العام وفقًا لقانون السلطة القضائية يعين ولا يقال، وذلك حفاظًا على استقلاليته، موضحًا أن هذا البند في القانون جاء نتيجة مسيرة نضال طويلة بين السلطة القضائية والتنفيذية، فهو أحد مكتسبات السلطة القضائية، والمطالبة بإقالته ليست في مصلحة القضاء والعدالة بوجه عام.
ويوضح أن الفترة الأخيرة شهدت تحولاً في هذا المنصب، فشرط التعيين دون التقيد بقواعد الأقدمية أو الانتخاب جعل المنصب يقتصر على المَرْضِي عنهم سياسيًّا، وتحول عن كونه منصبًا قضائيًّا، مؤكدًا أن بعض القضايا في الفترة الأخيرة كان الاتهام فيها سياسي وليس قضائيًّا، وأكبر مثال على ذلك معظم قضايا أمن الدولة مثل قضية محمد إبراهيم سليمان، والتي حفظ المحضر فيها منذ ثلاث سنوات وبعد قيام الثورة فتحت القضية من جديد وحكم عليه بالحبس.
ويشير إلى أن هناك علامات استفهام على عمل النيابة العامة فيما يخص التحقيقات التي تجري حاليًّا، فهناك فقر في الأدلة تحويه تحقيقات النيابة مع الرئيس المخلوع وأعوانه، مؤكدًا أن القضية التي بها قصور في التحقيقات ترشح للبراءة.
العدل أساس المنصب
![]() |
|
المستشار وليد الشافعي |
ويضيف أن هناك قضايا فساد كثيرة حدثت في عهد المخلوع لم يحاسب أصحابها، ولم يساءلوا عنها إلا إذا غضب عليهم النظام السابق، وقرر أن الوقت قد حان للتخلص منهم، أما إذا أراد النظام الاحتفاظ به لمدة أطول فيبقى بدون سؤال أو محاكمة، لافتًا إلى أن التحقيقات كانت تفتح في القضايا بناء على رغبة المسئولين ومصالحهم الشخصية، وليس على رغبة العدالة والمصلحة العامة، موضحًا أن ذلك ظهر في قضية هشام طلعت مصطفى الذي قرر النظام تقديمه للمحاكمة؛ لأنه ربما سيجلب له الضوضاء أو أنه أصبح ورقة غير مربحة لهم، بينما لم يحل محمد إبراهيم سليمان (وزير الإسكان السابق) للمحاكمة ولم تفتح ملفاته إلا بعد الثورة.
يؤكد أن تحقيقات الفساد الحقيقية لم تتم حتى الآن، فمبارك ما زال يحاكم عن ثلاث فيلات متسائلاً: "أين تهم الفساد وتزوير إرادة الناس؟، أين الأموال التي هربت للخارج؟، هل يعقل أن يكون قيام الثورة سببه الرئيسي حصول مبارك على 3 فيلات بطرق غير مشروعة؟".
ويضيف "لم أرى واحدًا من المقدمين للمحاكمة الآن من رموز النظام المخلوع تمت إحالته إلى المحاكمة بتهمة تزوير الانتخابات"، متسائلاً: أين تهمة الخيانة العظمى التي وجهت لمبارك والرجل كان يصدر الغاز لإسرائيل؟
ويقترح الشافعي تعديل بعض المواد الخاصة بتعيين النائب العام في قانون السلطة القضائية، وذلك بآلية ترشيح كل محكمة من (استئناف القاهرة، الإسكندرية، محكمة النقض) شخصين فقط وينتخبوا عن طريق الجمعية العمومية لكل محكمة، ثم تعرض الأسماء الست المنتخبة على مجلس القضاء ليختار واحدًا منها، ولا تتدخل أي سلطة في تعيينه، وبذلك نبتعد عن فكرة التعيين ومساوئها، بالإضافة إلى تحديد مدة مؤقتة لا تزيد عن أربع سنوات لمنصب النائب العام ليس أكثر؛ لأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، على حد تعبيره.
ويشدد على أهمية أن تكون الكفاءة هي الفيصل في اختيار النائب العام وغيره من المناصب المهمة والحساسة، فضلاً عن أن يكون ولاؤه الأول والأخير للشعب، وأن يكون مَن يختاره على ثقة في أنه سيحقق المعنى الكامل للعدل؛ لأنه سيحاسب أمام الله عن 80 مليون مصري.


