الخطابة: هي فن مشافهة الجماهير الذي يقوم على الإقناع والاستمالة. أو كما عرفها بعض النقاد بأنها: فن أدبي نثري هدفه إقناع السامعين فهو إلقائي يكتب أو يرتجل ليسمع لا ليقرأ. (1).
وكانت الخطابة هي الآلية الأولى التي اتخذها الإمام الشهيد لدعوته، ونشرها في كل الأوساط واستطاع الإمام الشهيد أن يجعل لهذا الفن وجودًا وكيانًا قويًّا بالغ التأثير.
وسلك دعاة الإخوان السبيل نفسها في اتخاذ الخطابة أهم الآليات في نشر الدعوة والدفاع عنها يستوي في ذلك الخطب الجماهيرية العامة والمحاضرات الدعوية والأكاديمية والحوار والمناقشة والمجادلة.
واختيار هذه الآلية إنما هو اتباع لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم واستصحاب لهذا الأصل الكريم من ناحية واعتراف بالواقع الاجتماعي والسياسي والديني بالنسبة لمصلحة الدعوة من ناحية أخرى، وهو واقع يتأثر بالكلمة المسموعة أكثر من الكلمة المكتوبة ولأمر ما كان فعل الأمر "قل" هو أكثر الأفعال ورودًا في القرآن الكريم.
كما أن الخطابة أيسر تناولاً واستخدامًا من الشعر والمقال فهي تنطلق بلا قيود صارمة وضوابط حادة من وزن وقافية.
وفي حقل الدعوة الإخوانية آلاف الخطباء من العلماء والطلاب والأكاديميين، وكثير منهم تمرسوا بالخطابة وتدربوا عليها من أيام أن كانوا في حقل الدعوة أشبالاً، وكذلك منخرطين في الأسر.
وعن طوابع الأمام ومنهجه في خطبه يقول واحد من تلاميذه وهو محمد لبيب البوهي(2).. إنه كان رضي الله عنه يزور شعب الإخوان جميعًا مرة واحدة- على الأقل– كل عام ويخطب فيهم ولكن كان له خطبة موسمية تأتي في حينها من الأعياد الإسلامية كالإسراء والمعراج وغزوة بدر وليلة القدر وما إلى ذلك، ويخيل إليك حين تصاحبه تذهب معه في المدن والقرى في المناسبة الواحدة أنك ستسمع نفس الخطبة في كل حفل ولا بأس في ذلك.
ولكن حكمته وبراعته كانتا تخلعان على الموضوع الواحد في كل حفل ثوبًا جديدًا، حتى لتود أن تسمع نفس الموضوع عشرات المرات في عشرات الجهات، فستجد مع الموضوع صورة من الإلمام المركز الخلاصة لمشكلات المنطقة التي أقيم فيها الحفل وكيف تستخلص حلولها من أمثال هذه المناسبة.
ولما كانت الأماكن تختلف والمشكلات تختلف فسترى وتحس ألوانًا رائعة تتوالى في فن وقدرة عجيبين على الموضوع الواحد، وفي كل مرة كان يتكلم ثلاث ساعات، أو أربعًا دون أن تجد كلمة واحدة سبقت أختها، أو انحرفت عن الموضوع المناسب بالذات لهذه المناسبة، في هذا المكان.
وكان لا يبدأ حديثه حتى يعالج روح الحفل بتوحيد المشاعر والأحاسيس في جو من الانسجام العاطفي والتوافق الروحي.
وأحاديثه تبدأ أولاً بالتحية، والإشادة بعاطفة المحبة الخالصة بين بني الإنسان جميعًا.
ويذكر الناس بأن هذا الحفل هو من نوع العبادة.. فمجالس العلم تحضرها الملائكة وتباركها، ويفيض الإمام في هذا ويضرب الأمثال.
ومن عينيه ينبعث بريق الحب الخالص المصفى حتى للجماد وتكاد تحس هذا الحب مجسدًا يسعى بين يديه.
ومن هذا الإشعاع الروحي العلوي الموفق يجمع إليه في خيط الحب والأبصار والأسماع والأفئدة والقلوب وينسى الناس أنفسهم وينسون الوقت والمكان ويهيمون معه في عالم الروح.
ويشعرون من ذلك بنشوة عليا هي فيض من بركات الاجتماع- كما كان يقول-.
وبأسلوب سهل واضح متدفق يمضي الإمام معالجًا موضوع خطبته وقد قسمه في ذهنه إلى عنده مواقف ومقاطع مرتبة في عبقرية وإلهام لا يبدأ موقف إلا من حيث انتهى الآخرون دون أن يشعر السامع بخطوات الانتقال.
ومن أهم ملامح خطبه:
1- تأكيد المعاني المهمة والعودة إليها والوقوف عندها لاستخلاص الدروس والعظات المنشودة.
2- الربط بين الماضي والحاضر لتأصيل ما يدعو إليه.
3- الإكثار من التشبيهات وضرب الأمثال التي تربط ارتباطًا عضويًّا بالموضوع.
4- الإكثار من الشواهد القرآنية والسنة النبوية وسلوك السلف الصالح.
5- فتح باب الأمل أمام سامعيه حتى العصاة منهم يقول محمد لبيب البوهي: "لم يعرف عنه أنه هون من شأن سامعيه: كان أولاً يصور لهم في صورة رائعة بطولات أسلافهم وأمجادهم ثم يؤكد لهم أنهم مثلهم وأن لهم نفس المجد لو ساروا في نفس الطريق ثم يذهب يكشف لهم عن معالم هذا الطريق فتدب في النفوس قوى من العزم الحديدي.. كان ينفخ في سامعيه من روح العزة الإسلامية. ولعل هذا هو سر الهتاف القوي الموجه الذي ينبعث من الجموع يرج الفضاء في أعقاب خطبه" (3).
وما سبق يعرض صورة موضوعية فنية للإمام الشهيد في خطبه. عرضها بإيجاز واحد من تلاميذه عرفه عن كثب بل عاشه وعاش دعوته وعُرف بقدرته القلمية في ذلك المقال وتأليف الكتب وكذلك في القصص والروايات ويتمتع بقدرة فنية على العرض والتصوير.
وقد يكون من تتمة البحث أن أعرض في السطور الآتية صورة عفوية للإمام الخطيب وجنود دعوته، وهي صورة ما زالت محفورة في ذهني بعد أن مضى عليها قرابة ستين عامًا. ومن الذكريات ما يطويه الزمن، ويسدل عليه ستائر النسيان إلى غير رجعة.
ومن الذكريات ما يطوف بالإنسان في فترات متباعدة من حياته ولكن في صورة شبحية غائمة لا تثير في النفس المشاعر إلا هوامشها الطافية ومساحتها السطحية.
ومن الذكريات ما يتغلغل في نفس الإنسان حتى تتشربه روحه وتغدو هذه الذكريات كأنها عضو حي من أعضائه بل أشدها وأقواها نبضًا وحياة.
أقول هذا بعد مضي قرابة ستين عامًا من الزمان على واقع عظيم لذيذ.. عشته لساعات وأنا تلميذ بالمرحلة الابتدائية وذلك في مدينة "المنزلة"– بلدي ومسقط رأسي– وهي مدينة ساحلية تقع على بحيرة المنزلة، في أقصى شمال دلتا النيل، بعيدًا عن القاهرة بقرابة مائة وخمسين ميلاً.
كان ذلك في شارع (البحر المردوم)– أوسع شوارع "المنزلة" وأطولها- فبعد صلاة الظهر– في يوم شديد الحرارة- رأيت مسيرة من خمسمائة رجل– على الأقل– ما بين شاب في العشرين وشيخ جاوز الخمسين.. أزياؤهم واحدة: لونها "كاكي"، والزي الواحد يتكون من "بنطلون" قصير (شورت) وجورب طويل وقميص وطربوش ومنديل أخضر كبير يلف على العنق ويرخى قرابة نصفه على منطقة التقاء العنق بالظهر على شكل مثلث ويتدلى طرفاه على الصدر محبوسين بحابس من الجلد.
وعرفت بعد ذلك أن هذ الزي يسمى "زي الجوالة"، وأن هؤلاء جميعًا- من شباب وكهول وشيوخ- اسمهم- "جوالة الإخوان المسلمين "، وأنهم جميعًا من أهل "المنزلة" والقرى التي تحيط بها، وقد جمعت هذه المسيرة - الموحدة الزي- فلاحين وعمالاً وأطباء ومدرسين ووعاظًا وتجارًا.
ياه!! أنا لم أشهد مثل هذه المسيرة من قبل لا في الواقع ولا في الخيال والأحلام .. صدقوني.
رأيتهم يسيرون على دقات طبول منتظمة يتخللها أصوات قوية نفاذة من النفير أو البروجي، وكان النافحون في هذه "الآلة النحاسية" لا يقلون عن أربعين جوالاً موزعين على ثلاث مجموعات: في المقدمة والوسط والمؤخرة، ومن عجب أن النافخين كانوا ينفخون كل مرة قرابة خمس دقائق دون نشاز، ودون أن يسبق نافخ زميله أو يتأخر عنه للحظة واحدة على تباعد أماكنهم.
ثم يصدر الأمر من قائد المسيرة الأستاذ محمد قاسم صقر- رحمه الله- بالتوقف لهتف كل من في المسيرة- وراء حامل المصحف الكبير: "الله أكبر ولله الحمد".. الله غايتنا، والقرآن دستورنا، والرسول زعيمنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".
وفي نهاية الشارع الطويل تطول وقفة المسيرة- بأمر القائد- لعشرة دقائق ليكون بعد الهتاف السابق نشيد ما زلت أذكر مطلعه وكلماته.
هو الحق يحشد أجناده ويعتد للموقف الفاصل
فصفوا الكتائب آساده ودكوا به دولة الباطل
سبحان الله!!.. ما شاء الله.. من علم هؤلاء- الذين أراهم لأول مرة- كل هذه الآداب.. الطاعة والنظام.. والإنشاد الانضباط، وكلهم على قدم المساواة استجابة وتنفيذا، مع اختلاف ثقافتهم وأنماطهم الفكرية ومراكزهم الاجتماعية بل إن كثيرين منهم أميون لا يعرفون القراءة والكتابة؟!!
وأراني أربط قويا بين هذه الخاطرة وبين حقيقة تاريخية قرأتها بعد ذلك بسنوات وخلاصتها أن "رستم"- قائد جيوش الفرس- كان إذا سمع تكبير المسلمين للصلاة- في خط المواجهة الفارسي- بكى واستبد به الحزن وصرخ:" أكل عمر بن الخطاب كبدي"- أي قتلني عمر- فيسأله من بحضرته:" كيف أكل كبدك وانت حي بيننا"؟!! فيجيب " لأنه يعلم هؤلاء الأعراب الآداب".
وأعود لخاطرتي وأقول : بمثل هذه الآداب استطاع أصحاب هذه "المسيرة الإسلامية" أن يأكلوا أكباد اليهود في فلسطين أواخر الأربعينيات ويأكلوا أكباد الإنجليز في خط قناة السويس اوائل الخمسينيات.
وأعود إلى "المسيرة الإخوانية" في مدينتي- المنزلة- وأراني- أنا ابن العاشرة- أكاد أطير من الفرح.. إنهم يسيرون وخطوتي الضيقة لا تتمكن من مسايرة خطوانهم الواسعة إلا بشيء من الجري بين الفينة والفينة وكانني أخشى أن يتخطوا مجال رؤيتي فيقفز قلبي من بين جنبي .. ويواصل المسيرة المنتظمة معهم ويحثني أن أغد السير حتى أدركه ويسكن صدري من جديد ومع فرحي الغامر كان شيء من الحزن يخامرني مخافة أن ينتهي العرض الحلو الجليل.
ياه.. ليته يستمر ساعات .. بل أياما متواصلة . إن تيار الشعور المتدفق في نفسي لم يستطع ولن تستطيع اللغة أن تعبر عنه بكماله إنها حقيقة أؤكدها بصدق وأمانة وأسحضرها وأنا أقرأ فيما بعد قول فيما بعد قول أبي تمام في حديثه عن فتح عمورية على يد المعتصم:
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب
فمن المواقف والمشاعر ما يكون له من الأبعاد والدلالات والإشعاعات والظلال ما تعجز اللغة- أية لغة- عن الإحاطة بكل أقطاره.
ولكن ما شأن هذا العرض أو هذه المسيرة؟ ولماذ خرجت ظهر هذا اليوم بالذات؟
وأسأل "عم مسعد" الخضراتي صديق والدي، فيأتيني جوابه:
- دُول رجالة الشيخ حسن البنا.. لأنه سيحضر الليلة ويخطب في الصوان (السرادق) الكبير.. راجل فصيح قوي.. سمعته مرة في بورسعيد... و.. و...
- حسن البنا؟!.. حسن البنا؟! إنه اسم لم أسمع به من قبل.
وبعد صلاة العشاء كنت أنا ووالدي نأخذ مكانينا في السرادق الكبير أما" جوالة" الظهيرة فقد انتشروا داخل السرادق وخارجه لإقرار النظام. وبعد نصف ساعة ارتج المكان بالهتاف :" الله أكبر ولله الحمد" .. وشعرت بانني كبير جدا وأنا أردد مع هؤلاء الناس بصوتي " النحيف".. " الله أكبر ولله الحمد" .. لقد حضر المرشد.. رأيته وعلى فمه ابتسامة عريضة وهو يشق طريقه إلى المنصة بين صفين من الجوالة على هيئة "كردون" وهم متشابكوا الأيدي واستطاعوا بصعوبة بالغة أن يمنعوا "بظهورهم" تدفق الجمهور المتدافع من الجانبين لمصافحة المرشد العظيم.
وعلى مدى ثلاث ساعات كان الناس يستمعون غليه كأن على رءوسهم الطير لقد سمعته يقدم لونًا جديدًا من الكلام.. كلامًا يختلف تمامًا عما نسمعه في خطب الجمعة واحتفالات المولد النبوي.
ومن المشهور عن بلدي "المنزلة" أنها بلد الصيد والسفن والتجارة (نقل الركاب والبضائع بالسفن الشراعية في بحيرة المنزلة)، ومن هذا الواقع البيئي- الذي لا يجهله واحد من الحاضرين صغارهم وكبارهم- انطلق حسن البنا في حديثه فشبَّه الأمة بسفينة: جسمها الشعب وشراعها الإيمان ودفتها الحكومة، وقد تعوزني الدقة في هذا التجزيء التشبهي ولكن الذي أذكره- وقد مضى أكثر من ستين عامًا على ما سمعت- أن السفينة كانت مشبهًا به وأنه- رحمة الله- دخل نفوس الناس من الدقائق الأولى وهو يشرح مقولته مكثرًا من الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ووقائع من السيرة النبوية وحياة السلف الصالح (4 ).
كنت– على صغر سني– أفهم بل أعيش كل كلمة يقولها الرجل العظيم، ولكن الأهم من ذلك هو إحساسي القوي- وأنا أجلس بجانب والدي في الحفل- أن الإمام يوجه كلماته ونظراته إلى دون غيري وأخفيت هذا الخاطر عن والدي وفي اليوم التالي سمعت والدي يقول لواحد من جيراننا الذين حضروا الحفل– وكان يجلس أقرب إلى المنصة منا-: لقد شدني الشيخ حسن– الله يكرمه– بخطبته مساء أمس، وكنت أشعر أنه يخصني بنظراته وكلامه الجميل.
وقال جارنا: عجيبة!!! والله كنت أشعر نفس الشعور.
فآمنت بعدها أن الرجل – رحمه الله – قد بلغ مقامًا مما يمكن أن نسميه" البلاغة الإيمانية" لا يرقى إلى مثله إلا أقل الأقلين على مدار التاريخ الإنساني كله.
ولعل مصدر هذه السمة ما سجله الأستاذ البوهي وعرضناه ونكرر بعضه في السطور الآتية: "كان الإمام لا يبدأ حديثه حتى يعالج روح الحفل بتوحيد المشاعر والأحاسيس في جو من الانسجام العاطفي والتوافق الروحي... ومن عينيه ينبعث بريق الحب الخالص المصفى حتى للجماد. وتكاد تحس هذا الحب مجسدًا يسعى بين يديه.
ومن هذا الإشعاع الروحي العلوي الموفق يجمع إليه في خيط الحب؛ الأبصار والأسماع والأفئدة والقلوب وينسى الناس أنفسهم وينسون الوقت والمكان ويهيمون معه في عالم الروح ويشعرون من ذلك بنشوة عليا هي من بركات الاجتماع كما كان يقول..."(5).
----------
* هوامش
(1) محمد سعيد إسير، وبلال جنيدي: الشامل دار لعودة بيروت الطبعة الثانية 1985، صـ 476، وفي تعريف الخطبة وأجزائها وأنواعها، ارجع إلى مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان ، بيروت 1947 صـ ( 205، 371، 531).
(2) الإيمان والرجل ، صـ (51 – 57)
(3) السابق، صـ (56)
(4) وعن هذا الملمح كتب جاكسون عن الإمام الشهيد: "كان قديرًا على أن يحدث كلاً بلغته وفي ميدانه وعلى طريقته، وفي حدود هواه وعلى الوتر يحسن به وعلى الجرح يثيره ويعرف لغات الأزهريين والأطباء والمهندسين والصوفية وأهل السنة ويعرف لهجات الأقاليم في الدلتا وفي الصحراء وفي مصر الوسطى والعليا وتقاليدها بل إنه يعرف لهجات الجزارين والفتوات وأهالي بعض أحياء القاهرة الذين تتمثل فيهم صفات بعينها بارزة، وهو يستمر موضوع حديثه أثناء سياحاته في الأقاليم وفي كل بلد من مشاكلها ووقائعها وخلافاتها ويربطه في لباقة مع دعوته ومعالمها الكبرى، فيجيء كلامه عجبًا يأخذ بالألباب كأن يقول للفلاحين في الريف: عندنا زرعتان إحداهما النماء كالقثاء والأخرى طويلة كالقطن" (حسن البنا.. الرجل القرآني (20-21)).
(5)الإيمان والرجل، صـ (51 – 57).